في اليوم العالمي للأعشاب البحرية 2025.. كنز المحيط المنسي الذي ينقذ البيئة
الأعشاب البحرية: حائط الصد الطبيعي أمام التغير المناخي وتآكل السواحل
يُسلّط اليوم العالمي للأعشاب البحرية، الذي يُحتفل به في الرابع من يونيو، الضوء على نبات بحري حيوي، غالبًا ما يُغفل عنه. تلعب الأعشاب البحرية دورًا رئيسيًا في النظم البيئية للمحيطات، حيث تدعم الحياة البحرية المتنوعة، وتُفيد مجموعة واسعة من الصناعات البشرية، بدءًا من التغذية والزراعة، وصولًا إلى البحث العلمي وحلول المناخ.
يهدف هذا اليوم إلى تعزيز الوعي وتشجيع الاستثمار في هذا المورد القيّم. ومع توسع زراعة الأعشاب البحرية، يتزايد الاهتمام العالمي بإمكاناتها الواسعة.
الأعشاب البحرية تحتاج إلى اهتمام عالمي
تُشكّل الأعشاب البحرية أساسًا للعديد من النظم البيئية الساحلية. ومن أهم أنواعها “عشب البحر”، وهو نبات بحري كبير بني اللون ينمو في المياه الباردة الغنية بالمغذيات. يلتصق بالصخور في قاع البحر ويرتفع نحو السطح، مُشكّلًا غابات كثيفة تحت الماء.
تدعم غابات عشب البحر تنوعًا بيولوجيًا غنيًا؛ إذ تعيش الأسماك وسرطانات البحر وقنافذ البحر وثعالب البحر، أو تصطاد أو تتكاثر بين أعشاب البحر. كما تستخدم الأسماك الصغيرة السعف الكثيف كمأوى من الحيوانات المفترسة. وتتغذى العديد من اللافقاريات مباشرةً على عشب البحر أو على الكائنات الدقيقة التي تعيش على سطحه.
ينمو عشب البحر بسرعة، إذ يصل نمو بعض أنواعه إلى نصف متر يوميًا. ويمتص أثناء نموه ثاني أكسيد الكربون من مياه البحر وينتج الأكسجين، مما يساعد على تقليل حموضة المحيطات المحلية. كما يُبطئ حركة المياه، مما يساهم في حماية الشواطئ من التآكل.

مؤشرات صحة المحيطات
في مناطق مثل كاليفورنيا وتسمانيا وكولومبيا البريطانية، تُعدّ غابات عشب البحر جزءًا أساسيًا من شبكة الغذاء الساحلية. كما تدعم مصائد الأسماك التجارية والسياحة البيئية.
وعندما يتراجع مستوى طحالب البحر بسبب ارتفاع درجات الحرارة أو الرعي الجائر من قنافذ البحر، يتأثر النظام البيئي بأكمله. لذلك، يراقب العلماء طحالب البحر عن كثب كمؤشر على صحة المحيط.
تحمي الأعشاب البحرية السواحل أيضًا، فهي تُثبّت الرواسب وتُبطئ حركة الأمواج، مما يقلل من تآكل الشواطئ. وتتكيّف الأعشاب البحرية بشكل أفضل من الشعاب المرجانية مع تقلبات درجات الحرارة وحموضة المياه، مما يجعلها أداة فعّالة في الحفاظ على البيئة البحرية.
ويواصل الباحثون دراسة كيفية تفاعل الأعشاب البحرية مع الأنواع الأخرى، وكيف يمكن أن تقلل من حموضة المحيطات.
طعام تقليدي وحديث
في العديد من البلدان، تناول الناس الأعشاب البحرية لقرون، وهي جزء من الوجبات اليومية في اليابان وكوريا والصين وأجزاء من الهند. وتوفر هذه النباتات البحرية عناصر غذائية أساسية مثل اليود والكالسيوم والحديد وفيتامين ك. كما تضفي نكهة طبيعية، ولا سيما نكهة “الأومامي”.
اليوم، تعتمد الأسواق العالمية على الأعشاب البحرية كمكوّن غذائي. تُستخدم في الوجبات الخفيفة والصلصات والمكملات الغذائية، وتتميز بانخفاض سعراتها الحرارية وغناها بالألياف، كما أنها مناسبة للنباتيين وخالية من الغلوتين.
ولا تحتاج زراعة الأعشاب البحرية إلى التربة أو المياه العذبة، مما يجعلها أكثر استدامة من كثير من المحاصيل الزراعية. وفي ظل الضغوط التي تواجهها أنظمة الغذاء العالمية، تُوفّر الأعشاب البحرية خيارًا فعالًا ومنخفض التأثير البيئي.
زراعة الأعشاب البحرية والاقتصادات المحلية
تُعدّ زراعة الأعشاب البحرية بسيطة ومنخفضة التكلفة؛ إذ يربط المزارعون النباتات البحرية بالحبال ويتركونها تنمو في المياه الساحلية. وفي دول مثل إندونيسيا والهند والفلبين، توفر هذه المزارع فرص عمل، غالبًا للنساء.
وإلى جانب دعم الدخل، تُحسّن مزارع الأعشاب البحرية البيئة، فهي تمتص العناصر الغذائية الزائدة مثل النيتروجين والفوسفور، مما يُقلّل من خطر ازدهار الطحالب الضارة في المياه الملوثة، ويساعد على استعادة التوازن البيئي.
تعمل الحكومات والمنظمات غير الحكومية على توسيع نطاق إنتاج الأعشاب البحرية، بهدف تحسين دخل المجتمعات الريفية وتعزيز صحة البيئة البحرية.
الأعشاب البحرية والعمل المناخي
تمتص الأعشاب البحرية الكربون أثناء نموها، ويقترح بعض الباحثين أن مزارع الأعشاب البحرية الواسعة النطاق قد تُساهم في إزالة الكربون من الغلاف الجوي. لا تزال هذه العملية قيد الدراسة، ومن بين المقترحات غمر الأعشاب البحرية المحصودة في أعماق المحيط لتخزين الكربون طويل الأمد.
ومن الحلول الأخرى إضافة كميات صغيرة من الأعشاب البحرية الحمراء إلى علف الماشية، حيث أظهرت التجارب انخفاضًا في انبعاثات الميثان يصل إلى 80% في بعض الحالات.
ورغم أن الأعشاب البحرية لن تحل وحدها أزمة تغير المناخ، فإنها يمكن أن تُعزز استراتيجيات أوسع لاحتجاز الكربون وخفض الانبعاثات الزراعية.

الاستخدامات الصناعية والبحوث الجديدة
تتجاوز استخدامات الأعشاب البحرية المجال الغذائي، فهي تدخل في مستحضرات التجميل، والأسمدة، والتغليف، والأدوية. وتُستخدم مستخلصاتها كمكثفات، ومضادات أكسدة، ومضادات التهاب.
كما يدرس الباحثون مواد مستخلصة من الأعشاب البحرية لإنتاج بلاستيك وأقمشة قابلة للتحلل الحيوي. وفي قطاع البناء، يمكن أن تُحسّن المنتجات البحرية العزل الحراري. ويتزايد الاهتمام بهذا المجال نظرًا لطبيعة الأعشاب البحرية المتجددة وسهولة زراعتها.
ويعتمد تطوير هذه الاستخدامات على تمويل الأبحاث، وسلاسل التوريد العادلة، والمراقبة البيئية المستمرة.
تحديات زراعة الأعشاب البحرية
رغم فوائدها الكبيرة، لا تزال زراعة الأعشاب البحرية تواجه تحديات عدة؛ إذ يفتقر كثير من المزارعين إلى الوصول الآمن إلى المناطق الساحلية. وفي بعض المناطق، تكون القوانين المنظمة غائبة أو غير واضحة. كما أن البنية التحتية غالبًا ما تكون ضعيفة، ويواجه صغار المنتجين صعوبة في الوصول إلى الأسواق.
ويُشكل الحصاد غير المنظم تهديدًا خطيرًا، إذ تُزال الأعشاب البحرية أحيانًا من المخزونات الطبيعية دون مراعاة للآثار البيئية طويلة الأمد. وقد تؤدي الممارسات السيئة إلى الإضرار بالنظم البيئية البحرية.
ولتجنّب هذه المخاطر، ينبغي على الحكومات دعم التدريب، ووضع اللوائح، وتعزيز آليات الرقابة. ويتطلب الأمر تحقيق توازن دقيق بين نمو الصناعة وحماية البيئة.

اتخذ خطوة في اليوم العالمي للأعشاب البحرية
يمكن أن يبدأ اتخاذ الخطوات في اليوم العالمي للأعشاب البحرية بمعرفة المزيد عن دورها الحيوي في صحة المحيطات ومكافحة التغير المناخي.
ويمكن دعم منتجات الأعشاب البحرية المستدامة باختيار الأطعمة أو مستحضرات التجميل أو العبوات التي تُنتَج من الأعشاب البحرية التي جرى حصادها أو زراعتها بطريقة مسؤولة.
كما أن مشاركة ما تتعلمه عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو مع الأصدقاء تُساعد على نشر الوعي وتشجيع الآخرين على الاهتمام.
وإذا كنت تعيش بالقرب من الساحل، فقد ترغب في الانضمام إلى مبادرات محلية لزراعة الأعشاب البحرية أو برامج الحفاظ على البيئة البحرية.
حتى أبسط الإجراءات، مثل طلب توفير مزيد من منتجات الأعشاب البحرية في المتاجر، يمكن أن تُسهم في إحداث فارق إيجابي. كما يمكنك التبرع للمنظمات التي تدعم استدامة الأعشاب البحرية والمحيطات، مثل “مؤسسة غابات عشب البحر“.





