ما علاقة المراحيض بالأمان على الطرق الأفريقية؟.. دراسة تكشف السبب
دعوة عاجلة لبناء مراحيض عامة لتقليل حوادث الطرق في أفريقيا
الحوادث تكلف الدول الأفريقية نحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا
تشكل السلامة على الطرق أحد أكبر التحديات في أفريقيا، حيث تأتي الرحلات البرية مصحوبة بمخاطر جسيمة تهدد الأرواح والممتلكات.
على الرغم من أن القارة تمتلك أقل من 4% من أسطول السيارات العالمي، إلا أن حوادث الطرق تمثل نحو ربع الوفيات المرورية على مستوى العالم، وفق بيانات منظمة الصحة العالمية.
الوضع في أفريقيا جنوب الصحراء أكثر مأساوية، حيث يسجل معدل الوفيات على الطرق 27 حالة لكل 100,000 نسمة، أي ثلاثة أضعاف المتوسط الأوروبي البالغ 9 حالات لكل 100,000 نسمة، ومتجاوز للمتوسط العالمي البالغ 18 حالة.
تشير الدراسات إلى أن هذه الحوادث تكلف الدول الأفريقية نحو 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا، وهو عبء اقتصادي هائل يهدد التنمية ويعطل المجتمعات.

الطرق الرديئة سبب زيادة الحوادث
البنية التحتية للطرق تمثل جزءًا من المشكلة، رغم الاستثمارات الأخيرة في مشاريع الطرق، لا تزال جودة الطرق منخفضة في كثير من الدول الأفريقية.
تظهر تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي وصندوق النقد الدولي، بالإضافة إلى الدراسات الأكاديمية، أن الطرق الرديئة تسهم بشكل مباشر في زيادة الحوادث، خاصة في المناطق الريفية والحضرية على حد سواء.
غير أن الحوادث وسوء جودة الطرق ليست السبب الوحيد وراء هذه الإحصاءات المقلقة.
غياب المراحيض العامة والمرافق الصحية الملائمة يشكل عاملًا غير متوقع ولكنه حاسم في سلامة السائقين.
تشير أبحاث حديثة إلى أن الضغط النفسي والجسدي الناتج عن الحاجة الملحة للتبول يؤدي إلى تشتيت انتباه السائقين ويزيد من احتمالية اتخاذ قرارات محفوفة بالمخاطر، مثل تجاوز السرعة، الاقتراب المفرط من السيارات الأخرى، أو المناورات المتهورة للوصول إلى أقرب مرافق.

القيادة في حالة الحاجة الملحة للحمام خطرة
في دراسة حديثة نشرها الباحث Festival Godwin Boateng من جامعة أكسفورد، تبيّن أن التوتر الناتج عن الحاجة إلى استخدام المرحاض يسبب تدهورًا إدراكيًا يعادل البقاء مستيقظًا 24 ساعة متواصلة، كما أن تأثيره على القيادة يعادل مستوى تركيز الكحول في الدم بنسبة 0.05٪، وهو ما يساوي أو يتجاوز الحدود القانونية المسموح بها في دول أفريقية عدة مثل تونس والمغرب ومالي ومدغشقر.
هذه النتائج تجعل القيادة في حالة الحاجة الملحة للحمام خطرة بنفس قدر القيادة تحت تأثير الكحول أو الإرهاق الشديد.

في كينيا، تمثل قضية بارزة في هذا السياق، حيث نجح المحامي العام للمصلحة العامة، أدريان كاموثو نجنجا، في 2020 برفع دعوى قضائية ضد السلطات لإجبارها على توفير مراحيض للمسافرين على الطرق، في خطوة تعتبر سابقة مهمة في مجال حقوق السائقين وسلامة التنقل.
الحل يكمن في استثمار شامل في البنية التحتية الصحية على الطرق.
تقول منظمة الصحة العالمية إن نحو 779 مليون شخص في أفريقيا لا يملكون وصولًا موثوقًا وآمنًا إلى مراحيض نظيفة، ما يعكس حجم أزمة “فقر المراحيض” على مستوى القارة.
ومن شأن بناء المزيد من المراحيض العامة أن يُسهم في معالجة مشكلة فقر المراحيض بشكل عام في القارة، وكذلك في سياق التنقل.
فوائد المراحيض للسلامة على الطرق
القيادة وأنتَ مُضطرٌ للذهاب إلى الحمام قد تكون تجربةً مُرهِقةً ومُشتِّتةً للانتباه، قد تُشكِّل خطرًا على نفسك وعلى مُستخدمي الطريق الآخرين، إذ تُشتِّت انتباهك عن حالة الطريق وحركة المرور.
كما أن هذا الاندفاع الجسدي قد يُؤثِّر على حُكمك وردود أفعالك في المواقف الخطرة.
تشتيت الانتباه والإلحاح قد يجعل السائق غير صبور، ويميل إلى البدء في السرعة، أو متابعة السيارات الأخرى عن كثب، أو محاولة القيام بمناورات متهورة للوصول إلى أقرب مكان يمكنه فيه الاسترخاء.
أظهرت الأبحاث أن الأشخاص الذين لا يستطيعون التبول عندما تكون مثانتهم ممتلئة يعانون من ضعف الإدراك أو الانتباه بما يعادل البقاء مستيقظًا لمدة 24 ساعة .
التدهور المعرفي المرتبط بالرغبة الشديدة في التبول يعادل أيضًا تركيزًا للكحول في الدم بنسبة 0.05% .
وهذا يعادل أو يتجاوز حدود تركيز الكحول في الدم التي تفرضها تونس (0.05%)، والسودان وموريتانيا (0%)، والمغرب (0.02%)، ومالي (0.03%)، ومدغشقر (0.04%)، ودول أفريقية أخرى على السائقين .
كل هذا يشير إلى أن القيادة تحت ضغط الذهاب إلى الحمام لا تقل خطورة عن القيادة تحت تأثير الكحول أو الإرهاق.
كما يعني أن تحسين الوصول إلى دورات المياه يمكن أن يحقق فوائد في السلامة المرورية تضاهي تطبيق قوانين مكافحة القيادة تحت تأثير الكحول أو الإرهاق، ينبغي دمج المراحيض ضمن تطوير الطرق وأنظمة التنقل.
توفير مراحيض عامة على الطرق يمكن أن يساهم بشكل مباشر في تقليل الحوادث وتحسين جودة حياة المسافرين
توفير مراحيض عامة على الطرق السريعة والمناطق الحضرية يمكن أن يساهم بشكل مباشر في تقليل الحوادث وتحسين جودة حياة المسافرين.
في غانا، بدأت بعض المبادرات الخاصة في إنشاء محطات استراحة على الطرق السريعة تحتوي على مراحيض وخدمات إضافية مثل أماكن للراحة، مطاعم صغيرة، ومتاجر.
تشكل هذه المحطات نموذجًا عمليًا لتخفيف الضغط على السائقين، ويمكن للحكومات دعمها عبر حوافز لتوسيع نطاقها وجعلها أكثر قدرة على الاستيعاب وميسورة التكلفة.
في المدن، غالبًا ما يعتمد السائقون على مرافق الفنادق، المطاعم، محطات الوقود، البنوك، والمقاهي، لكن هناك حاجة لدراسة جودة هذه المرافق، نظافتها، تكلفتها، وأمانها، فضلاً عن التحديات المرتبطة بالحرج الاجتماعي الذي قد يمنع السائقين من استخدامها.
نشر هذه الدراسات سيساعد على توعية الجمهور وتحفيز الدعم السياسي لدمج مرافق صحية آمنة وموثوقة ضمن سياسات النقل.
الاستنتاج
تحسين الوصول إلى المراحيض على الطرق ليس مجرد مسألة صحية أو راحة، بل يمثل عنصرًا حيويًا في استراتيجيات السلامة المرورية.
يمكن أن يكون الاستثمار في البنية التحتية الصحية جزءًا من برامج السلامة الوطنية، إلى جانب قوانين الحد من السرعة، مكافحة القيادة تحت تأثير الكحول، وتحسين جودة الطرق، لتحقيق تأثير ملموس في إنقاذ الأرواح وخفض الخسائر الاقتصادية.





