د.طاهر فايد: الاكتفاء الذاتي من القمح.. حقائق يجب معرفتها
أستاذ المحاصيل المتفرغ بجامعة عين شمس
أثار البعض قضية الاكتفاء الذاتي وفجوة القمح مؤخرا، وشكرا لكل من أدلى برؤيته فى قضية الفجوة القمحية فى مصر، والتي أتشرف بعرضها فى النقاط الآتية:
• حتى عام 1953 ، لم تكن مصر مستورده نهائيا لحبة واحده من القمح، بل وعلى العكس كانت تهدي بعض المخزون لديها لدول شقيقة، حيث كان خبز الذرة الشامية والشعير والذرة الرفيعة لهم السيادة فى صناعة الخبز المصري .
* للقمة الخبز قيمة مقدسة للمواطن المصري عن باقي شعوب العالم، تربينا على قدسيتها وتقبيلها، ووضعها على الجبهة والرأس، إذا سقطت فى الطريق خوفا ان تطأها الإقدام، والقسم (بالعيش) والملح!! وربطت عقولنا فكريا وعقائديا بين كلمة العيش bread، وبين العيش Live بمعنى الحياة.
* فى عام 1953، اقترح وزير الصحة ( المرحوم د.نور الدين طراف) على الرئيس جمال عبد الناصر، فكرة الإحلال الجزئي لدقيق القمح مع دقيق الذرة لرفاهية وتحسين صحة المواطن المصري .
* ظل 95% من سكان الريف المصري يتعاملون مع خبز الذرة (رحالي)، والشعير والذرة الرفيعة (بتاو)، بينما تمسك وجهاء الريف في استخدام القمح المخلوط بالذرة أو الحلبة لصناعة الخبز.. بل وتفاخرت النساء فى الريف أثناء طحن الحبوب أو أثناء الخبيز أو حتى أثناء الشجار بأن خبزها دقيق قمح صافى !!
* فى عام 1954 كان عدد سكان مصر حوالى 20 مليون نسمه بدأت شهية المواطن فى الريف المصري تنزع ناحية خبز القمح عن الذرة، وساهم فى ذلك التحولات الاجتماعية، وثقافة الرغبة فى الرقي، والتطلع للأفضل، والتعليم، وبدأ معها ظهور بوادر قضية عدم الاكتفاء الذاتي من القمح، وظهور ( بشائر) الفجوة القمحية، وتم استيراد حكومي لحوالي 400 ألف طن مع الناتج المحلى، لمواجهة احتياجات قرابة 20 مليون من البشر، ورغم أن الزراعة كانت متواضعة ومتوسط إنتاجية الفدان بين4-5 أردب، ولكن لقلة عدد السكان كان الاكتفاء الذاتي من القمح حوالى 85-90%
* الطفرة الحقيقية للقمح وللزراعه المصرية ككل، كانت فى مرحلة أستاذنا -الراحل د.يوسف والى وزير الزراعة الأسبق- لمقومات كثيرة عشنا جميعا مع حجم فكرها والإخلاص، والشفافية ونظافة الضمير واليد فى تنفيذها ونشاط علمي وعالمي منفتح على العالم فى المراكز البحثية والجامعات أثمر عن زيادة غير مسبوقة فى متوسطات إنتاجية كل الحاصلات الزراعية، وتحقق لمحصول القمح عشرات من التراكيب الوراثية الجديدة بفضل عديد من المشاريع القومية والمشاركة مع المؤسسات العلمية العالمية قفزت بمتوسط إنتاجية المحصول إلى 16-18 أردب للفدان، ولكن الزيادة السكانية، وكمية الهادر فى المحصول والنمط الغذائي الاستهلاكي للمحصول التهم كثيرا من حجم الاكتفاء الذاتي حيث تراوح فى هذه المرحلة بين 60-65 %
* على ضوء الزيادة السكانية فى مصر ( 2.5 مليون/ سنة) يحتاجون إلى زيادة سنوية قدرها 80 ألف فدان في مساحة القمح) ، وعلى ضوء أسعار غير مشجعه للمزارع، وعلى ضوء مشكلة الشح المائي فى مصر، وعلى ضوء التطرف والتغير المناخي والاحترار، وعلى ضوء غياب وموت منظومة الإرشاد الزراعي فى مصر وعلى ضوء امتطاء غير الزراعيين لمسئولية الزراعة فى مصر.. فمن العبث والجهل والجهالة النطق بكلمة اكتفاء ذاتي من القمح، ولكن ما نصبوا إليه هو خفض الفجوة القمحية، والتي وصلت الآن إلى نحو 55-60%، حيث يصل استهلاكنا حاليا سنويا إلى 22 مليون طن ننتج منها8-9 ملايين طن، ونستورد الباقي من الخارج .
