رقعة النفايات الكبرى… عندما يصنع البشر شواطئ اصطناعية وسط المحيط الهادئ
كيف أصبحت البلاستيكيات العائمة «جزرًا جديدة» تعيش عليها أنواع ساحلية في قلب
عندما نتخيل مياه المحيط الهادئ المفتوحة، يتبادر إلى الذهن امتداد لا نهائي من اللون الأزرق ولا شيء غيره.
غير أن الباحثين البحريين يرون اليوم مشهدًا مغايرًا تمامًا: مناطق مثل رقعة نفايات المحيط الهادئ الكبرى، حيث شكّلت النفايات البلاستيكية ما يشبه “ساحلًا اصطناعيًا” بعيدًا عن أي يابسة.
في منطقة الدوامة تحت المدارية في شمال المحيط الهادئ، وهي نظام ضخم من التيارات الدوارة بين كاليفورنيا وهاواي، تميل الأجسام العائمة إلى البقاء محصورة بدلًا من الانجراف بعيدًا.
وهناك توجد ما يُعرف عالميًا بـ“رقعة نفايات المحيط الهادئ الكبرى”، وهي منطقة تحتوي الآن على عشرات الآلاف من الأطنان من قطع البلاستيك التي تستطيع البقاء عائمة لسنوات طويلة.

الأفكار القديمة عن الحياة في أعالي البحار
لطالما تعامل علماء الأحياء البحرية مع المياه الساحلية والمحيط المفتوح باعتبارهما بيئتين منفصلتين تمامًا.
فالكائنات الساحلية كانت تُعرف بأنها تعيش على الصخور والأرصفة والشواطئ، بينما تنفرد الكائنات البحرية البعيدة بالحياة في أعالي البحار.
وحتى لو حملت العواصف بعض الكائنات الساحلية بعيدًا عن الشاطئ فوق جذع خشبي أو طحالب عائمة، فكان الاعتقاد السائد أنها سرعان ما تموت نظرًا لقسوة البيئة في المحيط المفتوح.
تغيّر هذا التصور جذريًا بعد كارثة تسونامي اليابان عام 2011؛ إذ دفعت الأمواج الهائلة أرصفة وقوارب وكميات ضخمة من البلاستيك إلى المحيط.
وعلى مدى سنوات، وجدت قطع من هذا الحطام طريقها إلى شواطئ أمريكا الشمالية وهاواي، ليكتشف العلماء أن كثيرًا من الكائنات الساحلية اليابانية بقيت حيّة فوق تلك القطع لمدة وصلت إلى ست سنوات كاملة.
أثار ذلك سؤالًا مهمًا: هل كانت تلك الكائنات الساحلية مجرد عابرة للمحيط، أم أنها بدأت تُكوّن مجتمعات مستقرة في أعالي البحار؟

دراسة رقعة نفايات المحيط الهادئ
للإجابة عن هذا السؤال، شارك العلماء في رحلات بحثية إلى الجانب الشرقي من الدوامة. ومن فوق سطح السفينة، راقب الفريق المياه وجمع قطع البلاستيك التي يزيد طولها عن 15 سم.
وبالمحصلة، جمعوا 105 قطع من البلاستيك، من بينها زجاجات وعوامات وصناديق وشباك وحبال ودِلاء، إضافة إلى قطع “محمّلة بالكائنات” بشكل كثيف.
وقد نُشرت تفاصيل الدراسة في دورية Nature Ecology and Evolution.
تم تصوير كل قطعة وتوثيق موقعها بدقة قبل نقلها إلى المختبر، وهناك، فحص الخبراء كل قطعة ورصدوا الكائنات اللافقارية التي تعيش عليها، مثل البرنقيل والسرطانات والبرغوثيات البحرية والهيدرويدات وشقائق النعمان البحرية.
في النهاية، تعرّف العلماء إلى 46 نوعًا من اللافقاريات تنتمي إلى ست مجموعات حيوانية، كان من بينها 37 نوعًا ساحليًا و9 أنواع بحرية مفتوحة، ما يعني أن نحو 80% من التنوع المسجّل جاء من كائنات ساحلية.

الحياة في رقعة النفايات
اتضح للعلماء أن نحو 98% من القطع التي جُمعت كانت تحمل كائنات حيّة.
ظهرت الأنواع البحرية المفتوحة في أكثر من 94% من القطع، بينما ظهرت الأنواع الساحلية في أكثر من 70% منها.
وكثير من القطع احتضنت النوعين معًا، مكوّنة “جزرًا عائمة” تعيش عليها كائنات من بيئات مختلفة.
كانت كل قطعة بلاستيكية تحمل في المتوسط بين أربعة وخمسة أنواع، وكانت الأنواع الساحلية أكثر شيوعًا قليلًا.
كما تبيّن أن الشباك والحبال كانت الأنسب لاحتضان مجتمعات كثيفة، على الأرجح بسبب بنيتها المتشابكة التي توفر أماكن للالتصاق والاختباء.
دورات حياة كاملة فوق البلاستيك
كان أحد أهم الأسئلة هو ما إذا كانت الكائنات الساحلية تكتفي بالبقاء حيّة فوق البلاستيك، أم أنها تكمل دورة حياتها بالكامل.
وعندما بحث العلماء عن دلائل على التكاثر والنمو، وجدوا إناثًا حاملة للبيض في مجموعات مختلفة، كما رصدوا بُنى تكاثرية لدى الهيدرويدات، ولاحظوا وجود أفراد صغيرة ومتوسطة وبالغة من النوع نفسه في المكان ذاته، مما يشير إلى تجدد أجيال كاملة فوق القطع العائمة.
لماذا تنجح بعض الأنواع؟
درس الباحثون خصائص الأنواع التي نجحت في العيش على البلاستيك، فوجدوا أن كثيرًا من الأنواع الساحلية تمتلك القدرة على التكاثر اللاجنسي، كما أن يرقاتها لا تحتاج إلى فترة طويلة من الحياة الحرة في الماء، مما يسهّل بقاءها فوق السطح العائم.

الدروس المستفادة
تشير النتائج إلى ظهور مجتمع بحري جديد في أعالي المحيط، أطلق عليه العلماء اسم “المجتمع النيوبلاجي” (Neopelagic Community) وهو مزيج من الأنواع الساحلية والأنواع البحرية المفتوحة، أصبح ممكنًا بسبب وجود البلاستيك كمنصات عائمة طويلة الأمد.
إن التلوث البلاستيكي لم يعد مجرد مشكلة نفايات؛ بل أصبح عاملًا يعيد تشكيل البيئات البحرية، ويوسّع نطاق انتشار الأنواع الساحلية، ويخلق تفاعلات لم تكن موجودة سابقًا.





