سدود متهالكة وعدم استقرار سياسي وقرارات سيئة وتغير المناخ.. وصفة لكارثة إنسانية.. كيف حدثت “كارثة درنة الليبية”
معدل ارتفاع مستوى سطح البحر في درنة ضعف المتوسط العالمي.. الكارثة قد تتكرر في أفغانستان والعراق وسوريا وأوكرانيا
في درنة، ليبيا، تسببت عاصفة غير مسبوقة وانهيارات سد لاحقة في 10 سبتمبر 2023 في وفاة أكثر من 11000 شخص.
وبتحليل بيانات الأقمار الصناعية من عام 2016 إلى عام 2023، وجد فريق بحث من جامعة فرجينيا للتكنولوجيا، ومعهد المياه والبيئة والصحة، بأونتاريو، كندا، وجامعة إيست أنجليا، بالمملكة المتحدة، أن 1.8 ملم/سنة من الترسيب التفاضلي في السدود ساهمت في فشلها، كما ألحقت الفيضانات أضرارًا بنحو 8570 مبنى.
ويرى الباحثون أن التفاعل بين البنية التحتية القديمة وعدم الاستقرار السياسي وتغير المناخ والقرارات البشرية أدى إلى هذه الكارثة، مؤكدين على الحاجة إلى نهج شامل لإدارة “الرعاية الصحية” لمنع الكوارث في المستقبل.
ويستعرض الباحثون ما حدث في مدينة درنة شمال شرق ليبيا، حيث تسببت العاصفة دانيال، وهي إعصار متوسط العرض أظهر خصائص الأعاصير المدارية، في هطول أمطار قياسية في 10 سبتمبر 2023، حيث سقط ما يصل إلى 400 ملم من الأمطار في غضون 24 ساعة فقط.
وتسبب هذا الحدث الجوي المتطرف في حدوث فيضان هائل جرف سدين تم بناؤهما لحماية درنة من الفيضانات: سد بو منصور الذي يبلغ ارتفاعه 75 مترًا وسد البلاد الذي يبلغ ارتفاعه 40 مترًا.

وصمم سد بو منصور لتحمل أحداث الفيضانات النادرة وحماية المدينة.
أدى انهيار هذه السدود إلى إطلاق ما يقرب من 30 مليون متر مكعب من المياه، مما أدى إلى تدمير العديد من المباني في درنة مع حصيلة قتلى تجاوزت 11000 شخص، والعديد من المفقودين والمشردين.
وسلطت الأمم المتحدة الضوء على أنه كان من الممكن تجنب معظم الضحايا إذا كانت أنظمة الإنذار المبكر وإدارة الطوارئ المناسبة تعمل.
وهنا، استفاد الباحثون من الأرشيف الكامل لبيانات الرادار ذي الفتحة التركيبية (SAR) التي تم جمعها بواسطة أقمار Sentinel للكشف عن الاستيطان البطيء ولكن الثابت للأراضي فوق مدينة درنة وبنيتها التحتية، بما في ذلك السدود.
كما طبق الفريق البحثي تصنيف الصور البايزية لتحديد المباني المتضررة أثناء حدث الفيضان، وناقش كيف أدى التأثير المركب للسدود القديمة وعدم الاستقرار السياسي وتغير المناخ والقرارات البشرية السيئة إلى تحويل الخطر إلى كارثة إنسانية، حيث تؤثر المخاطر المتتالية ذات التأثيرات المتداخلة مكانيًا وزمانيًا على الضعف الديناميكي للمجتمع، مما يخلق كارثة ذات عواقب إنسانية مدمرة.
الهبوط: علامة واضحة على شيخوخة السدود
كان عمر السدين في ليبيا أكثر من 50 عامًا وقد ورد أنهما يعانيان من مشاكل هيكلية كبيرة وصيانة غير كافية، وتم الإبلاغ عن علامات العيوب والشقوق في هذه السدود القديمة لأول مرة في عام 1998.
من بين العيوب الأخرى، يشير الترسيب التفاضلي في السد القديم غالبًا إلى مشكلة أساسية داخل جسم السد أو أساسه، فالترسيب التفاضلي المفرط وغير المنضبط يمكن أن يعرض سلامة الهيكل للخطر بشكل كبير، مما قد يؤدي إلى انهيار السد.
صور الأقمار الصناعية كسفت أن الكارثة كانت في طور التكوين منذ عقود وتشير الخرئط إلى هبوط واسع النطاق أثر على مدينة درنة والمناطق المحيطة بها بمعدل متوسط يبلغ -0.7 مم/ سنة مع معدل هبوط أقصى يبلغ -5.8 ± 0.07 مم / سنة يؤثر على البنية التحتية لحماية المدينة من الفيضانات بسبب ضغط الرواسب الساحلية.
كما كشف البحث، أن معدل ارتفاع مستوى سطح البحر المحلي الذي تشهده درنة هو ضعف المتوسط العالمي تقريبًا، مما يؤدي إلى تضخيم مستويات المياه الشديدة بسبب العواصف، كما تشهد الأراضي الزراعية الواقعة إلى الجنوب الشرقي من المدينة هبوطًا أقصى يبلغ −5.7 ± 0.05 مم/سنة.
وفي هذه المنطقة شبه القاحلة، أدى الإفراط في استغلال موارد المياه الجوفية للري إلى إجهاد أنظمة طبقات المياه الجوفية، مما تسبب في ظهور ضغطها على شكل هبوط للأرض.

عدم الاستقرار السياسي وإهمال البنية التحتية
أما عدم الاستقرار السياسي يفرض تحديات كبيرة على صيانة البنية التحتية، والتي ربما كانت عاملاً حاسماً ساهم في فشل السد الكارثي في ليبيا، حيث تتطلب السدود، مثل جميع البنية التحتية، مراقبة مستمرة وتحديث دوري لضمان التشغيل الآمن، الصيانة والمراقبة المناسبتان ضروريتان مع تقدم عمر السد، وتدهور حالته حتماً.
وأدت تغييرات النظام والافتقار إلى التنسيق بين السلطات المتنافسة إلى تضخيم أزمة البنية التحتية حيث عانت الخدمات الأساسية، بما في ذلك صيانة السدود، من الإهمال.

النتائج والعبر
ويستنتج الباحثون أن عواقب الكارثة الليبية تقدم دروسًا قيمة لتحسين الاستعداد والمرونة المجتمعية لتحمل الكوارث والتكيف معها والتعافي منها، وهي مكونات أساسية للحد من مخاطر الكوارث، وقدرة المجتمعات على توقع الأحداث السلبية والاستعداد لها والاستجابة لها والتعافي منها.
ويحذر الباحثون من أن كارثة ليبيا تعمل كأحدث نقطة محورية في مشهد أكبر من الإهمال، حيث توجد العديد من الأماكن الأخرى، مثل أفغانستان والعراق وسوريا وأوكرانيا، حيث حولت الحروب الأخيرة أو عدم الاستقرار السياسي الانتباه بعيدًا عن البنية التحتية الحيوية، وخاصة صيانتها.
فالعديد من السدود الكبرى الأخرى ذات التنمية الواسعة في مجرى النهر تقع في مناطق حيث يمكن أن يؤدي فشل السد بسرعة إلى كارثة إنسانية.





