أخبارالطاقة

ليبيا تملك النفط وتستورد الوقود.. هل تستطيع مصراتة تحويل الأزمة إلى فرصة؟

من برميل النفط إلى اقتصاد الخدمات.. مصراتة تخطط لمركز طاقة في قلب ليبيا.. جبهة جديدة في اقتصاد النفط الليبي

في ليبيا، لا تبدأ قصة النفط من الحقول ولا تنتهي عند الموانئ، فخلف كل برميل يُنتج هناك سلسلة طويلة من الخدمات تحتاجها شركات الطاقة: سفن إمداد، مخازن، قطع غيار، معدات حفر، صيانة، نقل، خدمات بحرية، تخليص جمركي، ورش، ومئات التفاصيل التي قد تبدو صغيرة منفردة، لكنها تتحول إلى سوق بمليارات الدولارات عندما يتوسع النشاط النفطي.

مصراتة تريد أن تحصل على جزء من هذه السوق.

المدينة تستعد لتوسيع دورها في قطاع الطاقة الليبي من بوابة الخدمات، من خلال خطة لإنشاء مركز متكامل داخل الميناء والمنطقة الحرة، يجمع التخزين والمناولة والإمداد والصيانة والخدمات البحرية وسوائل الحفر وغيرها من الأنشطة المرتبطة بالنفط والغاز.

وتتحرك شركة «إن-في آر» النرويجية، المتخصصة في ترويج الاستثمارات في قطاع الطاقة، بالتعاون مع المنطقة الحرة بمصراتة، لطرح خطة المركز بالتزامن مع قمة مصراتة للطاقة والأعمال المقرر عقدها يومي 16 و17 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

القمة تستهدف أكثر من 300 شركة ومؤسسة محلية ودولية، وهو رقم يعكس حجم الرهان على تحويل مصراتة إلى نقطة تجمع للشركات العاملة في الخدمات المساندة للطاقة.

لكن السؤال الأكبر ليس هل تستطيع مصراتة إنشاء مركز جديد، وإنما: هل تستطيع ليبيا هذه المرة أن تجعل النشاط النفطي يولد قيمة داخل اقتصادها، بدل أن يظل أثره الأكبر مرتبطًا بتصدير الخام وإنفاق عائداته؟

ماذا تريد مصراتة أن تجمع في مكان واحد؟

الفكرة المطروحة ليست إنشاء مبنى أو منشأة واحدة، وإنما إقامة منظومة تتجمع فيها الشركات والخدمات التي تحتاجها عمليات النفط والغاز.

ويقول مدير إدارة الاستثمار في المنطقة الحرة بمصراتة وسام بوليفة إن المركز المقترح سيضم التخزين والمناولة وسلاسل الإمداد، وتخزين المعدات وقطع الغيار، وخدمات سوائل الحفر، إلى جانب الأرصفة والخدمات البحرية والشحن والتخليص الجمركي.

وقد تمتد الأنشطة لاحقًا إلى ورش الصيانة والتجهيز والتصنيع الخفيف، فضلًا عن مكاتب ومقار للشركات النفطية، وهذا يعني أن المنطقة الحرة تريد أن تنتقل خطوة أبعد من وظيفتها التقليدية كمكان لدخول البضائع وخروجها أو تخزينها.

الفكرة ببساطة أن تأتي شركة النفط إلى مصراتة وتجد في محيط واحد ما تحتاجه لتشغيل جزء من أعمالها، بدلًا من استيراد الخدمة والمعدات والخبرات من أماكن مختلفة.

وبحسب بوليفة، ستقوم المنطقة الحرة بتوفير الأراضي والبنية الأساسية والخدمات التنظيمية والمينائية، بينما تتولى الشركات المحلية والدولية إنشاء المرافق المتخصصة وتشغيلها، من خلال عقود استثمار أو إيجار أو شراكات.

المنطقة الحرة بمصراتة
المنطقة الحرة بمصراتة

الميناء جاهز.. ولكن

لدى مصراتة نقطة قوة واضحة: الميناء والمنطقة الحرة والقاعدة الصناعية موجودة بالفعل، فضلًا عن موقع المدينة وقربها من مناطق النشاط النفطي في حوض سرت.

ويقول المدير العام للإدارة العامة لميناء المنطقة الحرة بمصراتة إن البنية التحتية الحالية تستطيع استيعاب نحو 75% من التوسع المتوقع في خدمات النفط والغاز.

أما الجزء المتبقي فيحتاج، وفق التقديرات المطروحة، إلى تجهيز ساحات تخزين ومخازن مسقوفة وبعض الورش والمرافق الخدمية.

ولا يرى المسؤول حاجة ملحة في الوقت الحالي إلى إنشاء أرصفة جديدة، إذ تستطيع الأرصفة القائمة التعامل مع الزيادة المتوقعة في سفن الإمداد، خصوصًا في المرحلة الأولى التي قد تشهد زيادة حركة السفن التي تخدم منصات وحفارات النفط والغاز.

الطلب نفسه قد يتغير مع الوقت، فمرحلة الاستكشاف خلال العامين أو الأعوام الثلاثة المقبلة ستحتاج إلى نوع من الخدمات، بينما ستفرض مرحلة الاستخراج لاحقًا احتياجات أكبر في التخزين والتصنيع والصيانة والخدمات الفنية.

ليبيا تملك النفط وتستورد الوقود.. هل تستطيع مصراتة تحويل الأزمة إلى فرصة؟
ليبيا تملك النفط وتستورد الوقود.. هل تستطيع مصراتة تحويل الأزمة إلى فرصة؟

أين تكمن المشكلة؟

هنا تبدأ القصة الأصعب، وجود ميناء جيد وموقع جغرافي مناسب لا يصنع وحده مركزًا إقليميًا للطاقة.

فالقطاع النفطي الليبي يحتاج بالفعل إلى خدمات كثيرة، لكن السؤال هو: من سيقدمها؟ وهل تستطيع الشركات الليبية المنافسة فيها، أم ستظل الشركات الأجنبية هي المستفيد الأكبر؟

الناطق باسم شركة البريقة لتسويق النفط أحمد المسلاتي يرى أن مصراتة تمتلك المقومات اللازمة لاستضافة مركز لخدمات الطاقة، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى الحاجة لتطوير القدرات الفنية للشركات المحلية، والحصول على الاعتمادات الدولية، وتوفير التمويل والمعدات، ونقل التكنولوجيا والخبرات عبر الشراكات الدولية.

ميناء مصراتة والمنطقة الحرة في ليبيا، وسط تحركات لتطوير مركز متكامل لخدمات النفط والغاز والطاقة
ميناء مصراتة والمنطقة الحرة في ليبيا، وسط تحركات لتطوير مركز متكامل لخدمات النفط والغاز والطاقة

وهذه النقطة ربما تكون أهم من إنشاء المركز نفسه.

فإذا استقدمت ليبيا شركات أجنبية لتخزين المعدات والصيانة والنقل والخدمات البحرية، ثم خرجت الإيرادات مرة أخرى إلى الخارج، فلن تكون قد حلت مشكلة القيمة المضافة.

أما إذا تحولت المنطقة إلى مساحة تعمل فيها الشركات الأجنبية إلى جانب شركات ليبية تتعلم وتكبر وتحصل على الاعتمادات وتدخل سلاسل الإمداد، فهنا يمكن أن يبدأ الاقتصاد النفطي في إنتاج شيء مختلف.

كم يحتاج المشروع؟

لا توجد حتى الآن قيمة استثمارية نهائية للمركز.

ويقول بوليفة إن حجم الاستثمارات سيتحدد وفقًا للمساحات والمرافق وطبيعة المشاريع التي ستدخل المنظومة، مع تقديرات أولية بأن تصل الاستثمارات على مراحل إلى عشرات أو مئات الملايين من الدولارات.

وقد يمتد التنفيذ بين عامين وخمسة أعوام.

ومن المرجح أن تبدأ المرحلة الأولى بما هو مطلوب بالفعل في السوق: التخزين والمناولة واللوجستيات وسوائل الحفر والمعدات والخدمات البحرية، ثم تتوسع لاحقًا نحو الخدمات الفنية والصناعات المرتبطة بالطاقة.

لماذا تحتاج مصراتة إلى هذا المشروع؟

لأن النفط بالنسبة لليبيا ليس مجرد برميل يخرج من الأرض.

هناك أموال ضخمة تُنفق حول هذا البرميل قبل أن يصل إلى السوق، ومصراتة تريد أن تحصل على جزء من هذه الأموال.

إيرادات المنطقة الحرة يمكن أن تأتي من إيجارات الأراضي ورسوم التخزين والمناولة واستخدام المرافق، إلى جانب ما يخلقه النشاط الجديد من حركة للسفن والبضائع والمعدات.

وقد تستقر شركات الطاقة داخل المنطقة وتبني مخازن وورشًا وقواعد تشغيلية، وهو ما يعني وظائف مباشرة وغير مباشرة، وحركة أكبر للنقل والخدمات والصيانة والإمداد.

بعبارة أخرى، تحاول مصراتة أن تجعل النفط مصدرًا لأعمال كثيرة، لا مصدرًا واحدًا فقط.

مصراتة تتحول إلى مركز لخدمات الطاقة واللوجستيات
مصراتة تتحول إلى مركز لخدمات الطاقة واللوجستيات

المفارقة الليبية

لكن مشروع مصراتة يأتي في توقيت تكشف فيه أرقام الإنفاق النفطي الليبي عن مفارقة يصعب تجاهلها.

فليبيا دولة نفطية، ومع ذلك تستورد كميات ضخمة من الوقود.

وبحسب البيانات المشار إليها في مراجعات ديوان المحاسبة، بلغت قيمة واردات الوقود نحو 9.23 مليارات دولار خلال 2024، بإجمالي 11.17 مليون طن.

وفي الوقت نفسه، لا يزال المواطن يواجه أزمات الوقود وانقطاعات الكهرباء وارتفاع أسعار الغذاء والخدمات.

المشكلة إذن ليست أن ليبيا لا تملك المال.

السؤال الأصعب هو: ماذا تفعل بهذا المال؟

محاولة لتحويل ثروة ليبيا النفطية إلى استثمارات ووظائف وقيمة مضافة
محاولة لتحويل ثروة ليبيا النفطية إلى استثمارات ووظائف وقيمة مضافة

9.23 مليارات دولار للوقود

توضح مراجعات ديوان المحاسبة أن منظومة استيراد الوقود وتوزيعه تعاني مشكلات في تقدير الاحتياجات وكفاءة المصافي والرقابة على سلسلة الإمداد.

كما تراجع عدد الشركات الموردة من 17 شركة في 2022 إلى 6 شركات فقط في 2024.

وتشير المراجعات أيضًا إلى عقود بمليارات الدولارات مع شركات حديثة التأسيس، من بينها شركة تأسست برأسمال لا يتجاوز 13.6 ألف دولار قبل حصولها على عقد لتوريد محروقات بقيمة 1.2 مليار دولار.

وفي المقابل، تعمل المصافي الليبية بأقل من طاقتها التصميمية، وتُقدّر الفجوة الإنتاجية بنحو 38%.

وتصل الخسائر السنوية المقدرة للمصافي العاملة إلى نحو 744 مليون دولار، وترتفع إلى نحو 1.2 مليار دولار عند احتساب خسائر توقف مصفاة رأس لانوف.

والنتيجة أن ليبيا لا تستفيد بالشكل الكافي من قدرتها المحلية على تكرير المنتجات النفطية، فتعود إلى السوق الخارجية لتغطية جزء كبير من احتياجاتها.

والكهرباء قصة أخرى

في الكهرباء، تتكرر المشكلة نفسها تقريبًا.

البلاد تعاني عجزًا في الإنتاج، رغم الأموال التي أنفقت على القطاع.

