وجهات نظر

رائد الصعوب: أبوطرطور.. 658 مليون دولار تعيد رسم خريطة الفوسفات المصري

مستشار استراتيجي للأسمدة والكيماويات- الأمين العام السابق للاتحاد العربي للأسمدة

المشروع ليس مجرد مصنع لإنتاج حامض الفوسفوريك.. بل خطوة نحو تحويل الفوسفات من خام يُستخرج ويُصدر إلى منصة صناعية متكاملة تنتج كيماويات وأسمدة عالية القيمة

في قلب الصحراء الشرقية، يعود أبوطرطور إلى واجهة المشهد الصناعي المصري، لكن هذه المرة ليس باعتباره مجرد منطقة غنية بالفوسفات، وإنما كجزء من محاولة أوسع لإعادة صياغة الطريقة التي تستفيد بها مصر من أحد أهم مواردها التعدينية.

فالمشروع الجديد لإنتاج حامض الفوسفوريك، باستثمارات معلنة تبلغ نحو 658 مليون دولار، وطاقة إنتاجية في مرحلته الأولى تبلغ 250 ألف طن سنويًا من حامض الفوسفوريك على أساس 100% P₂O₅، والمقرر تنفيذه خلال نحو 30 شهرًا، يبدو للوهلة الأولى مشروعًا كيميائيًا لإنتاج مادة وسيطة تدخل في صناعة الأسمدة.

لكن قراءة التفاصيل الفنية واللوجستية والاقتصادية للمشروع تكشف قصة أكبر بكثير: محاولة لبناء سلسلة قيمة متكاملة حول الفوسفات المصري، تبدأ من المنجم ولا تنتهي عند تصدير الخام.

القصة تبدأ من رقم الإنتاج

هناك تفصيلة فنية مهمة لفهم الحجم الحقيقي للمشروع، فطاقة الـ250 ألف طن المعلنة هي على أساس 100% من خامس أكسيد الفوسفور P₂O₅، بينما تبلغ مواصفة حامض الفوسفوريك التجاري نحو 54% P₂O₅.

وبالتالي، فإن إنتاج 250 ألف طن على أساس 100% P₂O₅ يعادل حسابيًا نحو 463 ألف طن سنويًا من الحامض التجاري بتركيز 54%.

وفي حال تنفيذ مرحلتين بالطاقة نفسها، فإن الإنتاج التجاري الفعلي يقترب من 926 ألف طن سنويًا، وهو ما يفسر الأرقام السابقة التي تحدثت عن إنتاج يقترب من مليون طن سنويًا.

وهنا يتضح أن جزءًا من الاختلاف الظاهري بين أرقام المشروع الحالية والسابقة يعود إلى اختلاف طريقة احتساب الطاقة الإنتاجية، وليس بالضرورة إلى تغيير جذري في حجم المشروع.

ليس «مصنع حامض» تقليديًا

الأهمية الحقيقية للمشروع تظهر بصورة أوضح عند النظر إلى التكنولوجيا المستخدمة.

فالتصميم يعتمد على تقنية Prayon Di-Hydrate Mark IV لإنتاج حامض الفوسفوريك، إلى جانب تقنية Continuous Ion Exchange – CIX للتنقية.

وهذه ليست مجرد تفاصيل هندسية هامشية، لأن جودة الحامض ونسبة الشوائب الموجودة فيه تحددان إلى حد كبير المنتجات التي يمكن تصنيعها لاحقًا.

وتشير المواصفات المنشورة إلى مستويات منخفضة من بعض الشوائب، من بينها الكادميوم، بما يفتح المجال أمام استخدام الحامض في تصنيع منتجات فوسفاتية متعددة، مثل MAP وDAP وحامض الفوسفوريك المنقى وSuper Phosphoric Acid.

وهنا تنتقل أهمية المشروع من إنتاج مادة كيميائية وسيطة إلى إتاحة قاعدة لصناعات فوسفاتية ذات قيمة مضافة أعلى.

بمعنى آخر، القضية ليست كم طنًا من الحامض يمكن إنتاجه، وإنما ماذا تستطيع مصر أن تفعل بهذا الحامض بعد إنتاجه؟

الفوسفات وحده لا يكفي

أي صناعة فوسفاتية ضخمة تحتاج إلى منظومة إمدادات متكاملة، وفي مقدمتها الكبريت.

فالمشروع يقوم على حرق الكبريت لإنتاج حامض الكبريتيك، إلى جانب الاستفادة من الطاقة الناتجة، قبل استخدام الحامض في عملية إنتاج حامض الفوسفوريك.

وهذا يضع اللوجستيات في قلب المعادلة الاقتصادية للمشروع، فالخامات والمواد اللازمة يجب أن تتحرك بكفاءة، بينما يحتاج المنتج النهائي إلى الوصول إلى الأسواق المحلية والعالمية.

وتشير وثائق المشروع إلى ارتباط المنظومة بخط أبوطرطور–قنا–سفاجا، لنقل الكبريت إلى المجمع ونقل حامض الفوسفوريك باتجاه البحر الأحمر، بينما تستهدف خطة التنفيذ تصدير المنتج عبر ميناء سفاجا.

وبالتالي، فإن نجاح المشروع لا يعتمد فقط على كفاءة وحدات الإنتاج، وإنما على كفاءة السلسلة بأكملها:
الفوسفات → الكبريت → التصنيع → النقل → سفاجا → الأسواق العالمية.
وهذه نقطة بالغة الأهمية في اقتصاد المشروع، لأن تكلفة النقل وتوافر المواد الخام وسلاسة الوصول إلى الموانئ يمكن أن تؤثر مباشرة في القدرة التنافسية للمنتج المصري.

658 مليون دولار ليست كل القصة

من التفاصيل التي تستحق الانتباه أيضًا وجود فارق بين قيمة الاستثمار الكلية وقيمة عقد المقاول العام.

ويشارك التحالف الصيني CSCEC–ECEC في قيادة تنفيذ المشروع، بينما تمتلك شركة فوسفات مصر حصة تبلغ 25%.

وتشير إفصاحات شركة أبو قير للأسمدة إلى أن قيمة عقد المقاول العام تبلغ نحو 643 مليون دولار، مقابل نحو 658 مليون دولار كإجمالي تكلفة استثمارية معلنة.

والتمييز بين الرقمين مهم، لأن قيمة العقد لا تعني بالضرورة أنها تمثل التكلفة الاستثمارية الكاملة للمشروع.

لكن الأهم من الأرقام نفسها هو أن المشروع يعكس اتجاهًا نحو توسيع قاعدة التصنيع الفوسفاتي بدل الاكتفاء باستخراج الخام.

أبوطرطور داخل منظومة أكبر

لا يمكن فصل المشروع عن التطورات الأوسع في قطاع الفوسفات المصري، فشركة فوسفات مصر تتحدث عن طاقة إنتاج خام تصل إلى نحو 7 ملايين طن سنويًا، بالتوازي مع مشروعات أخرى تستهدف التوسع في إنتاج الأسمدة الفوسفاتية، من بينها مجمع في العين السخنة بطاقة تصل إلى 600 ألف طن سنويًا.

وهنا تصبح الصورة أكثر وضوحًا.

إذا نجحت مصر في الربط بين استخراج الفوسفات، وإنتاج حامض الفوسفوريك، وتصنيع الأسمدة، وإنتاج مشتقات كيميائية متخصصة، فإنها ستكون أمام نموذج مختلف تمامًا عن تصدير الخام.

فالطن الواحد من الفوسفات يمكن أن يصبح مدخلًا لسلسلة من المنتجات، وكل مرحلة إضافية من المعالجة والتصنيع يمكن أن تضيف قيمة اقتصادية وفرصًا صناعية وتصديرية جديدة.

من تصدير الخام إلى تصنيع القيمة

وهذه هي النقطة الأكثر أهمية في مشروع أبوطرطور، لطالما كان التحدي أمام الدول الغنية بالموارد الطبيعية هو كيفية تجاوز نموذج استخراج الخام وتصديره إلى نموذج التصنيع الذي يحتفظ بجزء أكبر من القيمة داخل الاقتصاد المحلي.

وفي حالة الفوسفات، تبدأ سلسلة القيمة من استخراج الخام، ثم تركيزه ومعالجته، وصولًا إلى حامض الفوسفوريك، ثم الأسمدة الفوسفاتية والمنتجات الكيميائية المتخصصة.

وكلما تقدمت مصر في هذه السلسلة، زادت القيمة المضافة التي يمكن تحقيقها من المورد نفسه.

لذلك فإن نجاح أبوطرطور لن يقاس فقط بعدد الأطنان التي سينتجها المصنع، وإنما بقدرته على أن يصبح حلقة وصل بين التعدين والصناعات الكيميائية والأسمدة والتصدير.

والسؤال الأكبر: ماذا بعد حامض الفوسفوريك؟

هنا تبدأ المرحلة الأصعب، فإذا اقتصرت المنظومة على إنتاج وتصدير حامض الفوسفوريك التجاري، فإن مصر تكون قد قطعت خطوة مهمة، لكنها لن تكون قد وصلت إلى أقصى قيمة ممكنة من موردها.

أما إذا تم استخدام هذا الحامض في إنتاج MAP وDAP وحامض الفوسفوريك المنقى وSuper Phosphoric Acid وغيرها من المنتجات، فإن القيمة المضافة ترتفع بصورة أكبر.

والأبعد من ذلك هو تطوير صناعات تستفيد من المنتجات الثانوية ومكونات خام الفوسفات، بما في ذلك الفوسفوجيبسوم والفلوروسيليسيك، ودراسة إمكانية استرداد بعض العناصر ذات القيمة الاقتصادية من الخامات والمخلفات وفق الجدوى الفنية والاقتصادية والبيئية.

وهنا تتحول أبوطرطور من مشروع منفرد إلى منصة محتملة لبناء منظومة صناعية متكاملة.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد التشغيل

وضع حجر الأساس والاستثمار الكبير يمثلان بداية القصة، وليس نهايتها.

الاختبار الحقيقي سيكون عند بدء التشغيل: هل تستطيع مصر ضمان إمدادات مستقرة من الخامات والمواد المساعدة؟ وهل تتمكن من تشغيل وحدات الإنتاج بكفاءة تنافسية؟ وهل تكون شبكة النقل إلى سفاجا قادرة على خدمة أحجام التصدير المستهدفة؟ وهل تستطيع الصناعات التالية استيعاب الحامض وتحويله إلى منتجات أعلى قيمة؟

والأهم: هل تتحول أبوطرطور إلى مركز تصنيع وتصدير، أم تظل محطة لإنتاج مادة وسيطة يجري تصديرها إلى مصانع خارج مصر؟
الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد القيمة الاقتصادية الحقيقية للمشروع.

ثروة تحت الأرض.. وقيمة فوقها

المعادلة التي يفرضها مشروع أبوطرطور تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في آثارها:

الفوسفات المصري ليس مجرد خام.

إنه مادة أولية يمكن أن تُبنى عليها صناعات متعددة تمتد من حامض الفوسفوريك إلى الأسمدة والكيماويات المتخصصة، وربما إلى تطبيقات أخرى ذات قيمة أعلى مستقبلًا.

ومن هذه الزاوية، فإن 658 مليون دولار ليست مجرد تكلفة لإنشاء مصنع جديد، بل قد تكون نقطة انطلاق لإعادة تشكيل سلسلة الفوسفات المصرية.

فالفارق بين دولة تبيع ما تستخرجه من الأرض ودولة تصنع منتجات من مواردها وتصدر القيمة المضافة لا يكمن في حجم الاحتياطي وحده، وإنما في عدد حلقات التصنيع التي تستطيع بناءها فوق هذا الاحتياطي.

وفي أبوطرطور، يبدو أن المعركة الحقيقية ليست على إنتاج حامض الفوسفوريك فقط، بل على من يملك القيمة الأكبر في نهاية سلسلة الفوسفات.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة