علماء ينجحون في إنتاج سكر منخفض السعرات الحرارية باستخدام بكتيريا مُهندسة
ابتكار حيوي قد يغيّر صناعة المُحليات.. يمهّد لتوسيع استخدام سكر منخفض السعرات في الأغذية
نجح علماء في تطوير طريقة جديدة لإنتاج «التاجاتوز»، وهو سكر يحتوي على سعرات حرارية أقل بنحو 60% مقارنة بسكر المائدة، وذلك باستخدام بكتيريا مُهندسة وراثيًا قادرة على تحويل الجلوكوز منخفض التكلفة إلى هذا المُحلّي النادر.
وبحسب فريق بحثي من جامعة تافتس الأمريكية، فإن هذه التقنية الحيوية قد تُسهم في خفض تكلفة إنتاج التاجاتوز وتوسيع نطاق استخدامه في صناعة الأغذية.
وقاد الدراسة البروفيسور نيكهيل يو. ناير، الذي يعمل مختبره على تصميم كائنات دقيقة تُستخدم في تصنيع مكونات غذائية مبتكرة.
وقد نُشرت الدراسة في دورية Cell Reports Physical Science، وتركّزت الدراسة على توجيه كيمياء الخلية البكتيرية لإنتاج سكريات نادرة تتصرف في الطهي مثل السكر التقليدي، وتسعى شركات الأغذية إلى مُحلّيات توفر الحلاوة،

وتُسهم في التحمير وإضفاء القوام، إلا أن كثيرًا من البدائل المتاحة لا تلبي هذه المتطلبات من حيث الملمس والطعم.
ويُعد التاجاتوز مناسبًا لهذه الأغراض، غير أن ارتفاع سعره حدّ من استخدامه واقتصر على منتجات متخصصة.
وتحتوي المصادر الطبيعية على كميات ضئيلة جدًا من التاجاتوز، غالبًا أقل من 0.2% من إجمالي السكريات الموجودة في الأغذية.
وعادة ما يُنتج التاجاتوز صناعيًا من الجالاكتوز، وهو سكر مشتق من اللاكتوز، باستخدام محفزات أو إنزيمات تعيد ترتيب الذرات، ويقول ناير: «هناك عمليات معروفة لإنتاج التاجاتوز، لكنها غير فعالة ومكلفة».
ويُعد التحول إلى استخدام الجلوكوز كمادة خام خطوة واعدة لخفض التكلفة، إلا أن الخلايا الحية تستهلك الجلوكوز عادة لإنتاج الطاقة قبل توجيهه لصناعة السكريات المتخصصة.

وفي سلالة مُعدلة من بكتيريا الإشريكية القولونية (E. coli)، أعاد الباحثون توجيه عمل الإنزيمات لتحويل الجلوكوز إلى وحدات بناء لسكريات نادرة بدلًا من دخوله في مسارات إنتاج الطاقة، واعتمد الفريق على ما يُعرف بعملية «الخلية الكاملة»، التي تُبقي الإنزيمات داخل الكائنات الحية الدقيقة، ما يُغني عن تنقيتها بشكل منفصل.
وشملت التعديلات الجينية تعطيل خطوات رئيسية في مسار التحلل السكري، وهو الطريق الأساسي الذي تحرق به الخلايا الجلوكوز لإنتاج الطاقة، ما أدى إلى إعادة توجيه الكربون نحو مسارات السكريات النادرة، وبما أن الإنتاج يتم داخل البكتيريا، فإن شركات الأغذية ستحتاج لاحقًا إلى عمليات تنقية لإزالة الخلايا وبقايا المادة الوراثية.

وخلال البحث عن إنزيمات مناسبة، عثر العلماء على إنزيم فعال في نوع من العفن الغروي يُعرف باسم Dictyostelium discoideum ويعمل هذا البروتين كإنزيم فوسفاتاز، إذ يزيل مجموعات الفوسفات، ما يحرر الجالاكتوز من مركب جالاكتوز-1-فوسفات.
وأوضح ناير أن «الابتكار الرئيسي في التخليق الحيوي للتاجاتوز تمثل في العثور على إنزيم Gal1P من العفن الغروي ودمجه في البكتيريا المنتِجة»، وكشفت محاكاة حاسوبية عن أنماط دقيقة من الروابط الهيدروجينية تُساعد الإنزيم على تجاهل الجلوكوز، ما يحافظ على سير التفاعل في الاتجاه المطلوب.
ولتحويل الجلوكوز إلى جالاكتوز، عكس الفريق مسار «ليلوير»، وهو سلسلة تفاعلات تستخدمها الخلايا لمعالجة الجالاكتوز، وتم تعطيل التحلل السكري مبكرًا، ومنع إعادة فوسفرة الجالاكتوز، بحيث يظل الجالاكتوز الناتج متاحًا للتحويل اللاحق.

وبعد ذلك، يقوم إنزيم آخر يُعرف باسم «أرابينوز أيزوميراز» بإعادة ترتيب الجالاكتوز إلى تاجاتوز، من خلال تغيير شكل السكر دون إضافة أو إزالة ذرات، وبما أن الجالاكتوز والتاجاتوز يوجدان في حالة توازن قريبة في الماء، فإن تحسين الإنتاج يتطلب سحب المنتج باستمرار لرفع العائد النهائي.
وأظهرت النتائج أنه عند تنمية البكتيريا المُهندسة على الجلوكوز، تم إنتاج كميات كبيرة من الجالاكتوز وكميات أقل، لكنها قابلة للقياس، من التاجاتوز، وأدى تعزيز نشاط إنزيم العفن الغروي إلى زيادة إنتاج كلا السكرين، ما يشير إلى أن هذه الخطوة تمثل عاملًا محددًا لكمية التاجاتوز المنتجة.
ومن الناحية النظرية، يمكن أن يصل العائد إلى نحو 94.9%، لأن الجلوكوز لا يفقد نصف محتواه الكربوني كما يحدث عند استخدام اللاكتوز، ومع ذلك، لا تزال التجارب الحالية تُعد إثباتًا للمفهوم، إذ إن كميات الجالاكتوز المنتَجة تفوق التاجاتوز بشكل ملحوظ.
وفي مجال الطهي، لا يحتاج الطهاة إلى الحلاوة فقط، بل يعتمدون أيضًا على بلورات السكر للاحتفاظ بالرطوبة وإضفاء القوام على العجائن. ويعمل التاجاتوز كمُحلٍّي حجمي، يضيف الحجم والملمس، كما يشارك في تفاعلات التحمير عند التعرض للحرارة.
وأظهرت اختبارات التذوق أن طعمه قريب من السكروز، إذ تبلغ درجة حلاوته نحو 92% من حلاوة سكر المائدة في المحاليل المماثلة، وقد تُسهم هذه الخصائص في جعل المنتجات المُعاد تركيبها أكثر تقبّلًا لدى المستهلكين، إلا أن المطورين لا يزالون بحاجة إلى اختبار الاستقرار والتكلفة ومتطلبات وضع الملصقات.

وعند تناول التاجاتوز، لا يمتصه الجسم بالكامل في الأمعاء الدقيقة، بل ينتقل جزء منه إلى القولون، حيث تقوم بكتيريا الأمعاء بتخميره، ما يقلل من الارتفاع السريع في سكر الدم ويغيّر طريقة امتصاص الطاقة.
وأظهرت نتائج سريرية حدوث تغيّرات طفيفة في مستويات الجلوكوز والإنسولين بعد استهلاك التاجاتوز، بما يتوافق مع انخفاض قيمته الطاقية وبطء امتصاصه، ومع ذلك، قد يؤدي تخمير البكتيريا للسكر إلى إنتاج غازات وأحماض، ما قد يسبب انتفاخًا أو إسهالًا لدى بعض الأشخاص عند تناول كميات كبيرة.
وقبل انتشار أي مُحلٍّ جديد، تنظر الجهات التنظيمية والشركات في بيانات السلامة ونقاء المنتج ومتطلبات وضع الملصقات. وتدرج هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) «دي-تاجاتوز» كمكوّن مسموح به في المشروبات، وحبوب الإفطار، والعلكة، والحلوى، والمخبوزات.

ويُصنّف التاجاتوز على أنه «معترف به عمومًا على أنه آمن»، وهو ما يعني اتفاق الخبراء على سلامته ضمن الاستخدامات المحددة، دون أن يشمل ذلك جميع الأنماط الغذائية المحتملة، كما تسمح قاعدة تنظيمية منفصلة بالإشارة إلى أن «دي-تاجاتوز» لا يُعزز تسوس الأسنان، نظرًا لبطء تخميره بواسطة بكتيريا الفم.
وتُظهر نتائج هذه الدراسة كيف يمكن للخلايا الحية إنتاج التاجاتوز من الجلوكوز مع الحفاظ على الخصائص الطهوية المشابهة للسكر التقليدي، وتشمل الخطوات المقبلة تحسين كفاءة الإنتاج، وتطوير عمليات التنقية، واختبار أداء التاجاتوز في الوصفات الغذائية الفعلية والأنظمة الغذائية طويلة الأمد.





