زيت الأركان بين الجمال والدمار.. خطر بيئي وغابات تختفي وتقاليد تتلاشى.. يدفع ثمن شهرته
نساء المغرب في مواجهة الجفاف والجشع العالمي من أجل "الذهب السائل".. من يدفع ثمن ازدهار سوق زيت الأركان؟
زيت الأركان ينساب بين الأصابع كالسائل الذهبي: مرطب، غني، ومُجدد. يُعد معجزة تجميلية عالمية، لكنه في المغرب أكثر من ذلك؛ هو شريان حياة للنساء الريفيات، ومنتَج ثانوي لغابة تنهار تحت وطأة الطلب المتزايد.
تصنعه النساء عبر طحن النوى في مطاحن حجرية، حيث يُدرّ الكيلوجرام، وهو ثمرة يومين من العمل، نحو 2.60 يورو فقط، أي بالكاد ما يوفّر لهن موطئ قدم في اقتصاد شحيح الفرص. ومع ذلك، فهو يربطهن بجذورهن.
تقول فاطمة منير، عاملة في تعاونية: “وُلدنا ونشأنا هنا. هذه التقاليد نابعة من الطبيعة، تعلّمناها من آبائنا وأجدادنا، وهي إرثنا”.
كان زيت الأركان يومًا عنصرًا أساسيًا في الأسواق المحلية، أما اليوم فهو موجود في أفخم منتجات العناية بالبشرة والشعر على رفوف المتاجر حول العالم. لكن هذه الشعبية تهدد غابات الأركان، إذ إن الجفاف والاستغلال المفرط ينهكان أشجارًا لطالما صمدت في أقسى البيئات.

تؤكد حفيدة الحنتتي، مالكة لإحدى التعاونيات قرب مدينة الصويرة: “علينا رعاية هذه الشجرة وحمايتها، لأنها إذا فُقدت، سنفقد كل ما يُعرّفنا وكل ما نملكه الآن”.
غابة تُنذر بالفناء
لقرون، دعمت أشجار الأركان الحياة في التلال القاحلة بين المحيط الأطلسي وجبال الأطلس، غذّت الإنسان والحيوان، وثبّتت التربة، ومنعت التصحر.
تتحمل هذه الأشجار الحرارة الشديدة والجفاف، بجذور تمتد لأعماق تصل إلى 35 مترًا. وتلعب الماعز دورًا طبيعيًا في نشر بذورها.

لكن اليوم، الأشجار تُثمر أقل، وأغصانها ملتوية عطشًا، حلت زراعات تصديرية كالحمضيات والطماطم محل الغابات.
وقد تلاشت أنظمة الإدارة الجماعية، وازدادت حالات السرقة.
فقدت الغابة 40% من مساحتها منذ بداية القرن، والعلماء يحذرون من كارثة بيئية.

مشاكل متراكبة وحلول محدودة
تغيّر المناخ يربك المواسم، وتتفتح الزهور مبكرًا. الماعز تلتهم الشتلات، والجِمال التي يربّيها الأثرياء تقطع فروع الأشجار.
في ظل هذه التحديات، تحاول التعاونيات الصمود. يُباع لتر الزيت اليوم بـ600 درهم مغربي (57 يورو)، بينما كان يُباع قبل 30 عامًا بـ25 درهمًا فقط (2.38 يورو).
رغم ارتفاع الأسعار، فإن العاملات لا يجنين ما يكفي، في ظل سطوة الوسطاء وهيمنة الشركات الكبرى.
تقول جميلة إد بورروس، رئيسة اتحاد تعاونيات نساء الأركان: “من يبيع المنتج النهائي هو من يربح”.
وتضيف خديجة ساي، شريكة في تعاونية: “لا تنافسوا الفقراء على الشيء الوحيد الذي يعتاشون منه”.
شركة واحدة، “أولفيا”، تُسيطر على 70% من سوق التصدير، ما يُصعّب على التعاونيات الصغيرة مجاراة الطلب العالمي.
الحكومة حاولت دعم الزراعة بين الأشجار (intercropping) وبناء مراكز تخزين، لكن النتائج لم تكن على مستوى التوقعات.

ومع ذلك، ما زالت النساء يذهبن إلى الغابات في موسم الحصاد، يجمعن الثمار المتساقطة. لكن الغابة لم تعد كما كانت.
تقول الحنتتي: “عندما كنت صغيرة، كنا نذهب للغابة فجرًا ونقضي اليوم هناك. كانت الأشجار خضراء طوال العام… أنا آخر جيل عاش التقاليد. كل شيء يندثر”.





