د.فوزي يونس: من الأمازون إلى العالم.. COP30 يدعو لتمويل مناخي عادل وتنمية مستدامة حقيقية
أستاذ بمركز بحوث الصحراء- خبير العمل المناخي والاستدامة
ينطلق مؤتمر الأطراف للعمل المناخي في دورته الثلاثين (COP30) في مدينة بيليم بولاية بارا شمال البرازيل، في الفترة من 10 إلى 21 نوفمبر 2025، بعد تفعيل “قمة القادة” يومي 6 و7 نوفمبر تمهيدًا للنقاش السياسي رفيع المستوى.
تأتي هذه الدورة في وقت حرج تشهده الأخطار المناخية المتسارعة، والضغوط المتزايدة على تمويل المناخ، مع الحاجة الملحّة لتعزيز التكامل بين الدول النامية والمتقدمة في إطار العدالة المناخية.
لمحة تاريخية سريعة (من COP1 إلى COP29):
بدأت الاجتماعات السنوية للدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ (UNFCCC) عام 1995 في برلين (COP1)، بهدف تأسيس المسار التفاوضي الدولي.
وعلى مدى العقود التالية كانت هناك محطات رئيسية، أبرزها اتفاق كيوتو عام 1997 (دخل حيز التنفيذ عام 2005)، واتفاق باريس عام 2015، الذي استهدف حصر الاحترار العالمي دون درجتين مئويتين، ويفضَّل أن يبقى دون 1.5 درجة.
في كل دورة، تم التفاوض حول المساهمات الوطنية المحددة (NDCs)، وآليات التنفيذ والتمويل والتكيف، إلا أن العملية واجهت فترات من التأخير وضعف الالتزامات.
حتى الدورة السابقة (COP29) في باكو بأذربيجان، مثّلت محطة لتقييم ما تم تنفيذه وما لم يُنفذ، وإطلاق تحضيرات لرفع سقف التمويل المناخي.
وبذلك، تمثل قمة بيليم استمرارًا لمسار ثلاثين عامًا من المفاوضات، لكنها تأتي في لحظة يُنتظر فيها تحقيق نتائج ملموسة تتجاوز الخطابات.
لماذا البرازيل وبيليم تحديدًا؟
اختيار البرازيل لاستضافة COP30 في مدينة بيليم، الواقعة في قلب منطقة الأمازون، يحمل دلالات بيئية وجيوسياسية كبيرة.
فالبرازيل تُعد مركزًا حيويًا للغابات الاستوائية التي تمثل “رئة العالم”، واستضافة المؤتمر هناك تسلط الضوء على أهمية حماية النظم الطبيعية ذات التأثير العالمي.
كما يهدف اختيار بيليم إلى ربط الملف المناخي بقضايا التنوع البيولوجي، والغابات، والعدالة المناخية، والمناطق المعرّضة للمخاطر.
وقد استثمرت البرازيل في تطوير البنية التحتية والتنظيم لتوفير منصة عالمية للحوار، في رسالة مفادها أن المناخ مرتبط بالتنمية المحلية والإقليمية وليس مجرد شأن دولي.

محاور COP30 – أبرز التوجهات:
-
تمويل المناخ والتكيف:
من المقرر أن تستعرض البرازيل خطة “Baku to Belém Roadmap”، التي تهدف إلى رفع التمويل إلى نحو 1.3 تريليون دولار سنويًا للدول النامية بحلول 2035. -
تعزيز المساهمات الوطنية (NDCs):
مع التركيز على تسريع خفض الانبعاثات وبناء القدرات التنفيذية. -
الحلول القائمة على الطبيعة:
خاصة في غابات الأمازون والمناطق الساحلية والمجتمعات المتأثرة. -
الشمول والعدالة المناخية:
لضمان مشاركة أوسع للدول النامية والمجتمعات المحلية وسكان السواحل. -
دور الجهات غير الحكومية والمستويات المحلية:
حيث تعتزم البرازيل دعم التزامات المدن والشركات والمجتمعات ضمن منظومة متكاملة للعمل المناخي. -
الربط بين المناخ والتنمية المستدامة:
إذ يُنتظر أن تلعب ملفات الغابات، والتنوع البيولوجي، والزراعة، وإدارة المياه دورًا أكبر في النقاشات.
توقعات المخرجات والنتائج المرتقبة:
-
اعتماد إطار تمويلي أكبر للدول النامية مع آليات تنفيذ واضحة.
-
إطلاق مبادرات لحماية الغابات الاستوائية وربما إعلان “صندوق الغابات للأبد”.
-
إصدار موجة جديدة من المساهمات الوطنية المحدثة (NDCs/NDAs) أكثر طموحًا.
-
تعزيز الدمج بين المناخ والتنمية ضمن السياسات الوطنية.
-
توسيع دور الجهات غير الحكومية كمساهمين فاعلين.
-
إطلاق تحالفات جديدة في الأمازون وأمريكا اللاتينية لتسريع العمل المناخي.
-
التمهيد لمؤتمرات مقبلة وتسهيل مشاركة الدول الأقل قدرة.
-
بدء نقاش حول “اقتصاد ما بعد الكربون” وربطه بالزراعة والغابات والموارد الطبيعية.
علاقة هذه الدورة بالتنمية المستدامة والفرص للدول العربية:
يحمل COP30 إشارات مهمة للدول العربية، خصوصًا لمصر:
من خلال التركيز على الاقتصاد الأزرق، وإدارة السواحل، وحماية المجتمعات الساحلية والجزر الصغيرة.
كما يتيح فرصًا جديدة للتمويل والتعاون الدولي للدول النامية.
وتُمثل المشاركة العربية فرصة لتعزيز الدبلوماسية المناخية وتسليط الضوء على تحديات مثل التصحر، وشح المياه، والزراعة، والتكيف المناخي.
أما على صعيد التنفيذ، فنتائج هذه الدورة يمكن أن تُستخدم كمرجعية لصياغة برامج وطنية وإقليمية، تتكامل مع “رؤية 2030” للتنمية المستدامة في مصر وغيرها من الدول.

خاتمة
إن مؤتمر الأطراف الثلاثين لتغير المناخ (COP30) في بيليم – البرازيل، يمثل محطة محورية في مسار العمل المناخي العالمي، حيث يجتمع البعد السياسي مع الأهداف التنموية والبيئية.
فالموقع في قلب الأمازون، ومحاور التمويل والمشاركة والعدالة، تؤكد أن العمل المناخي لم يعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة تنموية تستوجب التنفيذ الفعلي الآن.
ومن المتوقع أن تُشكل نتائج هذه الدورة قاعدة لتطوير السياسات وتعزيز الشراكات نحو مستقبل أكثر استدامة وعدالة.





