دول العالم تكشف أهدافًا مناخية جديدة قبيل قمة المناخ.. هل تكفي لإنقاذ الكوكب؟
سباق اللحظات الأخيرة.. التزامات مناخية جديدة قبل انعقاد قمة COP30 في البرازيل
مع اقتراب موعد مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (COP30) في مدينة بيلم البرازيلية بعد أقل من شهرين، تتسابق الدول لتقديم مساهماتها المناخية المحددة وطنيًا لعام 2035، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من العلماء بأن العالم يبتعد عن مسار تحقيق هدف الحد من الاحترار العالمي إلى 1.5 درجة مئوية.
كارثة تلوح في الأفق
قال مسؤول رفيع بالأمم المتحدة في مؤتمر صحفي بنيويورك إن «الرهانات لا يمكن أن تكون أعلى»، محذرًا من أن الكوارث المناخية باتت «تُحدث دمارًا في كل القارات».
وأشار إلى أن الصيف الماضي وحده شهد فيضانات عارمة، وجفافًا ممتدًا، وموجات حر استثنائية، ما يعكس تسارع آثار التغير المناخي على المجتمعات في كل مكان.

ويؤكد العلماء أن النشاط البشري، ولا سيما حرق الوقود الأحفوري وإزالة الغابات، هو السبب الرئيس وراء هذا الاحترار، وأن ارتفاع درجات الحرارة سيؤدي إلى آثار أسوأ على المدى الطويل، تشمل المزيد من الظواهر الجوية المتطرفة، وتراجع الأمن الغذائي والمائي، وزيادة المخاطر الصحية.
اتفاق باريس تحت الاختبار
بموجب اتفاق باريس لعام 2015، التزمت 195 دولة بالحد من ارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض إلى أقل بكثير من درجتين مئويتين، مع بذل الجهود لوقفه عند 1.5 درجة، وذلك من خلال تقديم وتحديث مساهماتها الوطنية المحددة كل خمس سنوات.
وكان الموعد النهائي لتقديم التزامات 2035 في فبراير الماضي، لكن قلة من الدول التزمت به حتى الآن.
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تُقدِّم سوى 50 دولة خططها المناخية الجديدة، ما يمثل نحو 24% فقط من الانبعاثات العالمية.
أما كبار الملوثين مثل الصين والاتحاد الأوروبي والهند فما زالوا متأخرين، فيما تعرضت دول قدمت أهدافها، مثل أستراليا واليابان، لانتقادات بسبب محدودية الطموح وعدم القيام بنصيبها العادل.
الاتحاد الأوروبي: التحديات الداخلية تعرقل الطموح
يعاني الاتحاد الأوروبي من صعوبة في التوصل إلى موقف موحد بسبب الحرب على حدوده والأزمات الاقتصادية في بعض الدول الأعضاء، إلى جانب صعود التيارات السياسية اليمينية.
قبيل القمة، أعلنت بروكسل أنها لن تقدم مساهمتها المحددة قبل نهاية سبتمبر كما طلبت الرئاسة البرازيلية للقمة، واكتفت ببيان نوايا يشير إلى خفض الانبعاثات بين 66.25% و72.5% مقارنة بعام 1990 بحلول 2035.
ويرى خبراء أن هذا النطاق الواسع يبعث برسائل مربكة للمستثمرين ويقوض الثقة في الوظائف وأمن الطاقة والتنافسية.
ويشيرون إلى أن اختيار الحد الأدنى سيجعل تحقيق هدف خفض الانبعاثات بنسبة 90% بحلول 2040 بالغ الصعوبة، ما يضعف المصداقية السياسية للاتحاد في المدى الطويل.

الصين: أكبر ملوث وأكبر مستثمر في الطاقة النظيفة
تنتج الصين نحو ثلث الانبعاثات العالمية، وتواجه ضغوطًا متزايدة لتقديم هدف أكثر طموحًا.
ويقول خبراء إن الموقف الأوروبي والأمريكي قد يؤثر في مستوى الطموح الصيني، ومع ذلك، ترجح التقديرات أن الصين بلغت بالفعل ذروة انبعاثاتها أو أوشكت على ذلك، وأن المسار المقبل سيكون نزوليًا.
وتظل الصين أكبر مستثمر في الطاقة النظيفة في العالم، إذ بلغت استثماراتها 625 مليار دولار في عام 2024 وحده، بحسب مركز “إمبر” العالمي للطاقة.
ويؤكد محللون أن بكين عندما تحدد هدفًا فإنها غالبًا تفي به حتى لو كان أقل طموحًا من المتوقع، ما يمنح مستوى معينًا من الثقة في التنفيذ.

البرازيل: بين الاستضافة والطموح المتذبذب
بوصفها الدولة المستضيفة لقمة COP30، تتعرض البرازيل لتدقيق مكثف على أهدافها المناخية.
فقد أعلنت خفض انبعاثاتها بنسبة تتراوح بين 59% و67% عن مستويات 2005 بحلول 2035، وهو نطاق واسع اعتبره الخبراء مثيرًا للالتباس ويضعف المساءلة.
كما تواجه الحكومة انتقادات بسبب خططها لتوسيع استكشاف النفط، خاصة عند مصب نهر الأمازون.
مع ذلك، أصدرت البرازيل مؤخرًا إستراتيجية وطنية أكثر تفصيلًا لخفض الانبعاثات في القطاعات الرئيسة مثل الزراعة وإزالة الغابات، والتي تمثل ثلاثة أرباع الانبعاثات الوطنية، وهو ما قد يضفي مزيدًا من الوضوح على خططها.

المملكة المتحدة: ريادة مشروطة
بوصفها مهد الثورة الصناعية وأحد أكبر المساهمين تاريخيًا في الانبعاثات، تواجه بريطانيا مسؤولية خاصة لتسريع خفض الانبعاثات.
وقدمت لندن بالفعل مساهمتها المحددة في موعدها، وتعهدت بخفض انبعاثاتها بنسبة 81% عن مستويات 1990 بحلول 2035، وهو هدف يتماشى مع مسار 1.5 درجة مئوية ويعكس زيادة في الطموح مقارنة بأهداف 2030.
لكن الخبراء يحذرون من أن الفجوة لا تزال قائمة بين الوعود والسياسات الفعلية، وأن المملكة المتحدة تتحمل أيضًا مسؤولية تقديم التمويل المناخي للدول النامية لدعم جهودها في خفض الانبعاثات، كي تتمكن من الادعاء بأنها تساهم بشكل عادل في مواجهة الأزمة المناخية.
إندونيسيا: اختبار حقيقي لدول الجنوب
بوصفها من كبار الملوثين في الجنوب العالمي، تنتج إندونيسيا أكثر من 3% من الانبعاثات العالمية نتيجة اعتمادها على الوقود الأحفوري والتوسع في إزالة الغابات.
لكن الرئيس برابوو سوبيانتو أعلن خططًا للتخلص التدريجي من محطات الفحم والوقود الأحفوري خلال 15 عامًا، وتحقيق صافي صفر انبعاثات بحلول 2050، أي قبل عشر سنوات من الخطة السابقة.
وتترقب الأوساط البيئية إعلان جاكرتا عن أهدافها الجديدة رسميًا.
الولايات المتحدة: انعكاس السياسة الداخلية
كان الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن قد تعهد بخفض الانبعاثات بين 61% و66% بحلول 2035 مقارنة بعام 2005، لكن إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب انسحبت من اتفاق باريس، ما ألغى عمليًا هذا الالتزام.
ومع ذلك، تشير تقارير حديثة إلى أن الولايات المتحدة قد تحقق خفضًا فعليًا يتراوح بين 26% و35% بحلول 2035 رغم الانعطافة السياسية الحادة.
فجوة الانبعاثات مستمرة
ترى المحللة صوفيا جونزاليس-زونيجا، أن اتفاق باريس ساهم في خفض التوقعات الخاصة بارتفاع درجات الحرارة بحلول نهاية القرن، لكنه لم يصل قط إلى تحقيق هدف 1.5 درجة مئوية.
وتؤكد أن فجوة الانبعاثات لا تزال قائمة، ما يستلزم رفع الطموح وتسريع التنفيذ عالميًا.





