دراسة منشورة في مجلة Nature ترصد دائرة عصبية تحفظ الاتجاه لفترة وجيزة، وتكشف كيف يمكن للدماغ تثبيت ذكرى مؤقتة والتحكم في توقيت تخزينها
كشف باحثون يدرسون أدمغة ذباب الفاكهة عن آلية عصبية تساعد على تفسير كيفية تكوين الذاكرة قصيرة المدى والاحتفاظ بالمعلومات لفترة وجيزة، في اكتشاف قد يفتح آفاقًا جديدة لفهم الذاكرة العاملة لدى البشر، وهي القدرة التي نستخدمها للاحتفاظ بالمعلومات مؤقتًا أثناء تنفيذ المهام اليومية.
وتوضح الدراسة أن دائرة عصبية في مركز الملاحة بدماغ الذبابة تستطيع تثبيت اتجاه معين في الذاكرة بعد زوال المثير الذي دفعها إلى اختياره، مثل رائحة الطعام.
والأكثر إثارة أن هذه الدائرة لا تعمل بالطريقة نفسها طوال الوقت؛ إذ يشير النموذج الذي طوره الباحثون إلى وجود آلية كبح عصبي تتحكم في توقيت تثبيت المعلومة.
وقاد فريق البحث مختبر كاثرين ناجل في مركز لانغون الصحي التابع لجامعة نيويورك، باستخدام تسجيلات لنشاط الخلايا العصبية لدى إناث ذباب الفاكهة، إلى جانب نموذج حاسوبي يستند إلى خريطة الاتصالات بين خلايا الدماغ.
كيف تتذكر الذبابة اتجاه الرائحة بعد اختفائها؟
في التجربة، ثبّت الباحثون الذباب فوق كرة صغيرة تتحرك فوق وسادة هوائية، بما يسمح للحشرات بالمشي وتغيير اتجاهها مع بقائها في مكانها. ووجّهوا تيارًا من الهواء نحوها، مع تحريك مصدر الهواء بما يحاكي تغير اتجاه الرياح وفقًا لحركة الذبابة.
وفي أثناء التجربة، عرّض الباحثون الذباب لرائحة خل التفاح. فتوجهت الحشرات نحو مصدر الهواء الذي حمل الرائحة، واستمرت في المشي بالاتجاه نفسه لعدة ثوانٍ حتى بعد اختفاء الرائحة.
هذا السلوك مثّل فرصة لدراسة كيفية احتفاظ الدماغ بالاتجاه المختار بعد انتهاء الإشارة الحسية التي بدأت العملية.
وباستخدام المجهر، سجل الفريق نشاط الخلايا العصبية في منطقة تُعرف باسم «الجسم المروحي» (Fan-shaped body)، وهي جزء من نظام الملاحة في دماغ الذبابة، يرتبط بتحديد الاتجاهات والاحتفاظ بالأهداف المكانية.
دائرة عصبية تعمل كذاكرة مؤقتة
ركز الباحثون على نوعين من الخلايا العصبية، يُعرفان بالرمزين hΔK وPFG، وترتبطان ببعضهما ضمن دائرة من الاتصالات المتكررة.
وعندما تعرضت الذبابة لرائحة الخل، ظهر نمط من النشاط العصبي في موضع محدد داخل هذه الدائرة، وصفه الباحثون بأنه
«نتوء» من النشاط. ويشير موقع هذا النمط إلى الاتجاه الذي تتبعه الذبابة.
وظل النشاط قائمًا بعد اختفاء الرائحة ما دامت الذبابة تحافظ على مسارها. وعندما اختفى النمط العصبي، أصبحت الحشرة أكثر ميلًا إلى الانحراف عن الاتجاه الذي اختارته أثناء شم الرائحة.
وتتوافق هذه النتائج مع إحدى النظريات المعروفة عن الذاكرة العاملة، التي تفترض أن الخلايا العصبية تستطيع الاحتفاظ بمعلومة لفترة قصيرة من خلال تنشيط متبادل داخل شبكة عصبية، حتى بعد زوال المؤثر الأصلي.
لكن أهمية الدراسة لا تقتصر على رصد استمرار النشاط؛ إذ حاول الباحثون تفسير كيفية استمرار الإشارة، وكيف يمكن للدماغ الاحتفاظ بالمعلومة دون أن تصبح ثابتة بصورة يصعب تغييرها.
إشارات بطيئة تساعد على بقاء الذاكرة
أظهرت التجارب الكهربائية أن خلايا hΔK لا تستطيع بمفردها الاحتفاظ بالنشاط بعد انتهاء التحفيز المباشر؛ إذ تتوقف استجابتها سريعًا عندما ينتهي التيار الكهربائي المطبق عليها.
لكن عندما حفّز الباحثون الخلايا المتصلة بها داخل الدائرة، ظهرت استجابة أبطأ استمرت لفترة أطول. وعندما عُطّلت قدرة خلايا hΔK على إرسال إشاراتها مجددًا إلى الدائرة، اختفت هذه الاستجابة الممتدة.
