د.رفعت جبر: عالم بلا منتصر.. قراءة في صراع أمريكا وروسيا والصين

عضو المجلس الأعلى للثقافة- رئيس قسم التقنية الحيوية بكلية علوم القاهرة

تتحرك الطائرات الرئاسية الضخمة، وتحشد خلفها وفودًا تتفاوض، بينما تلتقط الكاميرات ابتسامات دبلوماسية باهتة داخل الغرف المغلقة، وتتبادل القوى العظمى عبارات منمقة تُخفي وراءها رفضًا حاسمًا ومعادلات صفرية خطيرة.. والنتيجة؟ لا حلول حقيقية!

لقد انتهت الزيارات المرتبطة بأكبر قادة العالم إلى العاصمة الصينية «بكين» دون أن تترك خلفها ملامح واضحة لخارطة طريق للمستقبل، ليقف العالم اليوم على حافة مشهد جيوسياسي شديد التعقيد، يتداخل فيه رماد الهدنة المشتعلة في الشرق الأوسط مع معضلة الرقائق الإلكترونية في تايوان، وصولًا إلى حرب النجوم وعسكرة الفضاء الخارجي.

إنها لعبة معقدة للغاية؛ الخاسر فيها مهزوم، والكاسب فيها خسران.

شهدت بكين حراكًا دبلوماسيًا استثنائيًا جسّد عمق الفجوة بين غايات القوى الدولية؛ إذ دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حاملًا منظوره البراغماتي القائم على «عقلية الصفقات» وتأمين ريادة أشباه الموصلات، معتبرًا تايوان أصلًا تجاريًا يمكن تأجيل الصدام حوله ما دامت البدائل الاستراتيجية متاحة لبلاده.

وعلى النقيض تمامًا، لم تكن زيارة الرئيس الروسي فلادمير بوتين، بحثًا عن صفقة عابرة، بل سعيًا لصياغة محور استراتيجي صلب لمناهضة الهيمنة الغربية، وهو ما تجلّى في رسائله السياسية والعاطفية الموجهة إلى التنين الصيني.

وبين عقلية التاجر الأمريكي وأشواق الحليف الروسي، وقف الزعيم الصيني Xi Jinping ثابتًا على عقيدة السيادة، مقدمًا نموذجًا صينيًا يسعى إلى قيادة العالم بالدبلوماسية الناعمة ومبادرة «الحزام والطريق» التي تبني الموانئ والمصانع بدلًا من زرع القواعد العسكرية وتهديد استقرار الأمم.

تأجيل الصدام

هذا التباين الصارخ بين رغبة واشنطن في تأجيل الصدام، وسعي موسكو وبكين إلى إعادة صياغة العالم، يلقي بظلاله القاتمة على بقية الملفات الملتهبة؛ حيث يتشابك شلل التكنولوجيا بالطاقة.

فأي شرارة حرب تنطلق من الشرق الأوسط عبر ضربة عسكرية تستهدف إيران، ستشعل أسعار النفط فورًا وتهدد الملاحة في مضيق هرمز، بينما سيؤدي أي تحرك صيني تجاه تايوان إلى إصابة الاقتصاد العالمي بـ«سكتة دماغية» نتيجة تعطل إمدادات الرقائق الذكية.

كيف فرضت مصر معادلة الردع والاستقرار؟

ومن رحم هذه الفوضى العالمية التي فرضتها القوى العظمى على المنطقة العربية منذ منتصف القرن الماضي، لإبقائها سوقًا مفتوحة لمبيعات السلاح، برزت الدولة المصرية قوةً إقليمية عاقلة ورشيدة؛ إذ نجحت القاهرة في تغيير موازين القوى عبر رسم خطوط حمراء حاسمة، من «سرت – الجفرة» لصون أمن ليبيا، إلى الرفض التاريخي القاطع لتصفية القضية الفلسطينية والتهجير القسري في «رفح ومحور فيلادلفيا»، لتثبت مصر، وسط جنون القوى الكبرى، أن السلام الحقيقي يحتاج إلى درع وسيف يحميان المقدرات الوطنية دون اعتداء.

حرب النجوم الحقيقية

وفي سياق متصل، فرضت البروباجندا الرقمية نفسها مؤخرًا عبر صورة مزيفة بتقنية الذكاء الاصطناعي (Deepfake)، تُظهر ترامب يقتاد كائنًا فضائيًا مقيدًا، ورغم الطابع الساخر المحيط بها، فإنها تخفي وراءها ستارًا دخانيًا لحرب النجوم الحقيقية.

فالخطر الفعلي الذي يهدد الكوكب ليس غزوًا خارجيًا، بل استراتيجية ترامب الواضحة لعسكرة الفضاء عبر United States Space Force لمواجهة التفوق التكنولوجي الروسي والصيني في الأقمار الصناعية والأسلحة الفرط صوتية، لتتحول سخرية الفضاء إلى سباق تسلح مرير يبدأ من الأرض ويُحسم في المدار الأرضي.

إن المشهد الدولي الراهن يؤكد أننا نعيش زمن «الدبلوماسية العاجزة» التي تكتفي بإدارة الأزمات بدلًا من حلها، حيث تعقدت المصالح إلى درجة ألغت مفهوم الانتصار التقليدي.

فلن يستطيع طرف واحد، سواء كان ترامب بصفقاته، أو بوتين بتحالفاته، أو الصين بعقيدتها الصارمة، أن يخرج من هذه المعمعة رافعًا راية النصر دون أن يدفع من أمنه القومي واقتصاده ثمنًا يوازي ثمن الهزيمة.

ففي عالم الحروب الذكية والمعادلات الصفرية.. الكاسب، حتمًا، خسران.

Exit mobile version