وفي إحدى الحالات المشار إليها في المادة، تجاوز الاستهلاك 2200 ميغاواط، بينما بلغ الإنتاج نحو 1444 ميغاواط، مع عجز قدره 441 ميغاواط.

كما تشير مراجعات ديوان المحاسبة إلى أن كفاءة استهلاك الديزل في عدد من محطات التوليد تقل بنحو 35% إلى 37% عن المعدلات الدولية، بما يسبب هدرًا سنويًا يقدر بين 180 و200 مليون دولار.

مرة أخرى، المشكلة ليست في غياب الموارد وحدها، وإنما في العلاقة بين المال والنتيجة.

المنطقة الحرة بمصراتة
المنطقة الحرة بمصراتة

الغذاء والدواء أيضًا

ولا تتوقف القصة عند الطاقةـ في الغذاء، تتوقع تقديرات منظمة الأغذية والزراعة ألا يتجاوز إنتاج ليبيا من الحبوب في 2026 نحو 150 ألف طن، في حين تحتاج البلاد إلى استيراد نحو 3.3 ملايين طن لتغطية الطلب المحلي.

وفي الدواء، تكشف مراجعات الرقابة عن مشكلة مختلفة: غياب قاعدة بيانات وطنية دقيقة للاحتياجات، والاعتماد على التقديرات، وهو ما يؤدي إلى نقص بعض الأصناف وتكدس أصناف أخرى.

أي أن ليبيا تنفق، لكنها لا تنجح دائمًا في تحويل هذا الإنفاق إلى منظومة مستقرة من الإنتاج والخدمات.

المواطن في نهاية السلسلة

كل هذه الأرقام تبدو كبيرة على الورق، لكن المواطن لا يعيش بالأرقام.

هو يقف في طابور الوقود، ينتظر عودة الكهرباء، يدفع أكثر مقابل الغذاء، ويواجه تكاليف متزايدة للرعاية الصحية.

ولهذا فإن نجاح أي مشروع جديد للطاقة لن يقاس فقط بعدد الشركات التي ستدخل المنطقة الحرة بمصراتة أو حجم الأموال التي ستستثمر فيها.

المقياس الحقيقي سيكون ما إذا كان المشروع سيخلق شركات ليبية أقوى، ووظائف أكثر، وخبرات محلية، وخدمات جديدة، وما إذا كان سيحتفظ بجزء من الأموال التي ينفقها قطاع النفط داخل الاقتصاد الليبي.

الاختبار الحقيقي لمصراتة

مصراتة تملك ما لا تملكه مدن كثيرة: ميناء، ومنطقة حرة، وقاعدة صناعية، وموقعًا جغرافيًا مهمًا، وقربًا من النشاط النفطي.

لكن تحويل هذه المزايا إلى مركز إقليمي لخدمات الطاقة يحتاج إلى أكثر من الاستثمار.

يحتاج إلى تشريعات مستقرة، وإجراءات واضحة، ومنافسة حقيقية، وتمويل، واعتمادات دولية، وشركات ليبية قادرة على الدخول في سلاسل الإمداد، ورقابة تمنع أن يتحول الإنفاق الجديد إلى نسخة أخرى من المشكلات القديمة.

إذا نجحت مصراتة في ذلك، فقد تصبح المستفيد من مرحلة جديدة في الاقتصاد النفطي الليبي: مرحلة لا يكون فيها الربح من النفط مرتبطًا فقط بكمية الخام التي تخرج من الحقول، وإنما بما ينشأ حولها من خدمات وصناعة ولوجستيات وتكنولوجيا ووظائف وقيمة مضافة.

أما إذا بقيت الحوكمة على حالها، فقد يكون المركز مجرد مشروع جديد في بلد يمتلك النفط، وينفق ملياراته، ثم يعود ليستورد الوقود والخدمات.

وهنا بالضبط تكمن قصة مصراتة: هل تكون بوابة جديدة لاقتصاد الطاقة الليبي، أم مجرد محطة أخرى في اقتصاد يستهلك ثروته النفطية دون أن يبني حولها اقتصادًا قويًا؟

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة