د.فوزي يونس: اليوم العالمي للسكان.. النمو السكاني والعائد الديمغرافي
أستاذ ورئيس وحدة فسيولوجيا الأقلمة بمركز بحوث الصحراء
حيث يحتفل العالم في 11 يوليو من كل عام باليوم العالمي للسكان وذلك تحت شعار “النهوض بالمساواه بين الحنسين لخلق عالم أكثر عدلا ومرونة واستدامة” فمنذ منتصف القرن العشرين تضاعف عدد سكان العالم أكثر من ثلاثة أضعاف وارتفع من حوالي 5.2 مليار في عام 1950إلى مايقر ب من 9.7مليار في عام 2021 تشيرتوقعا ت الأمم المتحدة إلى أن حجم سكان العالم يمكن أن ينمو إلى مايقر ب من 11ملياربحلول نهاية القرن الحادي والعشرين حيث من المتوقع أن تستقر.
يشير معدل النمو الذي يقترب من الصفر في حوالي عام 2100 إلى نهاية العصر الحالي للنمو السكاني السريع والذي بدأ حوالي عام 1800 في بعض المناطق وفي منتصف القرن العشرين على نطاق عالمي.
إن النمو غير المسبوق في عدد سكان العالم الذي حدث منذ عام 1950 هو نتيجة اتجاهين: من ناحية الزيادة التدريجية في متوسط طول عمر الإنسان بسبب التحسينات واسعة النطاق في الصحة العامة والتغذية والنظافة الشخصية والطب ومن ناحية أخرى من جهة استمرار ارتفاع معدلا ت الخصوبة في كثير من البلدان.
تباطأت وتيرة النمو السكاني في العالم بشكل كبير منذ حوال ي عام 1970حيث انخفضت مستويات الخصوبة بدرجات متفاوتة في جميع أنحاء العالم.
يوجد اليوم تباين كبير في مستويات الوفيات والخصوبة ومعدلات النمو السكاني عبر البلدان والمناطق.
تمتد البلدان عبر سلسلة ديموغرافية واسعة من السكان الشباب الذين ينمون بسرعة إلى أولئك الأكبر سنا والذين ينمون ببطء على الإطلاق. وبمرور الوقت ومع نمو المجموعة ً الأخيرة من البلدان أصبح تتشمل عدًدا متزايدا حيث ظلت الخصوبة عند مستويات منخفضة للغاية لعدة عقود وحيث بدأ حجم السكان في الانخفاض.
تتضاعف إجمالي سكان الدول منخفضة الدخل 2050
إن استمرار ارتفاع معدلات الخصوبة التي تدفع النمو السريع للسكان في العديد من البلدان منخفضة الدخل والبلدان ذات الشريحة الدنيا من الدخل نمًو من المتوقع أن يتضاعف إجمالي سكان الدول منخفضة الدخل تقريبا في الحجم بين عامي 2020 – 2050 وفي هذا السياق يضيف النمو السكاني السريع المستدام إلى تحديات تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية ويضخم حجم الاستثمارات والجهود المطلوبة لضمان عدم تخلف أحد عن الركب.
إن النمو السكاني السريع يزيد من صعوبة تحمل البلدان منخفضة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى زيادة الإنفاق العام على أساس نصيب الفرد اللازم للقضاء على الفقر والقضاء على الجوع وسوء التغذية وضمان حصول الجميع على الرعاية الصحية والتعليم والخدمات الأساسية الأخرى.
العائد الديمغرافي
يمثل السكان الشباب فرصة للنمو الاقتصادي المتسارع على أساس نصيب الفرد إذا حققت البلدان التي ينمو فيها السكان بسرعة انخفاضا كبيرًا ومستداما في مستوى الخصوبة مما يؤدي إلى زيادة تركيز السكان في نطاق سن العمل.
ومع ذلك فإن جني أقصى فائدة محتملة من هذا “العائد الديمغرافي” يتطلب أيضا تحسينات كافية في التعليم والصحة والمساواة بين الجنسين وفي الوصول إلى العمالة المنتجة والعمل اللائق.
في ظل هذه الظروف يؤدي انخفاض مستويات الخصوبة وانخفاض أعداد الأطفال والشباب المعالين إلى خلق فرصة سانحة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة.
يمكن أن تساهم هذه التغييرات في تباطؤ وتيرة النمو السكاني في العالم وتخفيف الضغوط البيئية المتزايدة المرتبطة بالنمو الاقتصادي والتي تتضخم بسبب الزيادة السكانية.
ينشأ الضرر البيئي غالًبا من العمليات الاقتصادية التي تؤدي إلى مستويات معيشة أعلى للسكان لاسيما عندما لايتم أخذ التكاليف الاجتماعية والبيئية الكاملة مثل الضرر الناجم عن التلوث في الاعتبار في القرارات الاقتصادية المتعلقة بالإنتاج والاستهلاك.
فيؤدي النمو السكاني إلى تضخيم هذه الضغوط من خلال زيادة الطلب الاقتصادي الإجمالي.
ومع ذلك فإن البلدان التي ساهمت أكثر من غيرها في أنماط الإنتاج والاستهلاك غير المستدامة هي عمو ًما تلك التي يكون فيها دخل الفرد مرتفًعا وينمو السكان ببطء إن كان ذلك على الإطلاق وليست تلك التي يكون فيها دخل الفرد منخفًضا وينمو السكان بسرعة.
سيتطلب تحريك الاقتصاد العالمي نحو استدامة أكبر فصًلا تدريجًيا للنمو السكاني والنشاط الاقتصادي عن زيادة تكثيف استخراج الموارد وتوليد النفايات والأضرار البيئية.
فاللحد من تغير المناخ والاحترار العالمي على سبيل المثال سوف يتطلب تقدًما سريًعا في فصل النشاط الاقتصادي عن الاعتماد المفرط الحالي على الوقود الأحفوري والتوجه الي وسائل الطاقة الجديدة والمتجددة.
سيعتمد رسم مسار نحو الاستدامة بشكل حاسم على قدرة البشرية واستعدادها للتخفيف من الآثار الضارة للأنشطة البشرية على البيئة العالمية.
وفي خطة التنمية المستدامة لعام 2030-2050 اتفقت الحكومات على أهمية التحرك نحو أنماط مستدامة للاستهلاك والإنتاج مع تولي البلدان المتقدمة زمام المبادرة واستفادة جميع البلدان من هذه العملية.
المسؤوليات المشتركة
إن التركيز الأكبر على مسؤولية البلدان المتقدمة يلتزم بمبدأ “المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة” وهو جانب من جوانب القانون البيئي الدولي يؤكد أن جميع الدول مسؤولة عن معالجة التدمير البيئي العالمي ولكنها ليست مسؤولة بشكل متساوي في ذلك ويرتبط بمساهمة كل دول من دول العالم في معدلات أنبعاثاتها من غازات الإحتباس الحراري (البصمة الكربونية Carbon Footprint) للدول.
فتميل البلدان التي لايزال عدد السكان فيها ينمو بسرعة إلى ارتفاع مستويات الفقر والجوع ومواجهة تحديات خطيرة أخرى تؤثر على تقدمها في التنمية.
ويسبب تأخر تطورها الاجتماعي والاقتصادي وينتج عن ذلك إن هذه البلدان تكون غير مجهزة بشكل جيد للتخفيف من التهديدات البيئية أو التكيف معها حاليا او مستقبلا.
ولإنهاء الفقر والجوع وتحقيق أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالصحة والتعليم والحصول على العمل اللائق وبناء القدرة على مواجهة التحديات البيئية تحتاج اقتصادات البلدان منخفضة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى إلى النموبسرعة أكبر بكثير من نموسكانها.
التي تتطلب استثمارات موسعة بشكل كبير في البنية التحتية بالإضافة إلى زيادة الوصول إلى مصادر للطاقة بأسعار معقولة وتبني وسائل التكنولوجيا الحديثة في جميع القطاعات.
هذا ويمكن للبلدان الغنية والمجتمع الدولي المساعدة في ضمان حصول هذه البلدان على المساعدة التقنية والمالية اللازمة حتى تتمكن اقتصاداتها من النمو باستخدام التقنيات التي من شأنها تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في المستقبل وتخفض بصمتها الكربونية وتساعدها للتوجه نحو الاقتصاد الأخضر والاقتصاد منخفض الكربون.
البصمة البيئية
وختاما فإن طلب الإنسان علي موارد الأرض فيما يعرف بالبصمة البيئية Environmental Footprint يتزايد بنمط مطرد في مقابل قدرة الطبيعة غلي النهوض بأعباء هذا الطلب أي القدرة البيولوجية.
تتجلي تكاليف هذا الإنفاق فيما يعرف بالإنفاق الإيكولوجي والمفرط يوم بعد يوم في مشاهد زوال الغابات والجفاف وشح المياه العذبة وتدهور التربة وفقدان التنوع البيولوجي والتصحر واستنزاف الموارد وتراكم النفايات وتزايد انبعاثات غازات الإحتباس الحراري في الغلاف الجوي حول الكرة الأرضية وأرتباطه بالتغير المناخي مما يرفع البصمة الكربونية والبيئية للبشرية.
يتطلب المسار نحو مستقبل أكثر استدامة تبصرًا ديموغرافًيا والذي يتضمن توقع طبيعة ونتائج التحولا ت السكانية الرئيسية قبل وأثناء حدوثها واعتماد تخطيط استشرافي واستباقي يسترشد بهذا التحليل.
في العمل على تحقيق أنماط مستدامة من الاستهلاك والإنتاج وتقليل آثار النشاط البشري على البيئة ومن المهم إدراك أن المسارات المستقبلية المعقولة لسكان العالم تقع ضمن نطاق ضيقا نسبي لاسيما على المدى القصير أو المتوسط. على ً مدى الثلاثين أو الأربعين سنة القادمة هذا ويبدو أن حدوث تباطؤ في النمو السكاني العالمي أسرع بكثير مما كان متوقعا في توقعا ت الأمم المتحدة.
ثلاث كواكب كالأرض
فمن المتوقع اذا وصل عدد سكان العالم إلي 9.6 بليون نسمة بحلول عام 2050 فقد يتطلب الأمر الي ما يعادل ثلاث كواكب كالأرض لإتاحة الموارد الطبيعية الأزمة للحفاظ علي أنماط الحياه بصورتها الحالية وهذا ينذر بخطر علي البشرية يتحتم معه الاهتمام بالبيئة والحفاظ عليها باستدامة النظم الإيكولوجية عليها.
ويتطلب ذلك تكاتف كل شخص بلا استثناء والعمل علي السيطرة وتراجع بصمته البيئية من خلال الاستخدام المستدام للموارد وتبني هدف الإنتاج والاستهلاك المسؤولين وتفعيل جميع الأهداف الخاصة بالتنمية المستدامة من الآن وخلال الأيام والعقود القادمة.





