سدود إثيوبيا الجديدة تهدد مصر بـ65 مليار متر مكعب عجزًا مائيًا.. دراسة علمية تحذر من سيناريو الجفاف
ليس سد النهضة وحده.. دراسة تكشف مخاطر سدود إثيوبيا الجديدة على مياه مصر
تزامنًا مع التصريحات الأخيرة لوزير الموارد المائية والري بشأن الخطط الإثيوبية لإنشاء سدود جديدة، وما جرى تداوله بشأن تصريحات وزير المياه والطاقة الإثيوبي حول إقامة سدود إضافية على النيل الأزرق، تتزايد أهمية الدراسات العلمية التي تحاكي تأثير هذه المشروعات على دول المصب، وفي مقدمتها مصر.
وفي هذا السياق، تكشف نتائج دراسة علمية بقيادة العالم المصري د.عصام حجي الباحث في وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) أستاذ بقسم الجيوفيزياء والمخاطر الطبيعية بجامعة باريس في فرنسا، وأستاذاً زارياً بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (كالتك)، جرى عرض جانب منها خلال المؤتمر الدولي الخامس للأنهار الأفريقية (ICAR 2026)، الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، عن سيناريوهات مقلقة لتداعيات إنشاء سدود جديدة على النيل الأزرق، خصوصًا في حالة تشغيلها بصورة أحادية ومن دون تنسيق مع دول المصب.
وأجرى الفريق العلمي محاكاة لتشغيل السدود الجديدة خلال واحدة من أطول فترات الجفاف الممتد المسجلة تاريخيًا، خلال الفترة من 1978 إلى 1988، بهدف اختبار مدى قدرة منظومة السدود على التعامل مع فترات انخفاض الإيرادات المائية الممتدة.

65 مليار متر مكعب عجزًا مائيًا
وأظهرت نتائج المحاكاة أنه في حالة إدارة السدود الجديدة بصورة أحادية وغير تعاونية، وفق سيناريو تشغيل محدد، يمكن أن يصل العجز التراكمي في الموازنة المائية المصرية إلى نحو 65 مليار متر مكعب على مدار فترة الجفاف الممتد.
ووفق النتائج، يمثل هذا السيناريو أعلى مستويات العجز بين السيناريوهات التي جرى اختبارها، بالتزامن مع انخفاض إنتاج الكهرباء من السد العالي نتيجة تراجع منسوب المياه خلال فترات الجفاف.
ولا تتوقف تداعيات نقص المياه عند حدود الموارد المائية، إذ يمكن أن تمتد إلى قطاعات الزراعة والغذاء والدخل الريفي والطاقة، بما يجعل إدارة السدود العابرة للحدود قضية تتجاوز البعد الهندسي إلى الأمن الاقتصادي والغذائي والاجتماعي.
ماذا يعني فقدان مليار متر مكعب من المياه؟
وتكتسب أرقام العجز المائي أهمية أكبر عند وضعها في سياق تأثير نقص المياه على الاقتصاد الزراعي.
ووفق التقييمات المشار إليها في الدراسة، فإن فقدان مليار متر مكعب من المياه يمكن أن يرتبط بتقليص المساحات الزراعية بنحو 294 ألف فدان، مع انخفاض قيمة الإنتاج الزراعي السنوي بنحو 430 مليون دولار أمريكي، وزيادة الواردات الزراعية بنحو 150 مليون دولار أمريكي، إلى جانب التأثير في دخول نحو 290 ألف مزارع.
وبالتالي، فإن إسقاط هذه التأثيرات على سيناريو عجز تراكمي يصل إلى 65 مليار متر مكعب يوضح حجم التداعيات المحتملة، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة أن كل مليار متر مكعب إضافي من العجز سيؤدي بصورة خطية ومباشرة إلى الأرقام نفسها، إذ تعتمد التأثيرات الفعلية على توقيت العجز، وإدارة المخزون المائي، ونمط الزراعة، وكفاءة استخدام المياه، والسياسات الحكومية المتبعة لمواجهة الأزمة.

تعليقات حجي: 65 مليار متر مكعب خلال فترة الجفاف
وقال حجي عبر صفحته على فيسبوك ، “إذا أصبحت السدود الجديدة حقيقة… فإن الكارثة لن تكون في بنائها فقط، بل في استمرار حالة التخبط العلمي في إدارة هذا الملف” تزامنًا مع تصريحات وزير الموارد المائية والري منذ أيام بشأن خطط إثيوبيا لبناء سدود جديدة، وهي التي أعلن عنها في أبحاث علمية منذ سنتين دون أدنى رد من وزارة الموارد المائية والري، وتصريحات المتداولة لوزير المياه والطاقة الاثيوبي بخصوص سدود اضافية على النيل الازرق أود أن أشارك جانبًا من نتائج الدراسة التي قدمها فريقنا العلمي الشهر الماضي في المؤتمر الدولي الخامس للأنهار الأفريقية (ICAR 2026) بالعاصمة المغربية الرباط، والذي أقيم تحت رعاية كامله من الملك محمد السادس ملك المغرب.
وأوضح حجي أن هذه الدراسة قام وفريقه العلمي بمحاكاة تشغيل السدود الجديدة خلال واحدة من أطول فترات الجفاف الممتد التاريخية (1978–1988) ، والنتائج كانت واضحة وصادمة: عندما تُدار تلك السدود بشكل احادي غير تعاوني (Flood Operation Level – FOL)، يرتفع العجز التراكمي ،على مدى سنوات الجفاف على، الموازنة المائية المصرية إلى نحو 65 مليار متر مكعب خلال فترة الجفاف الممتد، وهو أعلى عجز بين جميع السيناريوهات التي اختبرناها، مع انخفاض إنتاج الكهرباء من السد العالي نتيجة هبوط المنسوب خلال فترات الجفاف.
وأكد أن عجز واحد مليار متر مكعب مياه واحد سيتسبب في تقليص الأراضي الزراعية بمقدار 294 ألف فدان، مما يؤدي بدوره إلى انخفاض قيمة الإنتاج الزراعي السنوي بمقدار 430 مليون دولار أمريكي، وزيادة الواردات الزراعية بمقدار 150 مليون دولار أمريكي، مما يتسبب في خسارة دخل 290,000 مزارع طبقا للتقييمات الرسمية. فمبالك بأثر 65 مليار متر مكعب !!
والأخطر كما يوضح حجي في رسالته، أن الدراسة أظهرت أن إضافة سدود جديدة مع غياب التنسيق كما حدث في سد النهضة تعني تعظيم المخاطر المائية على دول المصب، أثناء سنوات الجفاف الممتدة التي تتزايد احتمالاتها في ضل التغيرات المناخية في حوض النيل والتي يتم التقليل منها مع الاسف في وسائل الاعلام. هذا الكلام ليس لإحداث فزع وهلع بين الجموع ولا مكايدة في المسؤولين ولكنه نداء مبكر لتفعيل دور العلم في أسرع وقت لتجنب هذه الكوارث”.
الخطر الأكبر.. سنوات الجفاف الممتد
وتشير نتائج المحاكاة إلى أن مصدر القلق الرئيسي لا يرتبط فقط بإنشاء سدود جديدة، وإنما بكيفية تشغيل هذه السدود، خصوصًا أثناء فترات الجفاف الممتد.
ففي حال غياب التنسيق بين دول حوض النيل وتشغيل المنشآت بصورة منفردة، يمكن أن تتضاعف الضغوط على دول المصب خلال السنوات التي تتراجع فيها الموارد المائية بصورة حادة.
وتزداد أهمية هذا السيناريو مع تنامي المخاوف العلمية من تغير أنماط الهطول والجفاف في مناطق مختلفة من القارة الأفريقية نتيجة تغير المناخ، وهو ما يجعل الاعتماد على متوسطات تاريخية ثابتة للمياه أقل قدرة على عكس المخاطر المستقبلية.

سد النهضة ليس نهاية القصة
وتضع هذه النتائج قضية السدود الجديدة في سياق أوسع من الجدل حول سد النهضة الإثيوبي، إذ إن إضافة منشآت تخزينية جديدة على النيل الأزرق يمكن أن تغير ديناميكيات تدفق المياه، خصوصًا إذا لم تترافق مع آليات واضحة لتبادل البيانات والتنسيق في التشغيل خلال فترات الجفاف.
وهنا يصبح السؤال الأهم ليس فقط: كم سدًا جديدًا ستبني إثيوبيا؟ وإنما أيضًا: كيف ستتم إدارة هذه السدود عندما يدخل حوض النيل في فترة جفاف ممتدة؟
فالتخزين المنفرد قد يوفر فوائد محلية للدولة التي تقيم السد، لكنه في المقابل قد ينقل جزءًا من المخاطر إلى دول المصب إذا لم توجد قواعد تشغيل مشتركة وآليات واضحة للتعامل مع حالات الجفاف والسنوات شديدة الجفاف.
العلم قبل وقوع الأزمة
وتأتي هذه النتائج في وقت يتزايد فيه الاهتمام الدولي بالبحث العلمي المتعلق بإدارة موارد المياه العابرة للحدود في أفريقيا.
وفي مقال حديث نشرته دورية Nature Sustainability في يوليو 2026، دعا باحثون إلى تعزيز حضور الأبحاث الأفريقية في النقاشات المتعلقة بالمياه العابرة للحدود، مؤكدين أهمية الاستفادة من البحث العلمي الإقليمي في معالجة قضايا المياه والنزاعات المرتبطة بها.
ومن ثم، فإن التحذير من مخاطر السدود الجديدة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره محاولة لإثارة الذعر أو الدخول في سجال سياسي، وإنما باعتباره دعوة إلى التعامل مع الملف من منظور علمي استباقي.
فإذا كانت النماذج العلمية قادرة على محاكاة أسوأ السيناريوهات المحتملة خلال سنوات الجفاف، فإن القيمة الحقيقية لهذه الدراسات تتمثل في استخدامها قبل وقوع الأزمة، وليس بعد أن يتحول العجز المائي إلى خسائر زراعية واقتصادية يصعب احتواؤها.
وبعبارة أكثر وضوحًا: إذا أصبحت السدود الجديدة حقيقة، فإن الكارثة المحتملة لن تكون في بنائها وحده، وإنما في استمرار إدارة ملف المياه من دون الاستناد الكافي إلى العلم والنمذجة والتنسيق الإقليمي.





