أثارت بعض الروايات المتداولة جدلًا حول إمكانية تطوير قمح يمكن ريّه مباشرة بمياه البحر، وهي فكرة ارتبطت باسم العالم الراحل الدكتور مستجير، إلا أن مراجعة علمية دقيقة، إلى جانب تصريحات منسوبة له في تسجيلات مرئية، تؤكد عدم صحة هذه الادعاءات بالشكل الذي يتم تداوله.
وتشير الحقائق العلمية إلى أن ما جرى كان في الأساس محاولة بحثية محدودة لنقل صفات تحمل الملوحة من بعض النباتات البرية مثل البوص إلى القمح، لكنها لم تصل إلى نتيجة تطبيقية قابلة للزراعة، ولم تتحول إلى صنف زراعي معتمد.
ويؤكد المتخصصون أن القمح يُصنف ضمن المحاصيل متوسطة التحمل للملوحة، وليس من النباتات الملحية الحقيقية القادرة على النمو في البيئات المالحة الشديدة، وهو ما يفسر تأثره المباشر عند ارتفاع نسب الأملاح في التربة أو مياه الري.
حدود تحمل القمح للملوحة
تُقاس الملوحة عادة بوحدة التوصيل الكهربي (EC)، سواء في مياه الري أو التربة، حيث يبدأ تأثيرها التدريجي على المحصول مع ارتفاع التركيزات.
وبوجه عام، يعطي القمح إنتاجًا جيدًا عند ملوحة مياه تتراوح بين 4 إلى 6 ديسيسيمنز/متر (dS/m)، بينما يبدأ الانخفاض الواضح في الإنتاج عند تجاوز 6 إلى 8 dS/m.
أما عند الوصول إلى مستويات تتراوح بين 10 و12 dS/m، فإن الانخفاض في النمو والمحصول يصبح حادًا وغير اقتصادي في معظم الحالات، رغم وجود بعض الأصناف التي تُظهر قدرة نسبية أعلى على التحمل لكنها لا تصل إلى مستوى الإنتاج التجاري المستقر تحت الملوحة العالية.
لماذا لا يمكن استخدام ماء البحر مباشرة؟
تصل ملوحة مياه البحر إلى نحو 35 ألف جزء في المليون من الأملاح، بما يعادل تقريبًا 50 إلى 60 dS/m، وهو مستوى يفوق بكثير قدرة القمح على التحمل.
وفي حال استخدام مياه البحر مباشرة في الري، تحدث مجموعة من التأثيرات السلبية، أبرزها:
- فشل أو ضعف شديد في الإنبات
- احتراق أطراف الأوراق
- خلل في امتصاص العناصر الغذائية
- إجهاد أسموزي يمنع امتصاص النبات للماء
- تراكم الصوديوم والكلوريد إلى مستويات سامة
- تدهور بنية التربة وتحولها إلى تربة ملحية أو صودية
وغالبًا ما يؤدي ذلك إلى انهيار الإنتاج الزراعي أو خروجه عن الجدوى الاقتصادية.
هل توجد حلول وسط؟
رغم عدم إمكانية استخدام مياه البحر مباشرة، فإن هناك بعض الأساليب التي تسمح باستخدام مياه ذات ملوحة أعلى نسبيًا ضمن حدود معينة، مثل:
- خلط المياه المالحة بمياه عذبة لتقليل التركيز
- استخدام أصناف محسّنة وراثيًا ذات تحمل أعلى نسبيًا
- تحسين إدارة التربة عبر الصرف الجيد والغسيل الدوري للأملاح
- إضافة الجبس الزراعي في الأراضي الصودية
- رفع محتوى المادة العضوية لتحسين خصائص التربة
كما يمكن في بعض المناطق الساحلية استخدام مياه جوفية أو مياه شبه مالحة في مراحل معينة من النمو، بشرط الإدارة الدقيقة.
أبحاث مستمرة ولكن دون اختراق نهائي
تجري حاليًا أبحاث في مجالات الهندسة الوراثية وفسيولوجيا النبات بهدف رفع قدرة القمح على تحمل الملوحة، إلا أن الوصول إلى صنف يمكنه النمو والري بمياه البحر مباشرة ما يزال غير ممكن علميًا أو اقتصاديًا في الوقت الراهن.