واستخدم الفريق هذه النتائج لبناء نموذج حاسوبي يحاكي خصائص الدائرة العصبية، وأظهر النموذج أن الإشارات الاستثارية البطيئة تساعد على استمرار النشاط العصبي ضمن نطاق أوسع من الظروف، كما تتيح تعديل مدة استمرار النشاط بصورة تدريجية.
ويشير ذلك إلى أن توقيت الإشارات العصبية وسرعتها قد يكونان عاملين مهمين في كيفية احتفاظ الدماغ بالمعلومات لفترة محدودة، بدلًا من الاعتماد فقط على قوة التنشيط العصبي.
كيف يختار الدماغ المعلومة التي يحتفظ بها؟
لاحظ الباحثون اختلافًا في طريقة عمل نوعي الخلايا. فقد تتبع خلايا PFG اتجاه الذبابة المتغير، بينما ظهر نشاط خلايا hΔK بصورة أوضح عندما تسير الذبابة في خط مستقيم، وظل نمط نشاطها أكثر ثباتًا بعد ظهوره.
وتتلقى خلايا PFG إشارات مباشرة من الخلايا المرتبطة بما يشبه «البوصلة الداخلية» للذبابة، التي تساعدها على تحديد اتجاهها. أما خلايا hΔK فتشارك في تثبيت الاتجاه ضمن الدائرة العصبية.
وعندما غيّر الباحثون اتجاه تيار الهواء بمقدار 90 درجة أثناء التجربة، تحرك نمط النشاط الضعيف في خلايا PFG غالبًا مع تغير اتجاه الذبابة، بينما ظل نمط النشاط القوي أكثر ثباتًا.
وبناءً على هذه النتائج، يقترح الباحثون أن الدائرة تعمل وفق آلية يمكن وصفها بأنها «شبكة جاذبة منقسمة»: جزء يتابع معلومات الاتجاه المتغيرة، وجزء يساعد على تثبيت اتجاه محدد عندما تسمح الظروف بذلك.
الكبح العصبي.. بوابة تسجيل الذكريات
تشير الدراسة إلى أن مجموعة من الخلايا العصبية المثبطة، تُعرف باسم FB5V، قد تؤدي دورًا محوريًا في التحكم في توقيت تثبيت الاتجاه.
ففي النموذج الذي طوره الفريق، يظل نشاط خلايا hΔK مكبوحًا في الظروف العادية، بما يسمح لخلايا PFG بمتابعة إشارات الاتجاه. وعندما ينخفض هذا الكبح، تصبح الدائرة أكثر قدرة على تثبيت الاتجاه الحالي في الذاكرة.
ورصد الباحثون بالفعل انخفاضًا واضحًا في نشاط خلايا FB5V أثناء التعرض لرائحة الخل، واستمرار انخفاضه خلال فترة احتفاظ الذبابة بالاتجاه المختار. كما ارتفع نشاط هذه الخلايا عند حدوث انعطافات كبيرة أو عندما ابتعدت الذبابة عن الاتجاه المستهدف.
وتدعم هذه الملاحظات الفرضية القائلة إن الكبح العصبي يعمل بوصفه بوابة تحدد متى تتحول المعلومات الحسية العابرة إلى ذكرى قصيرة المدى.
ومع ذلك، فإن هذه الآلية لا تزال فرضية مدعومة بالتسجيلات والنموذج الحاسوبي؛ إذ لم يثبت الباحثون بعد بصورة مباشرة أن تشغيل خلايا FB5V أو إيقافها يؤدي إلى التغيير المتوقع في الدائرة.
ماذا تعني النتائج لفهم الذاكرة البشرية؟
لا تعني الدراسة أن ذاكرة الإنسان تعمل بالطريقة نفسها تمامًا التي تعمل بها ذاكرة ذبابة الفاكهة، كما أنها لا تثبت أن الدائرة العصبية المكتشفة موجودة بالصورة ذاتها في الدماغ البشري.
لكن ذباب الفاكهة يُستخدم على نطاق واسع في أبحاث علم الأعصاب، لأن دراسة دوائره العصبية تتيح اختبار مبادئ أساسية في الاتصال بين الخلايا والتحكم في النشاط العصبي.
وتقدم الدراسة نموذجًا يمكن أن يساعد العلماء على فهم كيفية الاحتفاظ بالمعلومات لفترة وجيزة، وكيفية تحديد توقيت تثبيتها، ولماذا تستمر بعض الإشارات في الدماغ بعد زوال المثير الذي بدأها.
وتتمثل الخطوة التالية في اختبار دور خلايا FB5V بصورة مباشرة، إلى جانب دراسة كيفية تحكم أنواع أخرى من الخلايا العصبية في المعلومات التي تحتفظ بها الدائرة، والمدة التي تستمر خلالها هذه الذاكرة.
ونُشرت الدراسة في مجلة Nature، تحت عنوان بحثي يتناول آلية تكوين الذاكرة قصيرة المدى في دائرة الملاحة العصبية لدى ذبابة الفاكهة.
