صعود الصين وتحول الخليج.. وأمريكا تراوح مكانها بقانون يعيدها للوراء
هل تتخلى أمريكا عن ريادتها في الطاقة النظيفة لصالح منافسيها؟
-
من “ثروة الأمم” إلى قانون ترامب.. معركة إنتاج الثروة لا استنزافها
استشرف آدم سميث، الأب المؤسس للرأسمالية، مآلات المستقبل قبل وقوعها، حين وجّه في كتابه «ثروة الأمم» نقدًا لاذعًا، لا إلى التجار أو الصناعيين، بل إلى طبقة ملاك الأراضي؛ فقد وصفهم بمقولته الشهيرة: «يحبون أن يحصدوا، حيث لم يزرعوا يومًا»، مشخّصًا إياهم بدقة باعتبارهم مستنزفين للقيمة لا منتجين لها، وممتلكين لا فاعلين.
وفي هذا السياق، شكّل إقرار مشروع «القانون الكبير والجميل»، الذي طرحه دونالد ترامب، محطة فارقة أعادت تسليط الضوء على الفارق الجوهري بين إنتاج الثروة واستنزافها، لا سيما في قطاع الطاقة.
فعلى مدى العقدين الماضيين، انحازت الولايات المتحدة نحو الابتكار والتجديد، حيث طوّرت صناعات الألواح الشمسية، وأنظمة تخزين البطاريات، والسيارات الكهربائية؛ وهي قطاعات بُنيت من لا شيء، وأصبحت اليوم توفّر مئات الآلاف من فرص العمل.
ذكر تقرير تم نشره مؤخرا في فايننشال تايمز تحليلا لقاتون الرئيس الامريكي، أن هذا القانون الجديد يهدد بعكس هذا المسار، من خلال تقويض استثمارات الطاقة النظيفة، وتقويض صناعات الطاقة الشمسية والرياح والبطاريات، في اللحظة التي بدأت فيها باكتساب زخم عالمي غير مسبوق.

وفي المقابل، ظلّت الإعانات الحكومية للوقود الأحفوري محصّنة من أي مساس، رغم أن الطلب العالمي بلغ ذروته، والعالم يتجه تدريجيًا إلى ما بعد عصر الاحتراق.
إنها ليست رؤية استراتيجية للمستقبل، بل مجرّد تسديد فاتورة للماضي. والأكثر إحباطًا في الأمر أن الولايات المتحدة ليست مضطرة أصلاً للمفاضلة بين الخيارين.
دول العالم بين ثلاث فئات
في مجال الطاقة، ثمّة إطار تحليلي بالغ الفائدة – وإن كان مبسّطًا نوعًا ما – لفهم الخيارات المتاحة أمام الدول. هنا تنقسم بلدان العالم إلى ثلاث فئات رئيسية:
أولاً، دول مثل روسيا وفنزويلا، التي تعتمد اقتصاداتها بشكل جوهري على احتياطات النفط والغاز الطبيعي التي لم تصنعها ولا تستطيع تجديدها، ويمكن تسميتها «المالكين». وتستمد هذه الدول نفوذها من موقعها الجغرافي وما تختزنه أراضيها من ثروات باطنية. لا تحتاج هذه الدول لبذل جهد كبير لتكديس الثروات.
ثم تأتي فئة «الفاعلين» – دول مثل تايوان وكوريا الجنوبية وسنغافورة. فرغم افتقارها لاحتياطات الوقود الأحفوري، نجحت في بناء منظومات طاقة عالمية المستوى من خلال الإبداع المحض، عبر الاستثمار في التقنيات النظيفة، وتعزيز مرونة شبكات الطاقة، وتطوير قدرات التوليد المحلية.
وأخيرًا، هناك الولايات المتحدة، التي تملك احتياطات هائلة من الفحم والنفط، وفي الوقت ذاته تتمتع برصيد هائل من المواهب الهندسية، وأسواق مالية متطورة، ومنظومات ابتكارية عالية الكفاءة.
بمعنى آخر، أمريكا تمتلك حرية الاختيار: بإمكانها بناء مستقبلها على تقنيات البطاريات المتطورة والطاقات المتجددة، أو البقاء أسيرة اقتصاد الوقود الأحفوري المتقادم.
