أخبارالاقتصاد الأخضر

فجوة التأمين المناخي تتسع عالميًا.. وصناعة التأمين تطلق أداة جديدة لمواجهة المخاطر

318 مليار دولار خسائر غير مؤمَّن عليها.. كيف يهدد المناخ مستقبل التأمين؟

مع كل حريق غابات يجتاح مدينة، أو فيضان يغمر بلدة، أو إعصار يدمر المجتمعات الساحلية، يبرز سؤال جوهري: هل ستغطي شركات التأمين الخسائر؟
لكن المشكلة المتزايدة اليوم لا تتعلق ببنود العقود أو الاستثناءات التأمينية، بل بحقيقة أكثر خطورة، وهي أن التأمين نفسه قد لا يكون متاحًا من الأساس في العديد من المناطق المعرضة للمخاطر المناخية.

وفقًا لتقديرات شركة إعادة التأمين العالمية Swiss Re، بلغت فجوة الحماية التأمينية، أي الفرق بين الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الكوارث الطبيعية والخسائر المغطاة بالتأمين، نحو 318 مليار دولار خلال عام 2024، فيما ظل أكثر من نصف هذه الخسائر دون تغطية تأمينية، وتشير التوقعات إلى أن هذه الفجوة قد تتضاعف بحلول عام 2030.

ولا تمثل هذه الأزمة تحديًا لشركات التأمين فقط، بل تهدد النظام المالي والاقتصادي بأكمله. فعندما تنسحب شركات التأمين من منطقة ما بسبب ارتفاع المخاطر، تصبح البنوك أقل قدرة على منح القروض العقارية، وتنخفض قيمة الأصول والعقارات، وتتراجع الاستثمارات، وتواجه الحكومات المحلية ضغوطًا مالية متزايدة.

وفي هذا السياق، أطلقت مجموعة ClimateWise، التي تضم قيادات من قطاع التأمين، النسخة الأولى من أداة جديدة تحمل اسم «مصفوفة الجاهزية للتأمين» (Insurability Readiness Matrix)، بهدف توفير إطار موحد يساعد شركات التأمين والمستثمرين والحكومات والمطورين العقاريين على تقييم المخاطر قبل الوصول إلى مرحلة فقدان قابلية التأمين.

الشتاء هو “محرك التنقية” في البحيرات… والتغير المناخي يهدده

أداة جديدة لقياس قابلية التأمين

تعتمد المصفوفة على تقييم سبعة عناصر رئيسية تشمل:
• جودة البيانات والنماذج التحليلية
• مرونة البنية التحتية والأصول أمام الكوارث
• توافق السياسات والتشريعات
• توافر رأس المال والقدرة التأمينية
• وعي أصحاب المصلحة والثقافة المالية
• إمكانية الوصول إلى التأمين وتكاليفه
• منظومة التعافي بعد الكوارث
ويتم تقييم كل عنصر باستخدام نظام إشارات ضوئية (أخضر، أصفر، أحمر)، مع تحديد اتجاه المخاطر واقتراح مسارات للتحسين.

ويرى مطورو الأداة أن فقدان قابلية التأمين ليس نتيجة حتمية لتغير المناخ، بل يرتبط إلى حد كبير بقرارات التخطيط العمراني، ومعايير البناء، والتنظيمات الحكومية، ومستوى الوعي المجتمعي والاستعداد المالي لمواجهة الكوارث.

الكوارث الطبيعية

أمثلة ناجحة من حول العالم

أظهرت تجارب عملية إمكانية استعادة قابلية التأمين في المناطق المعرضة للمخاطر.
ففي مدينة لاجوس النيجيرية، أدى مشروع لتبادل البيانات بين الحكومة المحلية والبنك الدولي ومؤسسات تمويل تنموية إلى إنتاج خرائط دقيقة لمخاطر الفيضانات، ما ساعد شركات التأمين على تحسين تقييم المخاطر وخفض الأقساط التأمينية بنسبة 25%، وأتاح توفير أول منتج تأمين ضد الفيضانات يعتمد على المؤشرات المناخية، ليستفيد منه نحو 25 ألف منزل.

وفي مدينة بارادايس بولاية كاليفورنيا الأمريكية، التي تعرضت لحرائق غابات مدمرة، ساهم تطبيق معايير بناء أكثر مقاومة للحرائق في عودة شركات التأمين إلى السوق، بينما انخفضت تكاليف التأمين لبعض السكان بصورة كبيرة مقارنة بالأسعار السابقة.

كما حققت تشيلي نتائج إيجابية بعد تقديم حوافز ضريبية لتشجيع شراء التأمين ضد الكوارث والاستثمار في تعزيز مقاومة المباني للمخاطر المناخية، ما رفع معدلات انتشار التأمين بين الأسر من 45% إلى 65%.

عندما تؤدي السياسات الخاطئة إلى الانسحاب
في المقابل، تُظهر ولاية كاليفورنيا مثالًا معاكسًا، حيث أدت بعض السياسات التنظيمية التي حدّت من قدرة شركات التأمين على تسعير المخاطر المستقبلية إلى انسحاب أو تقليص نشاط عدد من أكبر شركات التأمين.

ونتيجة لذلك، ارتفعت الأعباء على برنامج التأمين الحكومي المخصص للحالات عالية المخاطر بشكل كبير، ما كشف كيف يمكن لقرار تنظيمي واحد أن يؤدي إلى اضطرابات واسعة في السوق.

الكوارث الطبيعية

أداة لجميع الأطراف

صُممت «مصفوفة الجاهزية للتأمين» لتكون أداة مشتركة بين شركات التأمين والمصارف والمستثمرين والهيئات التنظيمية والحكومات والمجتمعات المحلية.

فبالنسبة للمستثمرين والمقرضين، تساعد الأداة في دمج مؤشرات التأمين ضمن تقييم المخاطر الائتمانية، إذ أصبحت قابلية الأصل للحصول على التأمين عاملًا أساسيًا في تحديد جدواه الاستثمارية على المدى الطويل.

أما بالنسبة لصناع القرار، فتوفر الأداة نظام إنذار مبكر يساعد على اكتشاف المناطق التي تقترب من فقدان التأمين قبل انسحاب الشركات منها، ما يتيح التدخل من خلال تحديث قوانين البناء، أو تعديل استخدامات الأراضي، أو تقديم حوافز مالية لتعزيز المرونة المناخية.

التأمين والمرونة المناخية.. علاقة متبادلة

يؤكد الخبراء، أن العلاقة بين التأمين والقدرة على التكيف مع تغير المناخ تسير في اتجاهين. فكلما زادت الاستثمارات في الحد من المخاطر وتعزيز المرونة، انخفضت تكاليف التأمين وتحسنت إمكانية الحصول عليه.

وفي المقابل، فإن استمرار توافر التأمين يمنح المجتمعات القدرة على التعافي بعد الكوارث والاستثمار في إجراءات وقائية جديدة، ما يخلق حلقة إيجابية تعزز الصمود الاقتصادي والاجتماعي في مواجهة التغيرات المناخية.

ويشدد مطورو الأداة على أن مواجهة أزمة التأمين المناخي لم تعد تحتمل الانتظار، وأن المطلوب اليوم هو لغة مشتركة وأدوات موحدة وإرادة جماعية للتحرك قبل أن تتحول المخاطر الحالية إلى أزمة اقتصادية أوسع نطاقًا.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة