وجهات نظر

د.رفعت جبر: من الشرق الأوسط إلى الفناء الخلفي اللاتيني .. الاستراتيجية الأمريكية الجديدة

أستاذ ورئيس قسم التقنية الحيوية- كلية العلوم- جامعة القاهرة

واشنطن تحول استراتيجيتها من الشرق الأوسط إلى أمريكا اللاتينية، والدول العربية أمام فرصة ذهبية للتأثير والسيادة الاقتصادية.

يدخل العالم عام 2026 وهو يشهد انقلابًا في المفاهيم الاستراتيجية التي سادت منذ الحرب العالمية الثانية. لم يعد “الشرق الأوسط” المحرك الوحيد للسياسة الخارجية الأمريكية، بل أصبحت “الأمن القومي المباشر” و”السيادة على الموارد القريبة” هما العقيدة الجديدة لواشنطن.

هذا التحول ليس مجرد انسحاب عسكري، بل هو إعادة تموضع شاملة تنهي حقبة “الاستثمار في النزاعات الطائفية” لتبدأ حقبة “تأمين الحديقة الخلفية” في أمريكا اللاتينية، من فنزويلا إلى هندوراس، وذلك عبر ثلاثة محاور:

أولًا: تشريح التحول الاستراتيجي الأمريكي

إيقاف الاستثمار في النزاعات الطائفية (نهاية الهيمنة المكلفة)

أدركت واشنطن أن استنزاف مواردها في صراعات الهوية والحدود في الشرق الأوسط لم يعد يحقق مكاسب جيوسياسية تتناسب مع التكلفة. التوجه الجديد يعتمد على:

الموازنة من الخارج: ترك القوى الإقليمية تدير أزماتها، مع الاكتفاء بدور “المراقب المسلح” تقنيًا.

تفكيك شبكات النفوذ: واشنطن لم تعد مهتمة بدعم طرف ضد آخر طائفيًا، بل تبحث عن “استقرار الحد الأدنى” الذي يضمن تدفق الطاقة بأسعار معقولة دون الحاجة لوجود عسكري ضخم.

السيطرة على أمريكا اللاتينية (مبدأ مونرو الجديد)

التحرك نحو فنزويلا وهندوراس ليس صدفة؛ إنه محاولة لقطع الطريق على التنين الصيني والدب الروسي الذين تغلغلوا اقتصاديًا وعسكريًا في القارة الجنوبية.

فنزويلا: الهدف هو السيطرة على أكبر احتياطي نفط في العالم لضمان استقلال طاقي كامل بعيدًا عن تقلبات الخليج العربي.

هندوراس والدول العازلة: تأمين سلاسل التوريد ومنع تدفق المهاجرين عبر السيطرة السياسية والاقتصادية المباشرة.

ثانيًا: ردود أفعال القوى العظمى (المقاومة على الأرض)

الولايات المتحدة ليست وحدها في الميدان؛ القوى الصاعدة لن تسلم أمريكا اللاتينية أو الشرق الأوسط بسهولة:

الصين (المقاومة الناعمة والذكية): أصدرت بكين في ديسمبر 2025 “الورقة البيضاء حول أمريكا اللاتينية”، تحديًا مباشرًا لمبدأ مونرو، مستخدمة الديون والاستثمارات والتكنولوجيا كبدائل للنفوذ العسكري.

روسيا (المشاغبة الاستراتيجية): تعزز تواجدها العسكري والاستخباراتي في دول “الممانعة اللاتينية” لإشغال واشنطن داخل حدودها، مع احتمال تحالفات سرية لإنشاء “بؤر توتر”.

الهند وكوريا الشمالية: الهند تبحث عن فرص اقتصادية بعيدًا عن الاستقطاب، وكوريا الشمالية قد تزود خصوم أمريكا بالأسلحة والتقنيات الصاروخية لزيادة الضغط على البيت الأبيض.

ثالثًا: ورقة السياسات العربية (كيف نستغل التنافس العالمي؟)

بينما تنشغل واشنطن في صراعها مع بكين وموسكو في أمريكا اللاتينية، تفتح نافذة للدول العربية للتحول من “أدوات” في الصراع إلى “لاعبين” مستقلين:

استراتيجية “الاستثمار العكسي” في أمريكا اللاتينية: دخول الصناديق السيادية العربية بقوة في مشاريع البنية التحتية والطاقة لضمان دور الوسيط الموثوق بين واشنطن والشركاء اللاتينيين.

تنويع التحالفات: “الأمن مقابل التكنولوجيا”: عقد شراكات أمنية مع الصين في الأمن السيبراني والدرونات، وتعميق التعاون مع الهند لبناء كتلة “الجنوب العالمي”.

بناء نظام أمني إقليمي مستقل: استغلال انشغال واشنطن لإنهاء الخلافات العربية الإقليمية عبر اتفاقات أمنية مبنية على المصالح الاقتصادية.

التحول إلى “مركز لوجستي عالمي”: استغلال الموقع الجغرافي للربط بين الاستثمارات الصينية المتجهة لأفريقيا وأوروبا، وبين الموارد اللاتينية، لجعل المنطقة العربية منصة استراتيجية لا يمكن تجاوزها.

الخاتمة

خروج الولايات المتحدة من تفاصيل النزاعات الشرق أوسطية ليس “تخليًا” بقدر ما هو “فرصة”. الدول العربية التي ستنجح في عام 2025 هي التي ستدرك أن القوة لم تعد في التحالف مع قطب واحد، بل في التوقف عن أن تكون وقودًا للحروب بالوكالة، والقدرة على النهوض وسط صراع الأقطاب، وتحويل التنافس “الأمريكي-الصيني” في أمريكا اللاتينية إلى محرك للنهضة الاقتصادية العربية.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. هذا ما يظهر فى العلن ولكن الحقيقة هو تغير مراكز قوى العالم وكلهم خاسر وظهور قهوة عالمية جدية لن تتوقع هذا ولكن هم يعروفنها

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading