د.فوزي يونس: نحو صفر مخلفات.. استراتيجية مستدامة
أستاذ ورئيس وحدة فسيولوجيا الأقلمة- مركز بحوث الصحراء - خبير العمل المناخي والاستدامة
في ظل التحديات البيئية المتزايدة أصبحت إدارة المخلفات قضية جوهرية تؤثر على الاستدامة البيئية والاقتصادية. إن تحقيق هدف “صفر مخلفات” (Zero Waste) ليس مجرد رؤية مثالية بل هو استراتيجية مستدامة تهدف إلى الحد من النفايات وتحقيق كفاءة في استخدام الموارد.
حيث تقوم هذه الاستراتيجية على مبادئ الاقتصاد الدائري وإعادة التدوير مما يسهم في تقليل التلوث وخفض انبعاثات الكربون وتحسين جودة الحياة.
مفهوم “صفر مخلفات”
يشير مصطلح “صفر مخلفات” إلى منهجية تهدف إلى التخلص التدريجي من النفايات عن طريق تقليل إنتاجها وإعادة استخدامها وتدويرها وتحويلها إلى موارد جديدة.
هذا وتسعى هذه الفلسفة إلى إغلاق دورة المواد بحيث لا يتم إرسال أي نفايات إلى المكبات أو الحرق مما يعزز من كفاءة استخدام الموارد الطبيعية.

أهمية تحقيق صفر مخلفات للتنمية المستدامة
1. الحفاظ على الموارد الطبيعية
تقليل المخلفات يسهم في خفض الاعتماد على الموارد الطبيعية الخام مما يساعد في تقليل التأثير البيئي لاستخراجها ومعالجتها.
2. تقليل التلوث البيئي
تؤدي النفايات غير المدارة إلى تلوث التربة والمياه والهواء. حيث يساهم تقليل المخلفات في الحد من الانبعاثات الكربونية الناجمة عن تحلل المواد العضوية وحرق النفايات.
3. تعزيز الاقتصاد الدائري
من خلال إعادة تدوير المواد وإعادة استخدامها يمكن خلق فرص اقتصادية جديدة مثل صناعات إعادة التدوير مما يعزز الاستدامة الاقتصادية ويخلق وظائف جديدة.
4. تحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDGs)
يدعم نهج “صفر مخلفات” عدة أهداف من أهداف التنمية المستدامة (SDGs) خاصة:
* الهدف 12 (الاستهلاك والإنتاج المستدامان).
* الهدف 13 (العمل المناخي).
* الهدف 14 (الحياة تحت الماء).
* الهدف 15 (الحياة على البر).

استراتيجيات تحقيق “صفر مخلفات”
1. تقليل المخلفات عند المصدر
تصميم المنتجات بمواد قابلة للتحلل أو إعادة التدوير.
تعزيز ثقافة “الاستهلاك المستدام” من خلال تقليل استخدام البلاستيك أحادي الاستخدام.
تحسين كفاءة الإنتاج الصناعي لتقليل الفاقد.
2. إعادة الاستخدام وإطالة دورة حياة المنتجات
دعم الابتكار في تصميم المنتجات القابلة للإصلاح وإعادة الاستخدام.
تعزيز مفهوم “الاقتصاد التشاركي” مثل تأجير المنتجات بدلا من شرائها.
تشجيع المبادرات المجتمعية مثل تبادل المنتجات المستعملة.

3. تعزيز إعادة التدوير
تطوير البنية التحتية لفرز النفايات من المصدر.
إنشاء مراكز متخصصة لإعادة تدوير المخلفات الإلكترونية والبلاستيكية والزراعية.
تحفيز الشركات على استخدام المواد المعاد تدويرها في إنتاجها.
4. تحويل المخلفات إلى طاقة
يمكن استغلال النفايات غير القابلة للتدوير في إنتاج الطاقة من خلال تقنيات مثل:
التحلل الحراري لإنتاج الوقود المشتق من النفايات.
الهضم اللاهوائي لإنتاج الغاز الحيوي.
5. إشراك المجتمع في إدارة المخلفات
إطلاق برامج توعوية لتعزيز ثقافة فرز النفايات.
تقديم حوافز مالية للمواطنين والشركات التي تلتزم بالممارسات المستدامة.
دعم الابتكار في مجال حلول إدارة المخلفات.
* التحديات والحلول
التحديات
١- نقص الوعي البيئي لدى الأفراد والمؤسسات.
٢- ضعف البنية التحتية لإدارة المخلفات في بعض المناطق.
٣- التكاليف الأولية المرتفعة للتحول إلى اقتصاد دائري.
الحلول
١- تعزيز السياسات الحكومية لدعم ممارسات “صفر مخلفات”.
٢- تشجيع الاستثمارات في مشاريع إعادة التدوير والطاقة النظيفة.
٣- تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص في إدارة المخلفات.
تجارب ناجحة في تحقيق “صفر مخلفات”
1. تجربة السويد
تعتمد السويد على تقنيات متقدمة في إعادة التدوير حيث تعيد تدوير أكثر من 99% من نفاياتها.
يتم استغلال النفايات في إنتاج الطاقة مما يوفر الكهرباء والتدفئة لملايين المنازل.
2. سنغافورة
تتبنى استراتيجية متكاملة تجمع بين التشريعات الصارمة والتكنولوجيا والتثقيف البيئي مما أدى إلى خفض المخلفات المرسلة للمكبات.
3. الإمارات العربية المتحدة
تبنت الإمارات مشاريع “تحويل النفايات إلى طاقة” كجزء من خطتها لتحقيق اقتصاد مستدام.
ومما سبق في النهاية يمكننا القول بأن تحقيق “صفر مخلفات”، يمثل خطوة حيوية نحو التنمية المستدامة، حيث يسهم في الحفاظ على البيئة وتعزيز الاقتصاد الدائري وتقليل التلوث.
يتطلب ذلك التعاون بين الحكومات القطاع الخاص والمجتمع لتحقيق تحول مستدام نحو إدارة المخلفات بكفاءة، وذلك من خلال تبني الاستراتيجيات المناسبة يمكن للدول والمجتمعات الانتقال نحو مستقبل خال من النفايات مما يحقق فوائد بيئية واقتصادية طويلة الأمد، ويصبح صفر مخلفات استراتيجية لاغني عنها لتعزيز وتحقيق التنمية المستدامة.



