رحلات بحرية مذهلة.. كيف توحد الحيوانات المحيطية القارات والدول
من الحيتان إلى السلاحف: الكائنات البحرية تكشف عن شبكة بيئية عالمية معقدة
-
تكنولوجيا التتبع تُحدث ثورة في فهمنا لهجرة الكائنات البحرية
كيف تربط الحيوانات البحرية الدول والقارات؟
غالبًا ما تقطع الحيوانات البحرية مسافات تتجاوز ألف ميل عبر مياه المحيطات المفتوحة، مما يُثير دهشة العديد من العلماء الذين يدرسون سلوكها وتجوالها. وتُشكّل هذه الرحلات البحرية الطويلة روابط غير متوقعة بين الدول والقارات.
في هذا السياق، قدّم علماء من جامعتي كوينزلاند وديوك قاعدة بيانات تفاعلية جديدة تُعرف باسم MiCO، لرسم خريطة دقيقة لتحركات هذه الكائنات.
وقد نُشرت الدراسة في مجلة Nature Communications، وقادتها الدكتورة ليلي بنتلي من مركز التنوع البيولوجي وعلوم الحفظ بجامعة كوينزلاند. وكان الهدف الأساسي من المشروع هو توضيح كيفية استخدام هذه الكائنات البحرية لبحارنا المشتركة، وإتاحة هذه المعلومات لصانعي السياسات والجمهور العام على حد سواء.
الروابط الخفية للكائنات البحرية
يجمع نظام MiCO بيانات عن 109 أنواع من الحيوانات، من بينها الحيتان والسلاحف البحرية وبعض أنواع الأسماك. ويُظهر كل إدخال في قاعدة البيانات أنماطًا تُبرز كيف ترتبط المياه الإقليمية لدولة ما بمناطق تقع خارج حدودها.
وقالت الدكتورة بنتلي: “يغطي مشروع MiCO 109 نوعًا، بما في ذلك الطيور والثدييات والسلاحف والأسماك، ويعتمد على آلاف السجلات المستمدة من أكثر من 1300 مصدر لرسم خريطة شاملة لتحركات الحيوانات البحرية حول العالم”.

تتبع الهجرة البحرية
تمر العديد من الحيوانات المهاجرة عبر حدود الدول، وهو ما يجعل أي خلل في دولة ما يؤثر على الجهود المبذولة في دولة أخرى. وتُعزز مفاوضات معاهدة أعالي البحار – التي تتناول المناطق البحرية خارج الحدود الوطنية – من الحاجة المُلِحّة للتعاون الدولي في مجال الإدارة البيئية.
وتُسلط نماذج MiCO الضوء على مفهوم “الترابط البيئي”، الذي يُشير إلى كيفية ترابط أجزاء مختلفة من المحيطات من خلال حركة الكائنات الحية. وهذا يعني أنه لا يمكن لأي دولة منفردة حماية الأنواع المهاجرة بشكل فعال دون تعاون مع الدول الأخرى.

الحركات العالمية للكائنات المحيطية
ساهم باحثون من مختلف أنحاء العالم في جمع نتائج تتبع الحيوانات الموسومة، والتي مكّنت العلماء من تحديد مواقع التغذية والتكاثر المهمة، إلى جانب المناطق التي تتداخل فيها أنواع متعددة.
ويمكن للمستخدمين عبر الخرائط التفاعلية استكشاف كيف يمكن لسمكة قرش تسبح قبالة سواحل منطقة ما أن تمر لاحقًا بالقرب من مناطق صيد تديرها دولة أخرى. وتُعد هذه المعلومات محورية بالنسبة للمنظمات الإقليمية المعنية بإدارة مصائد الأسماك، والتي تُنظم اتفاقيات الصيد المستدام بين الدول.
الكشف عن الموائل البحرية الأساسية
تتطلب بعض الأنواع البحرية بيئتين أو ثلاث بيئات متميزة خلال دورة حياتها. فبينما تهاجر بعض الأنواع من المناطق الاستوائية إلى المياه الباردة، يجوب بعضها الآخر أحواض المحيطات الشاسعة قبل أن تعود إلى مواقع التكاثر.
وتُظهر بيانات العلامات المثبتة على هذه الحيوانات أن كائنًا ما قد يقطع آلاف الأميال، ثم يعود في النهاية إلى نفس موقع التعشيش الذي استخدمه في السنوات السابقة.
وقالت الدكتورة بنتلي: “تربط هذه الأداة نحو 2000 موطن بحري حيوي، وتُبرز أهمية التعاون العابر للحدود”. وتُساعد هذه الأداة غير المتخصصين على إدراك كيف تندمج كل منطقة صغيرة ضمن منظومة بيئية عالمية أوسع.

اتفاقيات الحفاظ البيئي العالمية
تعاني العديد من الاتفاقيات الدولية، مثل اتفاقية الأنواع المهاجرة، من نقص حاد في البيانات. ويأمل فريق العمل في مشروع MiCO أن يُسهم النظام الجديد في سد بعض هذه الفجوات من خلال تقديم صورة عالمية دقيقة لحركة الكائنات البحرية.
وقال البروفيسور دانييل دون، مدير المركز: “لقد جرى تصنيف نماذج MiCO المتاحة مجانًا بالفعل كمصدر قيّم في تنفيذ هذه المعاهدة”. ويرى أن هناك إمكانية لدمج هذه البيانات مع الأطر القانونية الناشئة التي تُنظم حركة الملاحة في البحار المفتوحة.
توسيع نطاق البيانات
يركّز مشروع MiCO حاليًا على 109 أنواع، لكن هذا العدد مرشح للزيادة. ولا تزال هناك العديد من الكائنات البحرية المهاجرة التي لم تُتابَع بعد، خاصة تلك التي تعيش في موائل نائية أو يصعب الوصول إليها.
وبالرغم من أن بعض الأنواع، مثل أسماك القرش، لا تزال قيد الدراسة جزئيًا بسبب سلوكياتها في أعماق المحيط وقدرتها على الحركة لمسافات طويلة، إلا أن الباحثين يُرجّحون أن التعاون بين المؤسسات البحثية سيساعد في سد هذه الثغرات المعرفية.

صعوبات تتبع الكائنات البحرية
يُعد العمل مع الكائنات البحرية في بيئة المحيطات الهائجة أمرًا بالغ الصعوبة، كما أن عمليات التتبع تتطلب موارد مالية وتقنية كبيرة. ويُفترض على العلماء الالتزام بإرشادات صارمة لتقييم الأثر المحتمل على الحيوانات الفردية مقابل قيمة البيانات المُكتسبة.
ورغم هذه التحديات، يُؤكد فريق MiCO أن تبادل البيانات يُفيد الجميع. وقد بدأت دول عديدة بالفعل في مشاركة بيانات الموقع من مشاريع التتبع الحديثة لضمان تغطية جميع الممرات الحيوية الممكنة.
حماية هجرات المستقبل
لكل نوع بحري دورة هجرة خاصة به، إلا أن هذه الدورات تتعرض لتهديدات مستمرة، مثل الصيد العرضي، والتلوث، وتدمير الموائل. ومن خلال تحديد المناطق والأوقات التي تمر فيها هذه الكائنات بدقة، يمكن لمنظمات حماية البيئة وضع إجراءات تقلل من احتمالية تعرضها للأذى.
ويدعم مشروع MiCO أدوات التخطيط البيئي، مثل تقييمات الأثر البيئي، من خلال توفير بيانات دقيقة حول الموائل الأساسية للكائنات. حتى مسارات الشحن البحري المزدحمة قد تشكل خطرًا إذا تداخلت مع الممرات المستخدمة من قبل الحيتان أو السلاحف.

جهد عالمي مشترك
شارك في إعداد مشروع MiCO عدد كبير من المتخصصين، من علماء أحياء وعلماء محيطات وهيئات حكومية. ويمكن للدول التي تشترك في سواحل أو تدير مناطق بحرية واسعة الرجوع إلى قاعدة البيانات لمعرفة ما إذا كانت الكائنات التي تزور مياهها تعتمد على موائل تُدار من قِبل دول أخرى.
ويُسهم هذا النوع من المعرفة في اتخاذ قرارات أكثر تنسيقًا، بما يضمن توحيد جهود الحماية البيئية بين الدول المتجاورة. كما يُمكن أن يساعد في تقليل التداخل بين مناطق الصيد ومواطن الأنواع المهددة بالانقراض.
نحو مستقبل أفضل لحماية الحياة البحرية
يأمل مشروع MiCO في أن يكون دافعًا لنقاشات جديدة حول حماية البيئة البحرية وتحديث السياسات ذات الصلة. وتُتيح القدرة على تحديد أنماط الاستخدام الدقيق للأنواع المهاجرة إمكانية تقليل الالتباس لدى صانعي السياسات، كما تُعزز فرص التعاون في إطار معاهدة أعالي البحار.
ويقول الباحثون إن العديد من الأسئلة لا تزال قائمة بشأن تأثيرات التغير المناخي على أنماط الهجرة البحرية، إلا أن توافر بيانات مفتوحة وشاملة سيُعزز من قدرة العالم على الاستجابة لهذه التحديات المستقبلية بفعالية.






