أخبارالاقتصاد الأخضر

على عمق 6 كيلومترات.. كنز ياباني من المعادن النادرة يشعل سباقًا مع الصين

منجم بلا أرض.. مطاردة بين اليابان وأمريكا في قاع المحيط للفوز بمعادن نادرة لصناعة السيارات والذكاء الاصطناعي

لم يعد الصراع العالمي على المعادن النادرة يدور فقط حول المناجم والصحارى والجبال، هذه المرة، ينزل السباق إلى قاع المحيط الهادئ.

فاليابان والولايات المتحدة تنظران إلى رواسب معدنية ضخمة قرب جزيرة ميناميتوريشيما اليابانية النائية باعتبارها فرصة استراتيجية لإعادة رسم خريطة إمدادات المعادن التي أصبحت عصبًا لصناعات السيارات الكهربائية والبطاريات وأشباه الموصلات والروبوتات وأنظمة الدفاع والذكاء الاصطناعي.

المفارقة أن الثروة التي قد تساعد الدول الصناعية على تقليل اعتمادها على الصين تقع في واحد من أصعب الأماكن التي يمكن للبشر الوصول إليها: أعماق تصل إلى نحو 6 كيلومترات تحت سطح المحيط.

وهنا لا يصبح السؤال: هل توجد المعادن؟

بل: هل يستطيع العالم استخراجها اقتصاديًا وآمنًا من قاع البحر؟

على عمق 6 كيلومترات.. كنز في قاع المحيط يشعل سباق اليابان وأمريكا لكسر هيمنة الصين
على عمق 6 كيلومترات.. كنز في قاع المحيط يشعل سباق اليابان وأمريكا لكسر هيمنة الصين

كنز لا يُرى بالعين

تقع ميناميتوريشيما على مسافة بعيدة من اليابان في المحيط الهادئ، وتحت قاع البحر المحيط بها توجد رواسب غنية بالمعادن النادرة.

وتكمن أهمية هذه الرواسب في حجمها وتركيز بعض العناصر الموجودة فيها، إذ تشير التقديرات إلى أن الكميات المكتشفة يمكن أن تكون كافية لتغطية احتياجات عالمية من بعض المعادن لفترات طويلة جدًا.

لكن وجود الثروة شيء، والوصول إليها شيء آخر تمامًا.

فعلى عمق يقارب 6 كيلومترات، تعمل المعدات في بيئة مظلمة، شديدة الضغط، وبعيدة آلاف الأمتار عن سطح البحر، ما يجعل عملية استخراج الرواسب ونقلها إلى الأعلى ومعالجتها تحديًا هندسيًا هائلًا.

إنها أشبه بمحاولة بناء منجم كامل في مكان لا يستطيع الإنسان الوقوف فيه أصلًا.

لماذا أصبحت المعادن النادرة بهذه الأهمية؟

لأن العالم الرقمي والكهربائي الجديد يحتاج إليها بكميات متزايدة.

السيارة الكهربائية، توربينات الرياح، البطاريات، الإلكترونيات المتقدمة، أشباه الموصلات، أنظمة الاتصالات، المحركات عالية الكفاءة، وحتى بعض التطبيقات العسكرية، تعتمد بدرجات مختلفة على مجموعة من المعادن والعناصر النادرة.

ومع توسع الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والطاقة النظيفة، يتزايد الطلب على المواد الخام التي تدخل في تصنيع هذه التقنيات.

لذلك لم تعد المعادن النادرة مجرد سلعة تعدين.

لقد تحولت إلى أصل استراتيجي.

الدولة التي تملكها وتستطيع استخراجها ومعالجتها تمتلك جزءًا من مفاتيح الصناعة المستقبلية.

على عمق 6 كيلومترات.. كنز في قاع المحيط يشعل سباق اليابان وأمريكا لكسر هيمنة الصين
على عمق 6 كيلومترات.. كنز في قاع المحيط يشعل سباق اليابان وأمريكا لكسر هيمنة الصين

وهنا تظهر الصين

تكمن حساسية المشروع الياباني في أن الصين لا تملك فقط موارد كبيرة من المعادن النادرة، بل تمتلك حضورًا ضخمًا في سلسلة القيمة المرتبطة بها، ولا سيما عمليات المعالجة والتكرير والتصنيع.

وهذا أكثر أهمية من امتلاك المنجم نفسه.

فامتلاك الخام لا يعني بالضرورة امتلاك المنتج النهائي.

قد تستخرج دولة المعدن من أرضها، لكنها تحتاج بعد ذلك إلى تقنيات ومصانع لمعالجته وفصله وتحويله إلى مواد تدخل في المنتجات الصناعية.

وهنا تتركز إحدى أهم نقاط القوة الصينية.

ولهذا تبحث الولايات المتحدة واليابان ودول صناعية أخرى عن مصادر بديلة وسلاسل توريد أكثر تنوعًا، حتى لا تصبح صناعاتها الحساسة رهينة لأي اضطراب سياسي أو تجاري.

منجم بلا أرض.. اليابان تطارد كنز المعادن النادرة في قاع المحيط لمنافسة الصين
منجم بلا أرض.. اليابان تطارد كنز المعادن النادرة في قاع المحيط لمنافسة الصين

اليابان أمام اختبار مختلف

بالنسبة لليابان، لا يتعلق الأمر فقط بالعثور على كنز معدني.

المسألة مرتبطة أيضًا بأمن الموارد.

فاليابان دولة صناعية كبرى، لكنها تفتقر إلى مساحات واسعة من الموارد المعدنية البرية، وتعتمد بدرجة كبيرة على الواردات لتوفير المواد الخام التي تحتاجها صناعاتها.

أما الرواسب الموجودة قرب ميناميتوريشيما، فتمنحها فرصة نادرة للوصول إلى موارد تقع ضمن نطاقها البحري.

وهذا يفسر الاهتمام المتزايد بتطوير تقنيات استخراجها.

والولايات المتحدة ترى في المشروع فرصة أخرى: تنويع مصادر المعادن الحيوية وتقليل مخاطر الاعتماد على الصين في قطاعات ترتبط مباشرة بالتكنولوجيا والدفاع والطاقة.

على عمق 6 كيلومترات.. كنز في قاع المحيط يشعل سباق اليابان وأمريكا لكسر هيمنة الصين
على عمق 6 كيلومترات.. كنز في قاع المحيط يشعل سباق اليابان وأمريكا لكسر هيمنة الصين

لكن المحيط ليس منجمًا عاديًا

هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

التعدين البري، رغم تعقيداته، يتم في بيئة يمكن للإنسان الوصول إليها نسبيًا، ويمكن إنشاء طرق ومصانع ومعدات ضخمة بالقرب من موقع الاستخراج.

أما في أعماق المحيط، فكل شيء أكثر تعقيدًا.

معدات يجب أن تتحمل الضغط الهائل، وأن تعمل عن بعد، وأن تجمع الرواسب دون فقد كميات كبيرة منها، ثم تنقلها لمسافة تقارب 6 كيلومترات إلى سطح البحر.

بعد ذلك تبدأ مرحلة أخرى: فصل المعادن ومعالجتها وتحويلها إلى مواد قابلة للاستخدام الصناعي.

وهذا كله يحتاج إلى طاقة ومعدات واستثمارات ضخمة.

وتشير التقديرات الواردة في التقرير إلى أن تكلفة استخراج هذه المعادن قد تصل إلى نحو ثلاثة أضعاف تكلفة الإنتاج الصيني الحالي.

وهنا تظهر المفارقة الاقتصادية.

المشروع قد يكون أغلى من التعدين التقليدي، لكنه قد يصبح أكثر قيمة إذا كان ثمن الاستقلال عن مورد واحد أعلى من تكلفة التعدين نفسها.

6 كيلومترات تحت سطح البحر.. اليابان تراهن على كنز استراتيجي لإنهاء الاعتماد على الصين
6 كيلومترات تحت سطح البحر.. اليابان تراهن على كنز استراتيجي لإنهاء الاعتماد على الصين

هل يمكن أن يصبح القاع الجديد للمناجم؟

إذا نجحت اليابان في تطوير عملية اقتصادية لاستخراج المعادن، فقد يتغير مفهوم التعدين نفسه.

لن يصبح المنجم بالضرورة حفرة في الأرض أو نفقًا داخل جبل.

قد يصبح سفينة ومعدات روبوتية وأنابيب وأنظمة ضخ تمتد إلى قاع المحيط.

وهذا التحول قد يفتح الباب أمام استغلال موارد بحرية ضخمة، لكنه في الوقت نفسه يثير سؤالًا بيئيًا بالغ الحساسية.

الثروة في القاع.. والبيئة أيضًا

أعماق المحيط ليست مساحة فارغة.

هناك أنظمة بيئية وكائنات بحرية تعيش في ظروف مختلفة جذريًا عن البيئة الموجودة على سطح الأرض، وما زال العلم لا يعرف الكثير عن عدد منها ووظائفها وتفاعلاتها.

ولهذا فإن التوسع في التعدين البحري يواجه اعتراضات بيئية واسعة مرتبطة باحتمال إحداث اضطرابات في قاع البحر، وإثارة الرواسب، والتأثير في الكائنات التي تعيش في هذه البيئات.

وهنا تظهر مفارقة أخرى:

العالم يريد المعادن نفسها التي يحتاج إليها لبناء الاقتصاد الأخضر، لكنه يخشى أن يؤدي استخراجها من قاع البحر إلى أضرار بيئية جديدة.

أي أن الطريق إلى السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة قد يمر عبر عملية تعدين يمكن أن تخلق تحديات بيئية لم تُحسم بعد.

المعادن النادرة تشعل حرب التكنولوجيا.. كنز أعماق المحيط في مواجهة الهيمنة الصينية
المعادن النادرة تشعل حرب التكنولوجيا.. كنز أعماق المحيط في مواجهة الهيمنة الصينية

هل الاستغناء عن الصين يستحق كل هذه التكلفة؟

هذا هو السؤال الذي سيحدد مستقبل المشروع.

إذا كان استخراج المعادن من قاع المحيط أغلى بثلاث مرات من البديل الصيني، فإن المنافسة على السعر ستكون صعبة.

لكن الحكومات لا تنظر إلى الأمر من زاوية السعر وحده.

ففي عالم يشهد توترات تجارية وصراعات جيوسياسية وقيودًا متزايدة على تصدير التكنولوجيا، أصبح أمن الإمدادات قيمة اقتصادية بحد ذاته.

قد تدفع الولايات المتحدة واليابان تكلفة أعلى مقابل معدن يمكن الحصول عليه من مصدر موثوق، بدلًا من الاعتماد على سلسلة توريد واحدة يمكن أن تتعرض للاضطراب.

وهنا تتحول المعادن النادرة من سلعة تُشترى بأقل سعر إلى أداة من أدوات الأمن الصناعي والقومي.

المعركة الحقيقية ليست على المعدن

ربما تكون هذه هي النقطة الأهم في القصة.

المنافسة ليست ببساطة بين اليابان والصين على كمية من المعادن في قاع المحيط.

إنها منافسة على من سيمتلك سلسلة القيمة الكاملة لصناعات المستقبل.

من يملك الخام؟

من يستطيع استخراجه؟

من يستطيع تكريره؟

من يملك التكنولوجيا؟

من يصنع البطاريات والمحركات وأشباه الموصلات؟

ومن يملك الشركات التي تحول هذه المواد إلى منتجات متقدمة؟

لهذا فإن العثور على كنز في قاع المحيط لا يكفي وحده لتغيير ميزان القوى.

الكنز الحقيقي هو القدرة على تحويل الخام إلى تكنولوجيا.

فرصة اقتصادية.. ومخاطرة بيئية

على عمق 6 كيلومترات.. كنز في قاع المحيط يشعل سباق اليابان وأمريكا لكسر هيمنة الصين
على عمق 6 كيلومترات.. كنز في قاع المحيط يشعل سباق اليابان وأمريكا لكسر هيمنة الصين

إذا نجحت اليابان والولايات المتحدة في تطوير التعدين البحري بصورة اقتصادية، فقد تظهر صناعة جديدة بالكامل حول أعماق المحيط: معدات وروبوتات بحرية، سفن متخصصة، تقنيات فصل ومعالجة، وخدمات هندسية ولوجستية.

وقد تمتد آثارها إلى دول أخرى تبحث هي أيضًا عن مصادر مستقلة للمعادن الحيوية.

لكن نجاح المشروع لن يُقاس فقط بكمية المعادن التي ستخرج من البحر.

سيكون عليه أن يجيب عن ثلاثة أسئلة صعبة:

هل يمكن استخراج المعادن بتكلفة تنافسية؟

هل يمكن بناء سلسلة معالجة مستقلة عن الصين؟

وهل يمكن القيام بذلك دون إحداث أضرار بيئية أكبر من الفوائد الاقتصادية والصناعية؟

إذا كانت الإجابة نعم، فقد يكون قاع المحيط أحد مصادر المعادن التي تغذي اقتصاد التكنولوجيا خلال العقود المقبلة.

أما إذا كانت التكلفة والتكنولوجيا والمخاطر البيئية أكبر من العائد، فقد يبقى كنز ميناميتوريشيما واحدًا من أكبر الموارد التي يعرف العالم أنها موجودة، لكنه لا يستطيع الوصول إليها اقتصاديًا.

وفي الحالتين، تكشف القصة شيئًا واحدًا بوضوح: معركة المعادن النادرة لم تعد معركة على ما يوجد تحت الأرض فقط.. إنها معركة على ما يوجد تحت البحر، وعلى التكنولوجيا التي ستحدد من يقود اقتصاد العالم في العقود المقبلة.

على عمق 6 كيلومترات.. كنز في قاع المحيط يشعل سباق اليابان وأمريكا لكسر هيمنة الصين
على عمق 6 كيلومترات.. كنز في قاع المحيط يشعل سباق اليابان وأمريكا لكسر هيمنة الصين

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة