قبل عقد من الزمن، وخلال زيارة إلى بعض مدن ألمانيا، لا سيما فرانكفورت وبرلين، استوقفني كتاب من بين الأكثر مبيعا، يحمل عنوان “1000 مكان يجب أن تراها قبل أن تموت” ، وهو واحد من كتب السفر والسياحة في العالم.
وأستطيع أن أقول إننا في مصر نحتاج إلى كتاب بهذا العنوان عن الأماكن الرائعة في مصر التي يجب أن يراها الإنسان ما دام حيا، والتي تزيد عن ألف مكان.
وسأختار في مقال اليوم مكانين في أسوان: الأول اسمه “لوحة المجاعة” والثاني اسمه “قبة الهوا”.
لوحة المجاعة
في مجرى النيل في أسوان تقع جزيرة صخرية من الجرانيت تعرف باسم “جزيرة سهيل”.
لا تستمد “سهيل” أهميتها من طبيعة بيئتها فحسب، بل هي تضم فوق ذلك أكثر من 200 نقش بالهيروغليفية لأحداث مهمة في التاريخ المصري.
ولعل أهم نقش من بين هذه النقوش، ذلك المعروف لدى علماء الآثار باسم “لوحة المجاعة“.
وبعد أن تفقدتُ النقوش العديدة على صخور الجزيرة، صعدت على القمة الخفيضة وأخذت الصورة المرفقة للنقش الفريد النادر المعروف باسم “لوحة المجاعة”.
وضعت على الصخرة الكتاب الإرشادي الذي كتبه عدد من العلماء الأجانب عن هذه اللوحة، ومن هذا الكتاب أخذت السطور التالية:
يذهب علماء الآثار إلى أن النقش الموجود على هذه اللوحة يؤرخ للعصر البطلمي (ربما في عهد بطلميوس الخامس 205-180 ق. م).
ورغم أن النقوش تمت قبل 2200 سنة إلا أن الأحداث التي تحكيها اللوحة تعود إلى آلاف السنين الماضية السابقة على زمن اللوحة.
فهي تقدم لنا موجز قصة مجاعة أصابت مصر في عصر الملك زوسر من الأسرة الثالثة ( 2686 ق. م – 2649 ق. م).
وهذا أمر بالغ الأهمية في الموضوع، فالفارق الزمني بين تاريخ الأحداث التي ترويها اللوحة وتاريخ نقشها يبلغ نحو 2450 سنة!
إذا نظرت للصورة المرفقة ستجد الجزء العلوي من اللوحة يضم أربع شخصيات هي من اليسار إلى اليمين:
الملك زوسر واقفا يمد يديه بالقرابين إلى ثلاثة من الآلهة المصرية الكبرى: خنوم (المعبود الخالق)، ساتت (معبودة الحرب وحارسة الحدود في النوبة) وعنقت (معبودة فيضان نهر النيل).
الجزء الأدنى من اللوحة يتألف من 32 سطرا رأسيا للكتابة تؤرخ للعام 18 من حكم الملك زوسر (ومقر حكمه في الشمال في العاصمة “منف” عند التقاء الوادي بالدلتا).
يقول النقش إنه في ذلك العام انتاب الملك شعور بالقلق مع تزايد الجفاف والقحط بالبلاد المصرية بسبب ضعف مياه النيل لسبع سنوات عجاف فأصاب الناس خوف وهلع وخرجوا عن كل قانون ونظام وهاجوا في شغب وقتل وسلب ونهب وفوضى عارمة.
وبالاستعانة بالمستشار والمهندس الشهير في ذلك الوقت “إيمحوتب” عرف الملك زوسر أن الفيضان رهين بإله الخلق “خنوم” في إليفنتين (أسوان) التي ينبع منها النيل من ينبوع مقدس (لم يكن الاعتقاد وقتها بأن النيل ينبع من الحبشة أو هضبة البحيرات الاستوائية).
سافر إيمحوتب إلى ينبوع النهر في إليفنتين (شلال أسوان) وخلال صلاته أخذته سنة من نوم فرأي في منامه خنوم يعده بإعادة الفيضان من جديد.
رجع إيمحوتب من أسوان إلى منف وقص على زوسر الرؤيا فسعد زوسر وأمر بالاهتمام بعبادة خنوم وبث الحياة في معبده وتقديم العطايا له، فضلا عن منح ثروات لكهنة معبد خنوم في إليفنتين وأن يشارك المعبد في الأرباح التي يجنيها إقليم النوبة من التجارة.
ورغم الأهمية الأثرية والعلمية والتاريخية للوحة وما تضمه من نقش، يذهب البعض إلى أن الفارق الزمني الكبير بين قصة النقش وتاريخ كتابته ربما يشير إلى محاولة من كهنة إليفنتين تخويف الحكام البطالمة وابتزازهم بضرورة الاهتمام بمعبدهم وعبادة خنوم وإلا وقع بهم جفاف وقحط كما حدث قبل آلاف السنين.
أبو الهوا
أخذت الصورة الثانية من أسوان، من الضفة الشرقية للنهر، ناظرا تجاه الغرب نحو قبة “أبو الهوا” التي تبدو في الصورة أعلى الحافة الرملية الصفراء.
أسوان هي جبل أبو الهوا، وجبل أبو الهوا هو أسوان.
يعتلي “أبو الهوا” البر الغربي للنيل: منحدر شديد من الصخور الرملية المنقور فيه مقابر قديمة من عهد الإنسان الأول وزمن قدماء المصريين.
وفوق كل ذلك قلاع عسكرية استراتيجية توارثتها الحضارات وكان أحدثها تلك التي تعود لألف سنة منذ العصر الفاطمي.
قبل ثلاث سنوات كنت أظن أن هذا هو المكان الوحيد الذي يسمى “أبو الهوا” حتى زرت مؤخرا أماكن أخرى جنوب الشلال القديم وعرفت أنهم يطلقون “أبو الهوا” على كل قبة أو مقام أو ضريح أو حصن معلق هناك أعلى الجبل.
ليس عندي دليل: من سبق الآخر؟ هل جاء الزهاد وسكنوا الأماكن العالية بعد نزول الحراس وانتهاء عصر المراقبة أم اهتدى الحراس بمواقع الزهاد وصعدوا إلى حيث يقتربون من السماء فيرون الأرض كما يراها “الرب” ويراقبون الناس كما تراقبهم “السماء”؟
كلما وقفت هنا لأقرأ مشهد “أبو الهوا” أتذكر الهند.
في الهند تاريخ مشوق عن صوفية المسلمين. أحد رواد البحث التاريخي في الصوفية باحث هندوسي رفيع المستوى يتتبع العلاقة بين الجغرافيا والدين أسمه يوجيندر سيكند Sikand. Y “. .
قرأت أعمال يوجيندر النظرية أولا، لم نتقابل خلال زيارتي للهند في 2005 لكننا التقينا حين جاء هو لزيارة القاهرة في 2008
قدم سيكند دراسة رائدة عن طريقة صوفية شهيرة في كشمير، ذلك القطاع الحدودي المتنازع عليه بين الهند وباكستان.
عثر سيكند على طريقة صوفية إسلامية فريدة ذات تاريخ طويل تسمى الطريقة “الريشية”.
جاءت “الريشية” إلى كشمير وباكستان من أصل فارسي ولها عدة معان، فهي تعني “جريح” ويقصد بها حالة تلك الروح لدى الزاهد الذي نال منه الحب الإلهي، لأن الريش المنزوع من الجسد علامة جرح وسهم صائب.
كما تعني “الريشية” أيضا “الجناح” أو ريش الجناح، وتشير إلى كل من امتلك ريشا وجناحا و “طار ” عن الدنيا متخذا “الهوا” طريقا والسماء غاية.
وكل ذلك يعني خفة ورشاقة وتحليق في الملكوت !






