«سوبر النينيو» يهدد بتحطيم الأرقام القياسية.. 6 حقائق علمية تكشف كيف يعيد تشكيل طقس العالم

النينيو ليست عاصفة.. كيف تؤثر الظاهرة المناخية في الطقس والأعاصير ومستويات البحار؟

مع تصاعد احتمالات حدوث ظاهرة «النينيو» قوية للغاية خلال الفترة الحالية، تتزايد تساؤلات العلماء والجمهور حول تأثيراتها المحتملة في درجات الحرارة والعواصف والأمطار ومستويات البحار، وما إذا كانت ستؤدي إلى موجات مناخية متطرفة في مناطق مختلفة من العالم.

وتشير توقعات مركز التنبؤات المناخية التابع للإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA)، الصادرة في 8 أكتوبر 2026، إلى أن النينيو تواصل تعزيز قوتها، مع احتمال يتجاوز 83% لاستمرار ظاهرة قوية إلى قوية جدًا خلال الفترة من يناير إلى مارس 2027. كما ارتفعت احتمالات تسجيل حدث تاريخي يتجاوز شدة ظواهر النينيو السابقة منذ عام 1950، وفق المؤشرات التي يعتمدها المركز.

لكن العلماء يحذرون من أن قوة الظاهرة لا تعني أن تأثيراتها ستكون متطابقة في كل مكان، أو أن وقوع ظاهرة جوية متطرفة في منطقة بعينها يمكن التنبؤ به مسبقًا اعتمادًا على النينيو وحدها.

وفي تقرير نشرته شبكة CNN في 14 أكتوبر 2026، يستعرض أندرو فريدمان، الصحفي المتخصص في شؤون المناخ والطقس، ست نقاط أساسية تساعد على فهم الظاهرة، والتمييز بين ما يمكن توقعه علميًا وما لا يزال غير مؤكد.

1- كل ظاهرة نينيو مختلفة عن الأخرى

قد يعتقد البعض أن جميع موجات النينيو تؤدي إلى النتائج المناخية نفسها، لكن العلماء يؤكدون أن كل حدث يختلف عن سابقه من حيث القوة والتوقيت والتأثيرات الإقليمية.

وتتداخل النينيو مع عوامل أخرى تتحكم في الطقس، من بينها الدوامة القطبية ودورات المحيطات والغلاف الجوي، وهو ما يجعل نتائجها أكثر تعقيدًا من مجرد ارتفاع حرارة مياه المحيط الهادئ.

ومن الأمثلة على ذلك ظاهرة النينيو القوية التي شهدها العالم خلال عامي 2015 و2016؛ إذ لم تحقق كاليفورنيا الأمطار الغزيرة التي توقعها البعض استنادًا إلى أحداث سابقة مشابهة.

ويشير الباحث المتخصص في النينيو مايكل مكفادن إلى أن الظاهرة تأتي بأشكال ودرجات متفاوتة، وأنه لا توجد حالتان متطابقتان تمامًا.

وتعني هذه الحقيقة أن الاستناد إلى ما حدث خلال ظاهرة سابقة لا يكفي وحده لتحديد ما سيحدث في الموسم المقبل، حتى عندما تكون قوة النينيو الجديدة قريبة من مستويات قياسية.

كل ظاهرة نينيو مختلفة عن الأخرى

2- النينيو قد تكون مفيدة لبعض المناطق.. ومكلفة لمناطق أخرى

على الرغم من ارتباط النينيو بزيادة احتمالات بعض الظواهر الجوية المتطرفة، فإن تأثيراتها ليست سلبية في جميع المناطق.

ففي بعض الحالات، ترتبط الظاهرة بتراجع نشاط الأعاصير المدارية في المحيط الأطلسي، نتيجة تعزيز الرياح القوية في طبقات الجو العليا فوق المنطقة المدارية، وهو ما قد يعرقل نمو بعض العواصف وتحولها إلى أعاصير قوية.

وقد تسهم النينيو أيضًا في جعل الشتاء أكثر دفئًا من المعتاد في أجزاء من الولايات المتحدة، بما قد يقلل احتياجات التدفئة وتكاليفها.

لكن ما يمثل فائدة لمنطقة قد يتحول إلى مصدر خطر في منطقة أخرى. ففي الوقت الذي قد تتراجع فيه فرص تشكل بعض الأعاصير فوق الأطلسي، يمكن أن يزداد نشاط العواصف المدارية في وسط وشرق المحيط الهادئ.

ويشير تقرير CNN إلى أن هاواي شهدت خلال الموسم المشار إليه تأثيرات من ثلاث عواصف، في مثال على اختلاف التأثيرات بين أحواض المحيطات.

لذلك، لا يمكن وصف النينيو بأنها ظاهرة جيدة أو سيئة بصورة مطلقة؛ إذ تتوقف حصيلتها على المنطقة الجغرافية، والموسم، وطبيعة المخاطر التي تتعرض لها المجتمعات والنظم البيئية.

النينيو قد تكون مفيدة لبعض المناطق.. ومكلفة لمناطق أخرى

3- موجات كلفن البحرية ليست أمواجًا عملاقة.. لكنها قد ترفع مخاطر الفيضانات الساحلية

تلعب ما يُعرف باسم «موجات كلفن» دورًا مهمًا في تطور ظاهرة النينيو واستمرارها. وهي موجات تتحرك داخل المحيط، وتنقل كميات كبيرة من الحرارة المختزنة في المياه من غرب المحيط الهادئ إلى مناطقه الوسطى والشرقية.

لكنها ليست تسونامي، ولا جدارًا مائيًا هائلًا يندفع نحو الشاطئ، كما قد يتخيل البعض عند سماع كلمة «موجة».

وأوضح ديلون أمايا، الباحث في جامعة ولاية كارولاينا الشمالية، أن هذه الموجات قد ترفع مستوى سطح البحر مؤقتًا على طول أجزاء من الساحل الغربي لأمريكا الشمالية بنحو 6 إلى 12 بوصة، أي ما يعادل قرابة 15 إلى 30 سنتيمترًا.

ويحدث هذا الارتفاع بصورة تدريجية وعلى امتداد مساحة واسعة من المياه، لذلك قد لا يستطيع الأشخاص الموجودون على الشاطئ ملاحظته بالعين المجردة.

وتكمن الخطورة في أن ارتفاع مستوى البحر، حتى لو كان مؤقتًا، قد يزيد قابلية المناطق الساحلية للغمر عندما يتزامن مع المد المرتفع والعواصف الشتوية.

وهكذا، فإن تأثير موجات كلفن لا يقتصر على نقل الحرارة داخل المحيط، بل يمكن أن يمتد إلى زيادة مخاطر الفيضانات الساحلية في ظروف معينة.

موجات كلفن البحرية ليست أمواجًا عملاقة.. لكنها قد ترفع مخاطر الفيضانات الساحلية

4- النينيو ليست هي تغير المناخ الناتج عن الإنسان

من الضروري التمييز بين ظاهرة النينيو الطبيعية وتغير المناخ الناتج عن الأنشطة البشرية، رغم أن الظاهرتين قد تتفاعلان وتؤثر إحداهما في نتائج الأخرى.

فالنينيو جزء من دورة مناخية طبيعية تعرف باسم «التذبذب الجنوبي للنينيو» (ENSO)، وتتضمن تغيرات في درجات حرارة سطح المياه وأنماط الرياح والضغط الجوي فوق المحيط الهادئ الاستوائي. وتحدث الظاهرة عادة على فترات تتراوح بين ثلاث وسبع سنوات، لكن توقيتها وشدتها يختلفان من دورة إلى أخرى.

أما الاحترار العالمي الناتج عن الأنشطة البشرية، فيرتبط أساسًا بتراكم غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، نتيجة حرق الوقود الأحفوري وتغير استخدام الأراضي وغيرها من الأنشطة.

ويشير تقرير CNN إلى أن العلاقة بين الاحترار العالمي وشدة أحداث النينيو لا تزال موضوعًا للبحث العلمي. فقد طرحت دراسة حديثة احتمال أن يسهم تغير المناخ في زيادة قوة بعض أحداث النينيو، لكن هذه النتيجة تحتاج إلى مزيد من الدراسات المستقلة قبل اعتبارها استنتاجًا علميًا مستقرًا.

وفي الوقت نفسه، تتطور النينيو الحالية في عالم أصبحت محيطاته أكثر دفئًا بفعل الاحترار طويل الأمد. وتؤدي الظاهرة إلى إعادة توزيع الحرارة المخزنة في المحيط ونقل جزء منها إلى الغلاف الجوي، ما قد يعزز متوسط درجات الحرارة العالمية خلال فترة تمتد إلى عام أو عامين.

ولهذا، يحذر العلماء من احتمال تسجيل درجات حرارة عالمية قياسية خلال عامي 2026 و2027، مع التأكيد أن هذه توقعات وليست نتائج محسومة، وأن الاحترار البشري والنينيو عاملان مختلفان وإن كان تأثيرهما الحراري قد يتضافر.

حقائق عن النينيو القوية المتوقعة، وتأثيراتها المحتملة في الحرارة والأعاصير والأمطار

5- لا يمكن الحكم على قوة النينيو من تغيرات يوم واحد

مع تزايد توافر بيانات درجات حرارة المحيطات يوميًا، أصبحت الرسوم البيانية ولوحات البيانات المنتشرة عبر الإنترنت تعرض مؤشرات قد توحي بأن قوة النينيو تتغير بصورة حادة من يوم إلى آخر.

لكن الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي تعتمد على بيانات أسبوعية وشهرية في تقييم تطور الظاهرة، لأن درجات حرارة سطح البحر تتغير طبيعيًا على المدى اليومي، وقد تؤدي هذه التقلبات إلى استنتاجات مضللة إذا جرى التعامل معها باعتبارها مؤشرًا نهائيًا على قوة الحدث.

ووفق تحليل CNN باستخدام البيانات الأسبوعية لمؤشر «رونـي» النسبي الجديد لقياس النينيو، كان الحدث يتجه في منتصف أكتوبر نحو احتمال تسجيل مستوى قياسي خلال نوفمبر أو ديسمبر 2026.

وتوقع مركز التنبؤات المناخية الأمريكي، في تحديثه الصادر يوم 8 أكتوبر، أن تكون احتمالات تجاوز شدة أحداث النينيو السابقة منذ عام 1950 مرتفعة، مع تقديرات بلغت 54% للفترة سبتمبر–نوفمبر، و83% للفترة أكتوبر–ديسمبر، و70% للفترة نوفمبر–يناير، وفق مقياس الشدة الذي يستخدمه المركز.

وتظل هذه الاحتمالات مرتبطة بالمؤشرات والنماذج المستخدمة، وقد تتغير مع ورود بيانات جديدة. كما أن مصطلح «سوبر نينيو» أو «النينيو الخارقة» وصف غير رسمي للأحداث شديدة القوة، وليس فئة مستقلة ذات تعريف موحد في جميع المؤسسات العلمية.

6- النينيو تؤثر في احتمالات العواصف.. لكنها ليست عاصفة تضرب مكانًا بعينه

من أكثر المفاهيم التي يساء فهمها الاعتقاد بأن النينيو نفسها عاصفة ستصل إلى منطقة محددة في موعد معلوم.

في الواقع، النينيو ظاهرة مناخية واسعة النطاق تستمر أشهرًا، وتؤثر في أنماط دوران الغلاف الجوي والمحيطات. ويمكنها زيادة احتمال حدوث أنواع معينة من الظواهر الجوية في مناطق محددة، لكنها لا تحدد وحدها زمان كل عاصفة أو مكانها أو شدتها.

فقد تسهم في زيادة فرص الأمطار أو الجفاف في بعض الأقاليم، وتغير احتمالات الأعاصير في أحواض محيطية مختلفة، كما يمكن أن تؤثر في درجات الحرارة الموسمية. لكن النتيجة النهائية تتوقف على تفاعلها مع أنظمة الطقس الأخرى والظروف المحلية.

فشل المحاصيل الزراعية سبب ظاهرة النينو

ولهذا، لا يستطيع العلماء تحديد ما إذا كانت النينيو ستتسبب في عاصفة بعينها فوق مدينة معينة اعتمادًا على وجود الظاهرة وحده. فالتنبؤات الموسمية تقدم احتمالات واتجاهات عامة، بينما تحتاج توقعات الطقس اليومية إلى بيانات ونماذج مختلفة وأكثر تفصيلًا.

ماذا تعني النينيو للعالم في 2027؟

تضع التوقعات الحالية العالم أمام احتمال حدوث واحدة من أقوى ظواهر النينيو المسجلة، في وقت تتزايد فيه حرارة المحيطات بفعل الاحترار العالمي. وقد يؤدي اجتماع العاملين إلى تعزيز مخاطر الحرارة الشديدة وتغيير أنماط الأمطار والعواصف في مناطق مختلفة خلال الأشهر المقبلة.

لكن قوة النينيو لا تعني أن جميع الدول ستواجه التأثيرات نفسها، ولا أن كل موجة حر أو فيضان أو إعصار يمكن إرجاعه إليها وحدها.

وتتطلب الاستعدادات الفعالة الاعتماد على التوقعات الإقليمية الصادرة عن الجهات المختصة، وتحسين أنظمة الإنذار المبكر، والاستعداد لمخاطر الجفاف والفيضانات والحرارة، إلى جانب استمرار خفض انبعاثات غازات الدفيئة.

فالنينيو ظاهرة طبيعية، لكن المخاطر التي تنتج عنها تتأثر بمدى استعداد المجتمعات، وبحالة المناخ العالمي، وقدرة البنية التحتية والأنظمة الصحية والزراعية على التعامل مع الظروف المتطرفة.

والدرس الأهم أن فهم النينيو لا يقوم على توقع كارثة واحدة، بل على إدراك أنها تغير احتمالات الطقس على نطاق واسع، وأن الاستعداد المبكر هو ما يساعد على تقليل الخسائر عندما تتضافر الظروف المناخية الخطرة.

↑
Exit mobile version