سباق وضع معايير إزالة الكربون.. الشفافية ضرورة لإنقاذ أسواق الكربون العالمية
بين الابتكار والتشتت.. معايير إزالة الكربون تبحث عن طريق موحد نحو الحياد المناخي

يمثل التخفيف من تغيّر المناخ تحديًا مركّبًا ومتعدد الأبعاد، يتطلب إعادة بناء شاملة للاقتصادات الوطنية ونظام الطاقة العالمي. ورغم التسارع الكبير نحو التحول إلى الطاقة النظيفة، فإن بعض الأنشطة المعتمدة على الكربون ستستمر لفترة، ما يجعل التعامل مع الانبعاثات المتبقية – التي لا يمكن القضاء عليها كليًا في العقود المقبلة – قضية سياسية وعلمية واقتصادية بالغة الحساسية.
تتبنّى اتفاقية باريس للمناخ مفهوم “صفر انبعاثات صافية”، الذي يدعو إلى تحقيق توازن بين ما يصدر من غازات الدفيئة وما يُزال منها عبر المصارف الطبيعية أو الاصطناعية خلال النصف الثاني من هذا القرن. ويستلزم هذا الهدف، إلى جانب خفض الانبعاثات، توسيع نطاق تقنيات إزالة ثاني أكسيد الكربون (CDR) بشكل غير مسبوق.

فجوة ضخمة في قدرات إزالة الكربون
تشير تقارير حالة إزالة ثاني أكسيد الكربون – النسخة الثانية (SoCDR2) إلى أن العالم يحتاج إلى رفع قدرات إزالة الكربون من نحو 2 مليار طن حاليًا إلى 7–9 مليارات طن سنويًا خلال ربع قرن، لتحقيق أهداف اتفاق باريس.
ويُعد هذا تحديًا هائلًا، رغم أنه أصغر من المهمة الكبرى المتمثلة في خفض الانبعاثات نفسها بنحو 30–40 مليار طن.
ورغم أن الحلول الطبيعية مثل التشجير، وإعادة تأهيل الأراضي الرطبة، وتعزيز الكربون العضوي في التربة، تظل أدوات مهمة، إلا أنها تواجه قيودًا في توافر الأراضي وتعرضًا دائمًا للمخاطر البيئية كحرائق الغابات والآفات.
لذا، تبرز الحاجة إلى الأساليب الهندسية لإزالة الكربون، مثل احتجاز الكربون وتخزينه، أو التقاطه مباشرة من الهواء. ورغم أن هذه التقنيات لا تزال في بداياتها ولا تتجاوز قدرتها اليوم 0.0013 مليار طن سنويًا، فإن النماذج المناخية تشير إلى أنها قد تشكل ما بين 30% إلى 50% من جهود إزالة الكربون بحلول منتصف القرن.

القطاع الخاص يدخل السباق
يشهد القطاع الخاص والعالم الأكاديمي طفرة في الاستثمار في تقنيات إزالة الكربون المبتكرة، من مشاريع التشجير والمحافظة على الطبيعة إلى أفكار أكثر تقدمًا مثل دفن الكتلة الحيوية، وتعديل قلوية المحيطات، والتجوية المحسّنة للتربة.
ويواكب هذا التوسع ضخ تمويلات كبيرة من شركات كبرى مثل مايكروسوفت وجوجل وجي بي مورجان، التي تسعى إلى “تحييد” انبعاثاتها المستقبلية عبر شراء اعتمادات إزالة الكربون.

تعدد المعايير يخلق فوضى في السوق
رغم الحماس العالمي، تواجه سوق إزالة الكربون تشتتًا كبيرًا في المعايير والمنهجيات. فهناك أكثر من 50 معيارًا للحلول الطبيعية، وقرابة 30 معيارًا جديدًا للتقنيات الهندسية ظهرت فقط في الأعوام الخمسة الماضية.
وتختلف هذه المعايير من دولة إلى أخرى، ومن جهة إصدار إلى أخرى، ما يصعّب تحقيق الاتساق والمقارنة بين الاعتمادات الكربونية.
تحاول آلية اتفاق باريس للمقاصة (PACM) إيجاد إطار موحد لتقييم واعتماد مشروعات إزالة الكربون، لكنها تواجه خلافات حادة بشأن قضايا مثل مدة المتابعة وضمان الديمومة، خاصة بالنسبة للحلول القائمة على الأراضي.
هذا التعقيد يدفع بعض المستثمرين إلى اللجوء إلى برامج وطنية مثل نظام أرصدة الكربون الكندي أو إطار الزراعة الكربونية الأوروبي، أو حتى إلى الأسواق الطوعية التي تعمل خارج مظلة الاتفاقية.
الحاجة إلى شفافية ومصداقية
مع ازدياد عدد المبادرات والمعايير، تزداد الحاجة إلى الشفافية والتتبع، وهو ما تسعى إليه أداة TRACEcdr التي طورتها معهد غرانثام للأبحاث بالتعاون مع AlliedOffsets.
تعمل الأداة على تتبع المعايير والمشروعات المختلفة، وتقديم خريطة تفاعلية توضح منهجيات القياس والإبلاغ وعدد الاعتمادات الصادرة وفق كل معيار.
ويرى الخبراء أن الشفافية وبناء الثقة هما الأساس لنجاح السوق، إذ لا يمكن لأي آلية لإزالة الكربون أن تُسهم فعليًا في أهداف اتفاق باريس ما لم تثبت أنها فعّالة وقابلة للتكرار وقادرة على تخزين الكربون بصورة دائمة وآمنة.
كما يجب التأكد من أن هذه الجهود لا تؤدي إلى إضرار بيئي أو هدر للموارد، لأن الاستثمار في حلول منقوصة أو غير موثوقة قد يكون أكثر ضررًا من عدم القيام بشيء.
نحو نظام موحّد لإزالة الكربون
إن بناء نظام موثوق للقياس والإبلاغ والتحقق (MRV) في مجال إزالة الكربون بات ضرورة ملحة، ليس فقط لتقييم التقنيات الجديدة، بل أيضًا لتوجيه التمويل نحو الحلول الفعالة والمستدامة.
ومع التطور السريع للأسواق، تسعى مبادرات مثل TRACEcdr إلى مواكبة المشهد، وتحديث بياناتها باستمرار، لتكون مرجعًا للباحثين وصناع القرار والمستثمرين الراغبين في رسم ملامح اقتصاد الكربون النظيف.