• عدم الاكتفاء الذاتي من القمح ليس سبه أو عار على أي دولة، لأن التبادل التجاري والاستيراد والتصدير بين دول العالم هو أمر طبيعي، وسمة من سمات ديناميكية هذه الحياة، ومعظم دول العالم تستورد بعض احتياجاتها من غيرها، ولكن ربما نتألم نحن كزراعيين من مقولة إن مصر أكبر مستورد القمح فى العالم!، لذا نسعى إلى الهروب من هذا اللقب، ونعمل على زيادة الاكتفاء الذاتي من القمح إلى 60% أو 65% خلال السنوات العشر القادمة من خلال المحاور الآتية :
أولا: اجتهاد متواصل لقسم بحوث القمح فى إنتاج أصناف جديدة عالية الإنتاجية وقادرة على تحمل الاجهادات البيئية والحيوية .
ثانيا:تنشيط تغطية كل مساحات القمح بالتقاوي المعتمدة والحمد لله وصلنا إلى تغطية 70%، الآن من المساحة وستصل إلى 100% بإذن الله العام الحالي .
ثالثا: إعادة النظر فى مواعيد الزراعة والحصاد بناء على بيانات مركز معلومات المناخ الزراعي .
رابعا: إحياء منظومة الإرشاد الزراعي التى أدى غيابها إلى سيطرة تجار البذور والمبيدات فى القرية المصرية، وتحميل المزارع أعباء مالية للكيماويات غير مطلوبه، بالإضافة إلى غياب مخرجات البحوث وحزم التوصيات للمزارع .
خامسا: توعية المزارع بطرق الزراعة على مصاطب والمقننات الإروائية والسمادية السليمة .
سادسا: تقليل الفاقد فى عمليات الحصاد والدراس، والنقل والتخزين، والتي يفقد فى مراحلها 10-15% من المحصول .
سابعا: خلط دقيق القمح بنسب علمية 10-15% من دقيق أى من الشعير أو الذرة الشامية أو الذرة الرفيعة سيقلل استهلاكنا من القمح بنفس النسبة.
ثامنا: مراقبة الأفران لضمان جودة الخبز الناتج، وعدم وصول العيش إلى مزارع الدواجن والإنتاج الحيواني.
تاسعا: زراعة أصناف القمح فى المناطق المخصصة لها، تبعا للخريطة الصنفية للقمح، والتى كلفت بحوث مشاريعها ملايين الجنيهات لغياب الإرشاد الزراعي.
عاشرا: القمح نبات ثلاثي الكربون، درجة الحرارة المثلى لأعلى بناء ضوئي فيه 15-18 درجة مئوية، لذا فمن السفه زراعته فى مناطق حارة أو في أكثر من عروة كما يتشدق أشباه العلميين .
الحادي عشر: للوصول إلى الاكتفاء الذاتى من القمح، مطلوب زراعة 6-8 ملايين فدان قمح، وهو أمر يصعب تحقيقه حاليا، والمساحة المزروعة الآن حوالى2-3 ملايين فدان فقط، نأمل أن تصل فى الموسم الجديد إلى 4 ملايين فدان إذا كان السعر مشجعا للمزارع .
الثاني عشر: تغيير النمط الغذائي للمواطن المصرى أمر هام فليس من المقبول أن يكون المتوسط العالمى للفرد ٨٥ كجم قمح واستهلاك الفرد فى مصر200-220 كجم قمح فى السنة، يفقد 30 % منها فى سلال القمامة .
الثالث عشر: إعادة النظر فى أسعار توريد القمح على أساس السعر العالمى لتشجيع الزراع على زراعته، لآن الفلاح أصبح يختار المحصول تبعا لمقدار مكسبه.
الرابع عشر: إعادة النظر فى استغلال الأراضى الجديدة من خلال المشاريع القومية أو المستثمرين لزراعتها، بالاصناف المناسبة من القمح بالتقنيات الحديثه لتقليل الاستيراد .
الخامس عشر- مراقبة سماسرة وتجار ووسطاء تجارة القمح وتجار مستلزمات الإنتاج للحد من ظاهرة استغلال الفلاح المنتشرة فى السنوات الأخيرة .





