ما أسواق الكربون؟ وكيف تستفيد الشركات والدول من تداول الأرصدة الكربونية؟

من خفض الانبعاثات إلى تمويل التنمية.. كيف تعمل أسواق الكربون؟

ما أسواق الكربون؟

تتزايد أهمية أسواق الكربون مع تصاعد التحديات المناخية، وتنامي الضغوط على الحكومات والشركات لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة. وتقوم هذه الأسواق على مبدأ اقتصادي أساسي، هو وضع قيمة مالية لخفض الانبعاثات أو إزالتها من الغلاف الجوي، بما يتيح تداول وحدات الكربون وفق قواعد محددة.

وتُعد أسواق الكربون إحدى الأدوات التي يمكن أن تساعد في تحقيق الأهداف المناخية، من خلال تشجيع الاستثمار في التقنيات منخفضة الانبعاثات، وتحسين كفاءة الطاقة، وحماية الغابات، وتطوير ممارسات زراعية تسهم في خفض الانبعاثات أو تخزين الكربون.

لكن فاعلية هذه الأسواق تعتمد على جودة القواعد المنظمة لها، ودقة قياس الانبعاثات، وشفافية المشروعات، والتأكد من أن الخفض المعلن حقيقي وقابل للتحقق، وليس مجرد أرقام تستخدم لتحسين الصورة البيئية للشركات.

ما أرصدة الكربون؟

يُستخدم مصطلح «رصيد الكربون» للإشارة إلى وحدة قابلة للتداول تمثل عادةً خفض طن واحد من ثاني أكسيد الكربون أو ما يعادله من الغازات الدفيئة، أو إزالة هذه الكمية من الغلاف الجوي، وفقًا للمعايير المعتمدة في البرنامج الذي أصدر الرصيد.

وتنشأ الأرصدة من مشروعات وأنشطة تستهدف تجنب الانبعاثات أو خفضها أو إزالة الكربون، مثل استعادة النظم البيئية، وتحسين إدارة الأراضي الزراعية، والحد من انبعاثات الميثان، ورفع كفاءة استهلاك الطاقة، وتطوير بعض التقنيات الصناعية.

وفي أستراليا، على سبيل المثال، تمثل وحدة ائتمان الكربون الأسترالية (ACCU) إحدى الوحدات المنظمة التي يمكن بيعها وشراؤها، وتُمنح للمشروعات المؤهلة عن كل طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون الذي تتجنب انبعاثه أو تزيله وفق القواعد المحددة. وتدير الجهات المختصة نظام هذه الوحدات وتراقب المشروعات المرتبطة به.

كيف تعمل أسواق الكربون؟

كيف تعمل أسواق الكربون؟

تربط أسواق الكربون بين جهتين رئيسيتين: جهات تحتاج إلى خفض انبعاثاتها أو الوفاء بالتزامات مناخية، وجهات تنفذ مشروعات تحقق خفضًا للانبعاثات أو إزالة للكربون، ويمكنها بيع الأرصدة الناتجة عن هذه المشروعات.

وتستطيع المنشآت الخاضعة لقواعد إلزامية خفض انبعاثاتها مباشرةً، من خلال تغيير التكنولوجيا المستخدمة أو تحسين العمليات التشغيلية، أو استخدام وحدات كربونية مؤهلة ضمن الحدود التي يسمح بها النظام المنظم. وفي المقابل، يمكن للمشروعات التي تحقق خفضًا أو إزالة معترفًا بها أن تولد أرصدة قابلة للبيع.

ويؤثر العرض والطلب، إلى جانب نوع الرصيد وجودته والقواعد المنظمة لاستخدامه، في تحديد سعر الكربون. وتختلف الأسعار باختلاف السوق، وطبيعة المشروع، ومدى موثوقية الخفض المناخي، وما إذا كانت الأرصدة مؤهلة للوفاء بالتزامات قانونية أو مخصصة للاستخدام الطوعي.

نوعان رئيسيان: أسواق الامتثال والأسواق الطوعية

أولًا: أسواق الكربون الإلزامية

تنشأ أسواق الامتثال بموجب قوانين أو سياسات حكومية تفرض قيودًا أو التزامات على انبعاثات قطاعات أو منشآت محددة. وقد تتضمن هذه الأنظمة سقفًا للانبعاثات، أو حدودًا متدرجة، أو متطلبات تسمح بتداول وحدات الانبعاثات أو استخدام أرصدة مؤهلة.

ومن أبرز الأمثلة نظام تداول الانبعاثات في الاتحاد الأوروبي، ونظام تداول الانبعاثات في نيوزيلندا، وبرنامج الحد الأقصى للانبعاثات والتداول في ولاية كاليفورنيا الأمريكية.

وتختلف آليات هذه الأنظمة من سوق إلى أخرى، لكنها تستهدف عمومًا تحفيز المنشآت على خفض الانبعاثات، وتوفير مرونة في كيفية تحقيق الأهداف المناخية، مع إخضاع المشاركين لقواعد الرصد والإبلاغ والتحقق.

ثانيًا: أسواق الكربون الطوعية

تتيح الأسواق الطوعية للشركات والمؤسسات وغيرها شراء أرصدة كربونية للمساهمة في الوفاء بالتزامات مناخية معلنة، من دون أن يكون الشراء بالضرورة استجابة لالتزام قانوني. وقد تستهدف المؤسسات من خلالها معالجة الانبعاثات المتبقية بعد تنفيذ إجراءات الخفض المباشر.

وتعمل مبادرات ومعايير دولية، مثل Gold Standard وVerra، على وضع متطلبات للمشروعات التي تسعى إلى إصدار أرصدة كربونية، بما يشمل منهجيات قياس الخفض والتحقق منه. أما آلية التنمية النظيفة (CDM)، فقد ارتبطت بنظام بروتوكول كيوتو، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها آلية جديدة مستقلة عن التطورات التي شهدتها قواعد اتفاق باريس.

ولا يعني وجود معيار أو شهادة أن جميع الأرصدة متساوية في الجودة؛ إذ يتطلب تقييمها النظر في مدى إضافية الخفض، واستمراريته، واحتمالات تسرب الانبعاثات إلى مناطق أخرى، ودقة تقدير النتائج، ومدى تجنب احتساب الخفض نفسه أكثر من مرة.

لماذا تزايدت الحاجة إلى أسواق الكربون؟

لماذا تزايدت الحاجة إلى أسواق الكربون؟

1. تسريع خفض الانبعاثات ومواجهة تغير المناخ

تتطلب مواجهة تغير المناخ خفضًا سريعًا وعميقًا للانبعاثات في قطاعات الطاقة والصناعة والنقل والزراعة وغيرها. ويمكن لأسواق الكربون أن تساعد في توجيه الاستثمارات إلى الأنشطة التي تحقق خفضًا للانبعاثات، لكن دورها يظل مكملًا للسياسات والإجراءات التي تقلل الانبعاثات من مصادرها.

وتبرز الحاجة إلى تسريع العمل المناخي في ظل اتساع الفجوة بين المسار الحالي للانبعاثات والأهداف المنصوص عليها في اتفاق باريس. وقدّر تقرير فجوة الانبعاثات الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة عام 2024 أن استمرار السياسات القائمة آنذاك قد يقود إلى ارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية بنحو 3.1 درجات مئوية خلال القرن الحالي. وهذه تقديرات مرتبطة بالسيناريوهات والسياسات التي قيّمها التقرير، وليست توقعًا حتميًا.

2. معالجة الانبعاثات التي يصعب التخلص منها

توجد قطاعات وأنشطة يصعب خفض انبعاثاتها بالكامل بالاعتماد على الحلول المتاحة حاليًا، خصوصًا بعض العمليات الصناعية الثقيلة. وفي هذه الحالات، قد تساعد الأرصدة الكربونية المؤهلة في التعامل مع جزء من الانبعاثات المتبقية، بشرط أن تكون المؤسسة قد بذلت جهودًا فعلية لخفض انبعاثاتها المباشرة.

ولا يصح أن تصبح الأرصدة بديلًا عن التحول إلى الطاقة النظيفة أو تحسين الكفاءة أو تغيير العمليات كثيفة الكربون، كما لا ينبغي استخدامها لتبرير استمرار الانبعاثات التي يمكن تجنبها.

3. خفض تكلفة تحقيق الأهداف المناخية

يمكن لتسعير الكربون وتداول وحداته أن يشجعا الشركات على البحث عن حلول أقل تكلفة لخفض الانبعاثات، وأن يوفرا حوافز اقتصادية للاستثمار في التكنولوجيا النظيفة. وقد تتيح الأسواق أيضًا فرصًا للتعاون بين الدول والقطاعات الاقتصادية، وفق القواعد التي تحكم تداول الوحدات واحتساب نتائجها.

غير أن انخفاض التكلفة وحده لا يكفي للحكم على نجاح السوق؛ إذ يجب أن يتحقق الخفض الفعلي للانبعاثات، وألا يؤدي تصميم السوق إلى تأخير التحول الضروري في القطاعات كثيفة الكربون.

4. دعم أهداف الحياد الكربوني وصافي الانبعاثات الصفري

تلجأ شركات ومدن ومؤسسات إلى خطط مناخية تتضمن خفض الانبعاثات المباشرة وغير المباشرة، وقد تستخدم أرصدة الكربون لمعالجة الانبعاثات المتبقية ضمن شروط ومعايير محددة.

ويجب التمييز بين الحياد الكربوني وصافي الانبعاثات الصفري، وبين التعهد بتحقيقهما والوفاء الفعلي بهما. فالمصداقية تتطلب الإفصاح عن الانبعاثات، ووضع أهداف واضحة، وتقديم بيانات قابلة للتحقق عن الخفض، وتجنب الادعاءات البيئية المضللة.

5. تعبئة التمويل للمشروعات المناخية والتنمية المستدامة

يمكن لأسواق الكربون أن تفتح مصادر دخل إضافية لمشروعات حماية الغابات، واستعادة الأراضي المتدهورة، وتحسين الممارسات الزراعية، وخفض انبعاثات النفايات والميثان، وغيرها من الأنشطة المناخية.

وقد يسهم هذا التمويل في دعم المجتمعات المحلية، وخلق فرص اقتصادية، وتحسين إدارة الموارد الطبيعية، شريطة أن توزّع المنافع بصورة عادلة، وأن تحترم حقوق المجتمعات والسكان الأصليين، وألا تتسبب المشروعات في أضرار اجتماعية أو بيئية.

ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار أسواق الكربون بديلًا عن التمويل المناخي العام أو التزامات الدول تجاه الاقتصادات النامية؛ فهي أداة من بين مجموعة أوسع من الأدوات التمويلية.

سوق الكربون العالمي بالأرقام

تُظهر بيانات البنك الدولي أن سياسات التسعير المباشر للكربون، التي تشمل ضرائب الكربون وأنظمة تداول الانبعاثات، غطت نحو 28% من انبعاثات غازات الدفيئة العالمية في عام 2025. كما تجاوزت الإيرادات الحكومية الناتجة عن هذه السياسات 100 مليار دولار خلال عام 2024، وارتفعت إلى أكثر من 107 مليارات دولار في عام 2025، وفق تقرير البنك الدولي لعام 2026.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذه الإيرادات ترتبط أساسًا بآليات التسعير المباشر للكربون، ولا تعني أن المبلغ نفسه يمثل قيمة مبيعات أرصدة الكربون في الأسواق الطوعية. فهناك فرق بين إيرادات ضرائب الكربون وأنظمة تداول الانبعاثات من جهة، وقيمة تداول الأرصدة الكربونية من جهة أخرى.

سوق الكربون العالمي بالأرقام

وتوضح هذه الأرقام اتساع دور تسعير الكربون في السياسات الاقتصادية والمناخية، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن الانبعاثات تنخفض بالمعدل المطلوب؛ إذ يتوقف الأثر الحقيقي على مستوى الأسعار، وتصميم السياسات، وصرامة الحدود المفروضة على الانبعاثات، ومدى التزام الجهات المعنية بها.

أستراليا نموذجًا لأسواق الكربون

تقدم التجربة الأسترالية مثالًا على الجمع بين نظام ائتمان الكربون والسوق الإلزامية والسوق الطوعية. وتسمح منظومة وحدات ائتمان الكربون الأسترالية (ACCU) للمشروعات المؤهلة بالحصول على أرصدة مقابل خفض الانبعاثات أو تجنبها أو إزالة الكربون وتخزينه، وفق منهجيات معتمدة.

آلية الحماية للمنشآت الصناعية

تعتمد أستراليا آلية تُعرف باسم «آلية الحماية» (Safeguard Mechanism)، وتضع حدودًا للانبعاثات الصافية للمنشآت الصناعية الكبرى المشمولة بها. وتنطبق الآلية على المنشآت التي تتجاوز انبعاثاتها 100 ألف طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنويًا.

وأُدخلت إصلاحات على هذه الآلية بدأ تطبيقها في يوليو 2023، بما يشمل خفض الحدود المقررة للانبعاثات بصورة تدريجية، بهدف تعزيز مساهمة المنشآت الكبرى في تحقيق الأهداف المناخية الأسترالية. ويمكن للمنشآت استخدام وحدات مؤهلة ضمن القواعد المنظمة للامتثال، بينما قد تتمكن المنشآت التي تحقق أداءً أفضل من حدودها من الحصول على وحدات ائتمان وفق الشروط المعمول بها.

السوق الطوعية والمنافع المحلية

يمكن للشركات الأسترالية أيضًا شراء وحدات كربونية طوعًا لدعم أهدافها المناخية. وقد تشمل المنافع المصاحبة لبعض المشروعات تحسين إدارة الأراضي، وحماية التنوع البيولوجي، ودعم فرص العمل والمجتمعات المحلية.

لكن التجربة الأسترالية، مثل غيرها من الأسواق، تبرز أهمية الرقابة على جودة الأرصدة وطرق حساب الخفض، ومدى الثقة في النتائج التي تعلنها المشروعات. وقد خضعت منظومة ائتمان الكربون الأسترالية لمراجعات وتقييمات، بما يعكس استمرار النقاش حول نزاهة السوق وقدرتها على تحقيق خفض حقيقي وقابل للقياس.

أسواق الكربون الدولية واتفاق باريس

أسواق الكربون الدولية واتفاق باريس

منذ اعتماد اتفاق باريس عام 2015، أصبحت آليات التعاون الدولي في خفض الانبعاثات جزءًا مهمًا من النقاش المناخي. وحددت الدول الأطراف مساهماتها المحددة وطنيًا، التي تعكس أهدافها وخططها المناخية، بينما تطورت قواعد التعاون الطوعي وتداول نتائج التخفيف بين الدول بموجب المادة السادسة من الاتفاق.

وتوجد أسواق للكربون على مستويات مختلفة، منها نظام تداول الانبعاثات في الاتحاد الأوروبي، ونظام نيوزيلندا، وبرنامج كاليفورنيا. كما تسهم معايير ومبادرات دولية في تنظيم إصدار الأرصدة والتحقق من مشروعاتها، مع اختلاف نطاق كل مبادرة وقواعدها.

وقد تتيح بعض الأطر استخدام وحدات أو نتائج خفض محققة في دولة أخرى، لكن ذلك ليس تلقائيًا؛ إذ يعتمد على قواعد السوق المعنية، وأهلية الوحدات، وشروط الاعتراف بها، ومتطلبات المحاسبة المناخية. وفي حالات نقل نتائج التخفيف بين الدول بموجب المادة السادسة من اتفاق باريس، تكتسب مسألة التعديلات المقابلة أهمية خاصة لتجنب احتساب الخفض نفسه لصالح أكثر من طرف.

النزاهة والشفافية.. التحدي الأكبر أمام أسواق الكربون

لا تتوقف كفاءة أسواق الكربون على حجم الأموال المتداولة أو عدد الأرصدة المصدرة، بل على قدرتها على ضمان أن الأرصدة تمثل نتائج مناخية حقيقية.

ومن أبرز التحديات التي تواجه هذه الأسواق:

الإضافية: التأكد من أن خفض الانبعاثات لم يكن ليحدث بالقدر نفسه في غياب المشروع أو التمويل المرتبط به.

القياس والتحقق: استخدام منهجيات دقيقة وشفافة لحساب الانبعاثات التي جرى تجنبها أو إزالتها.

الاستمرارية: ضمان بقاء الكربون المخزن، خصوصًا في المشروعات القائمة على الغابات والأراضي، وعدم عودة الانبعاثات إلى الغلاف الجوي.

تجنب الاحتساب المزدوج: منع تسجيل الخفض نفسه أو استخدام الرصيد ذاته أكثر من مرة.

العدالة الاجتماعية والبيئية: حماية حقوق المجتمعات المحلية والسكان الأصليين، وتوزيع المنافع والأعباء بصورة عادلة.

مكافحة الغسل الأخضر: منع استخدام الأرصدة لتقديم ادعاءات مبالغ فيها عن الحياد الكربوني، بينما تستمر الانبعاثات المرتفعة دون خفض حقيقي.

النزاهة والشفافية.. التحدي الأكبر أمام أسواق الكربون

  سوق الكربون أداة وليست حلًا سحريًا

يمكن لأسواق الكربون أن تساعد في توجيه الاستثمارات إلى مشروعات خفض الانبعاثات وإزالة الكربون، وتوفير حوافز اقتصادية للتحول الأخضر، وفتح مصادر تمويل إضافية لبعض المشروعات المناخية. لكن نجاحها يتطلب قواعد قوية وشفافة، ورقابة مستقلة، وقياسًا موثوقًا للنتائج، وضمانات اجتماعية وبيئية.

والقاعدة الأساسية هي أن خفض الانبعاثات من مصادرها يجب أن يأتي أولًا، وأن تُستخدم الأرصدة الكربونية المؤهلة لمعالجة الانبعاثات المتبقية، لا لتأجيل التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون أو استبدال العمل المناخي الفعلي بادعاءات تسويقية.

↑
Exit mobile version