و«القانون الكبير والجميل» ينحاز إلى الخيار الثاني، متنازلًا بذلك عن الريادة لصالح قوى عالمية صاعدة، في مقدمتها أبرز منافسيها.
لقد ارتكز صعود الصين في البداية على الفحم، ولا تزال حتى اليوم أكبر مستهلك للوقود الأحفوري في العالم، لكنها باتت أيضًا تتربّع على قمة سلسلة التوريد في التكنولوجيا النظيفة، من الطاقة الشمسية إلى المركبات الكهربائية.
إذ تبيع شركة «بي واي دي» سيارات كهربائية ذاتية القيادة بسعر لا يتجاوز 10 آلاف دولار، كما أن الصين تسير نحو كهربة اقتصادها بمعدل 10 نقاط مئوية في كل عقد.
في المقابل، تعيد الإمارات والسعودية – اللتان كانتا تعتمدان بدرجة كبيرة على عائدات النفط – تموضع نفسيهما كدول «فاعلة». فبفضل مبادرات طموحة كرؤية السعودية 2030، واستثمارات صناديق الثروة السيادية الإماراتية الضخمة، تضخ الدولتان عائدات النفط في مراكز التصنيع واللوجستيات، وفي أشكال مستحدثة من خلق القيمة المضافة.
اختبار الاحتفاظ بموقع القيادة؟
أما الولايات المتحدة، فباتت تتبع نموذجًا لا يشبه وادي السيليكون، بل أقرب إلى سيبيريا في تسعينيات القرن الماضي، عندما هرع الأوليجارش للاستحواذ على حقول النفط السوفييتية. ولننظر الآن كيف كانت المحصلة النهائية لروسيا؟
لذا، إذا أرادت أمريكا الحفاظ على موقعها القيادي، فعليها أن تعود إلى جذورها كدولة من الفاعلين.
وفي ظل الوضع السياسي الراهن، يتطلب تحقيق هذا الهدف مشروعًا طويل الأمد يمتد لسنوات، وسيتعيّن على الديمقراطيين قيادة هذا التحول.
لكن عليهم أولاً إثبات أنهم الحزب القادر فعليًا على تشييد ما يحتاج إليه المواطن الأمريكي، الحزب الذي يجسّد الوفرة الحقيقية.
فلم يعد بوسع التيار الليبرالي الاكتفاء بالخطابات المنمقة حول العدالة والمساواة، بل أضحى لازماً ترجمة هذه الشعارات إلى واقع. فدرب المساواة المنشودة يمر حتمًا عبر بوابة التنفيذ الفعّال.
ويتطلب هذا التحول إنهاء المزايا الضريبية التي تنعم بها شركات الوقود الأحفوري، المتهافتة على حفر آبار خاسرة اقتصاديًا، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية لإقامة مشاريع البنية التحتية للطاقة النظيفة، وتحديث شبكات الكهرباء.
كما يستلزم الأمر تسريع وتيرة انتشار الطاقات المتجددة بمعدل إضافة 70 جيجاواط سنويًا، مع توسيع نطاق تركيب المضخات الحرارية لتبلغ 8 ملايين وحدة كل عام.
ويعني كذلك تشييد عشرات الآلاف من الوحدات السكنية المبتكرة التي تعمل بالطاقة النظيفة. وفي نهاية المطاف، يعني ذلك تمكين الولايات المتحدة من تصدّر مسيرة الكهربة الشاملة، وخلق آلاف الوظائف المستدامة ذات الجودة العالية خلال هذه المسيرة التحولية.
هذا ما يمكن أن يُسمى فعلاً مشروع قانون «كبير وجميل».
فالولايات المتحدة تملك كل المقومات: رأس المال، والكفاءات، والابتكار، وثقافة التحدي وحل المشكلات الصعبة. لكنها لن تفوز بالمستقبل إذا ظلّت عالقة في ماضيها.
لذلك، آن الأوان للتوقف عن إدارة الانحدار الذاتي، والشروع في تعظيم نقاط القوة، وتوسيع نطاق ما أثبت جدواه. وهذا يتطلب التركيز بشكل أقل على ما تمتلكه الولايات المتحدة، وأكثر على ما تستطيع ابتكاره وصناعته.






I enjoyed your perspective on this topic. Looking forward to more content.