عامان من المأساة في غزة.. صور تُجسّد الألم والصمود.. حكايات من تحت الركام
بين الأنقاض والمخيمات.. الحياة وسط الدمار في غزة بعد عامين من القصف بعدسة شابة فلسطينية
على مدى العامين الماضيين، عاش سكان قطاع غزة واحدة من أحلك المآسي الإنسانية في التاريخ الحديث، إذ تحولت حياتهم اليومية إلى سلسلة لا تنتهي من القصف والنزوح والجوع والموت.
ورغم الكارثة، كانت هناك شابة فلسطينية تُدعى إيناس طنطش، تبلغ من العمر 19 عامًا، قررت أن تواجه الموت بعدستها، وأن توثق للعالم ما يعنيه أن تُدمَّر مدينة بأكملها بينما يواصل أهلها التمسك بالحياة.

مشاهد لا تُنسى من بين الركام
بدأت طنطش التصوير في ربيع عام 2024، مستخدمة هاتفًا محمولًا حصلت عليه هدية من والدها، مدرب السباحة المعروف في بيت لاهيا.
كانت قبل الحرب طالبة في المرحلة الثانوية تحلم بأن تصبح مدرّبة سباحة للأطفال، لكن القصف الإسرائيلي غيّر كل شيء، ومع اختفاء عدد كبير من الصحفيين والمصورين في غزة بسبب القصف أو النزوح أو القتل، وجدت نفسها مدفوعة لتوثيق المأساة بيديها.

تقول طنطش في حديثها لصحيفة الجارديان:” لم أكن أتصور أن أكون مصوّرة يومًا، لكن حين رأيت جيراني وأصدقائي يُقتلون، لم أعد قادرة على الصمت، الصورة أصبحت سلاحي الوحيد.”
في صورها، لا نجد فقط آثار القنابل والأنقاض، بل نلمس تفاصيل الحياة الصغيرة التي تصر على البقاء: أطفال يملؤون حاويات بلاستيكية بالماء وسط الغبار، أب يحتضن شجرة زرعها قبل الحرب، أمّ تبتسم رغم فقدان بيتها، وقطة تجلس على أنقاض منزلها كأنها تحرس ذاكرة المكان.

غزة… مدينة تمشي على الرماد
تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 66 ألف شخص قُتلوا، وجُرح ما يقرب من 169 ألفًا منذ اندلاع الحرب، أي أن واحدًا من كل عشرة من سكان غزة كان ضحية مباشرة للحملة العسكرية الإسرائيلية.
كما بيّنت دراسة صادرة عن الجامعة العبرية في القدس أن ما يقرب من 70% من مباني غزة تعرضت لدمار أو ضرر بالغ، فيما يعيش 90% من السكان نازحين داخل خيام مؤقتة أو بين أنقاض منازلهم.

تقول إسرائيل، إن هدفها هو القضاء على حركة حماس، لكن وفقًا لتقرير مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فإن أكثر من 80% من الضحايا هم مدنيون، ما دفع التقرير إلى تصنيف ما يجري بأنه “إبادة جماعية” بحق الشعب الفلسطيني.

رحلة عائلة طنطش… أحد عشر نزوحًا
تنتمي إيناس إلى عائلة صغيرة من بيت لاهيا شمال غزة، اضطرت إلى النزوح إحدى عشرة مرة منذ بدء الحرب.
تروي الشابة أنها وعائلتها انتقلوا من منزل إلى آخر، ومن مدينة إلى أخرى، بحثًا عن الأمان الذي لم يجدوه قط.

“في كل مرة كنا نحزم ما تبقّى من أغراضنا ونمضي، نغادر قبل أن يسقط الصاروخ التالي. لم يعد لدينا بيت، فقط خيمة وبعض الذكريات.”
تعيش الأسرة اليوم في خيمة أقيمت على أرض زراعية مهجورة في خان يونس، حولها زرع والدها بضع نبتات صغيرة “ليستعيد معنى الحياة”، كما تقول ابنته.

الكاميرا كشهادة على البقاء
تحوّلت عدسة إيناس إلى أرشيفٍ بصريٍّ للكارثة الفلسطينية.
فقد التقطت صورًا نادرة من داخل المستشفيات المهدّمة، حيث وثّقت عملية جراحية أُجريت لرجل مصاب في البطن داخل غرفة عمليات شبه منهارة، بعد أن وافق الأطباء على دخولها بشرط مساعدتهم في تمرير الأدوات الجراحية أثناء التصوير.
كما صوّرت الدمار في خان يونس وبيت حانون ورفح ومدينة غزة، ووثّقت آثار القصف على بنك فلسطين ومسجدٍ كتب عليه الاحتلال بالعبرية، بينما كتب الغزيون على قبته: “وعد سنبنيه“.
تقول طنطش: “تعلمت كيف أعيش مع الخوف. الطائرات المسيّرة فوقنا طوال الوقت، ونحن نعمل وعيوننا على السماء.”

استهداف الصحفيين ومهنة الخطر
في قطاع غزة، أصبح العمل الصحفي من أخطر المهن على الإطلاق، فقد قُتل 248 صحفيًا منذ اندلاع الحرب، وفق نقابة الصحفيين الفلسطينيين.
وتشير طنطش إلى أنها احتُجزت مرة من قبل عناصر من حماس أثناء عملها، وجرى استجوابها قبل الإفراج عنها، لكنها واصلت التصوير رغم كل التهديدات.

وفي إحدى المرات، صوّرت آثار قصف مقهى على شاطئ غزة بعد دقائق من استهدافه، ووثّقت ما تبقى من زواره، تقول إن بعض الصور كانت “مؤلمة إلى درجة لا يمكن نشرها”، لكنها تعتبرها شهادة على الحقيقة.

من بين الأنقاض… ومضة حياة
في كل مشهد تلتقطه عدسة إيناس طنطش، هناك مزيج من الألم والمقاومة.
في إحدى صورها، تظهر فتاة صغيرة تبتسم من خلف خيمتها في خان يونس، وفي أخرى، يظهر والدها وهو يعانق شجرة نمت فوق الركام.
حتى القطط التي تصورها، كما تقول، “تبدو كأنها تُذكّرنا بأن الجمال لا يموت حتى في المدن المدمرة“.
تختم طنطش حديثها قائلة: “صوري ليست عن الحرب فقط، بل عن البقاء… عن الإنسان الذي لا يزال يحلم، حتى وهو يعيش بين الرماد.”









Thanks for sharing your knowledge. This added a lot of value to my day.