د.فوزي يونس: من صحة البيئة إلى صحة الإنسان.. تعليم الكبار كأداة لمواجهة التغير المناخي

أستاذ بمركز بحوث الصحراء- خبير العمل المناخي والاستدامة

عند الحديث عن موضوع “من صحة البيئة إلى صحة الإنسان: تعليم الكبار”، الذي يقع في قلب المواجهة المناخية، نجد أن التحديات المتسارعة التي يفرضها التغير المناخي تجعل قضايا البيئة جزءًا لا يتجزأ من حياة الإنسان اليومية، حيث تؤثر مباشرة على صحته وجودة معيشته.

فالعلاقة بين صحة البيئة وصحة الإنسان تكاملية؛ إذ ينعكس تلوث الهواء والمياه، وتدهور التربة، وفقدان التنوع البيولوجي على انتشار الأمراض، وتراجع جودة الغذاء، وارتفاع معدلات الإجهاد الصحي والنفسي.

ومن هذا المنطلق تأتي أهمية تعزيز مفهوم التعليم الأخضر، خاصة في مجال تعليم الكبار، كأحد أهم الأدوات الفاعلة لمواجهة التحديات المناخية. فتعليم الكبار لا يقتصر على محو الأمية، بل يمتد ليشمل بناء الوعي البيئي، وتنمية المهارات الحياتية، وتوجيه السلوكيات نحو أنماط أكثر استدامة.

تهديدًا مباشرًا للصحة العامة

تشكل التغيرات المناخية اليوم تهديدًا مباشرًا للصحة العامة، سواء من خلال التأثيرات المباشرة مثل موجات الحر والفيضانات، أو غير المباشرة مثل نقص الغذاء، وانتشار الأمراض المرتبطة بالمياه، وزيادة الضغوط النفسية.

وفي منطقتنا، تتجلى هذه التحديات في ارتفاع درجات الحرارة، وندرة الموارد المائية، وتزايد ظاهرة التصحر، وانعكاس ذلك على التنوع البيولوجي، مما يضع ضغوطًا إضافية على الأمن الغذائي والصحي.

هنا يبرز دور تعليم الكبار كمنصة استراتيجية قادرة على الوصول إلى شرائح واسعة من المجتمع، خاصة في المناطق الريفية والأكثر احتياجًا.

برامج تعليمية مرنة وتفاعلية

فمن خلال تبني برامج تعليمية مرنة وتفاعلية، يمكن نشر الوعي بالممارسات البيئية السليمة مثل ترشيد استهلاك المياه، وتقليل المخلفات، ودعم الزراعة المستدامة، والتكيف مع التغيرات المناخية والتخفيف من آثارها.

كما يسهم تعليم الكبار في تمكين الأفراد من اتخاذ قرارات واعية، وتعزيز مشاركتهم في حماية البيئة وكفاءة استخدام الموارد، مما يدعم بناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود في مواجهة الأزمات المناخية الحالية والمحتملة.

ولا يقتصر هذا الدور على الجانب التوعوي فقط، بل يمتد ليشمل بناء القدرات، وتحفيز المبادرات المحلية، وتعزيز روح المسؤولية المجتمعية.

ويتكامل هذا التوجه مع أهداف التنمية المستدامة، حيث يسهم في تحقيق الصحة الجيدة، والتعليم الجيد، والعمل المناخي، والإدارة المستدامة للموارد الطبيعية. فكل خطوة نحو رفع الوعي البيئي هي خطوة نحو تحسين صحة الإنسان وضمان مستقبل أكثر أمانًا للأجيال القادمة.

مراكز خضراء

وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى تحويل مراكز تعليم الكبار إلى “مراكز خضراء”، من خلال دمج مفاهيم الاستدامة في البرامج التعليمية، وتبني ممارسات صديقة للبيئة، وتنظيم أنشطة توعوية ومجتمعية تبني القدرات المعرفية في الاستدامة البيئية، وتعزز بالتبعية الثقافة البيئية.

كما أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في فهم التغير المناخي، بل في القدرة على تحويل هذا الفهم إلى سلوك عملي يومي يساعد في التكيف والتخفيف من التحديات البيئية المرتبطة به.

الاستثمار في تعليم الكبار

وهنا يأتي دور التعليم كقوة محركة للتغيير، خاصة عندما يستهدف فئة الكبار التي تمثل العمود الفقري للمجتمع.

وفي النهاية، يمكن القول إن الاستثمار في تعليم الكبار كمدخل للتوعية البيئية هو استثمار في صحة الإنسان، واستدامة الموارد، وأمن المجتمعات.

فحين نحمي البيئة، فإننا نحمي أنفسنا، ونرسم ملامح مستقبل أكثر توازنًا وعدالة واستدامة لنا وللأجيال القادمة.

Exit mobile version