وجهات نظر

د.عاطف معتمد: معرض الكتاب ظاهرة مركزية تكرس تأخر الأقاليم؟

أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة

في عام 2008 ترجمتُ لدار نشر غير مشهورة كتابا منحتني فيه مكافأة مضاعفة، كان الكتاب من بين خمس كتب صدرت للتو في دول أجنبية، نشرت هذه الدار الكتب في وقت وجيز، وبعد أسبوع من ظهور الكتاب دعاني صاحب الدار لحضور حفل عشاء لكبار الكتاب في ذلك الزمن أقامه ابتهاجا بنجاح الكتب الخمس التي ترجمتتها الدار.
سألت الناشر: كيف تحققت هذه السرعة من النجاح بعد أسبوع واحد من طباعة الكتاب؟
أخبرني الرجل أن الحكومة المصرية اشترت منه ألف نسخة فورية من كل كتاب فور صدوره لتوزعه على المكتبات المدرسية في مختلف الأراضي المصرية، ضمن منحة دولية لتعزيز دور مكتبات المدارس.
سأترك هنا جانبا موضوع المنح الدولية التي تستخدمها بعض دور النشر في الترجمة والتأليف، وسأعرج على موضوع جغرافي صرف وهو المركزية واللامركزية.
معرض الكتاب 2026
معرض الكتاب 2026

ديكتاتورية العاصمة ثقافيا

إن الصور المبهجة التي نراها لازدحام معرض الكتاب هي من زاوية علامة مشجعة ومبهجة حقا، لكنها من زاوية أخرى تبدو لي مؤشرا على تكريس النزعة المركزية وديكتاتورية العاصمة ثقافيا.
في ظني أن العلاقة طردية في حال المركزية، كلما زاد الحشد يعني زيادة المركزية، وكلما انخفض الحشد كلما تفككت المركزية لصالح عدالة أكثر في التوزيع الثقافي في الأقاليم.
والأقاليم هنا لا تعني فحسب المنيا وسوهاج وشمال سيناء وواحات الوادي الجديد، بل تعني حتى الأحياء البعيدة المهملة داخل العاصمة الكبرى التي تبتلع داخلها عدة محافظات.
وينقلنا هذا إلى فكرة الانتشار الثقافي والأثر الذي يتركه بعض المؤلفين.
إن متوسط طباعة الكتاب لمؤلف غير جماهيري لا يتجاوز ألف نسخة، وعادة ما يتم توزيع هذه الكمية في عام أو عامين أو ثلاثة وربما في خمسة، حسب شطارة دار النشر والدعاية الحديثة وشطارة المؤلف الذي عليه – ياله من مسكين !- أن ينفق وقتا أطول من الذي أنفقه في التأليف في الترويج لكتابه في شبكة من العلاقات العامة!
معرض الكتاب 2026

تفعيل دور مكتبات قصور الثقافة والمكتبات المدرسية والعامة

أتحدث عن الكتب الفكرية لا الأدبية، وأقول إن ألف نسخة يعد رقما لا يتناسب مطلقا مع عدد سكان مصر التي يجب أن ينتشر فيها الكتاب بمعدل 25 ألف نسخة ( أقيس هنا على حالة روسيا التي تطبع لنحو 145 مليون من السكان 40 ألف نسخة من الكتاب كحد أدنى)
ليس المطلوب أن يشتري زوار معرض الكتاب في رحلتهم للحج السنوي إلى أرض المعارض 25 ألف نسخة في عامين أو ثلاثة، بل المطلوب أن تفعل الدولة من دور مكتبات قصور الثقافة والمكتبات المدرسية والمكتبات العامة.
هذه المكتبات ستوفر اطلاعا مجانيا لسكان الأقاليم دون تكبد مشقة السفر لمعرض القاهرة ودون تكبد نفقات مالية غير قادرين عليها في ظل وطأة الغلاء وتقلص فرص العمل.

.

معرض الكتاب 2026
معرض الكتاب 2026
توزيع الكتب على مكتبات الأقاليم معادلة مربحة للجميع: الناشر + المؤلف+ القارئ.
وهذه الفكرة بالطبع ليست سوى واحدة من ألف خطوة على سبيل تنمية الدولة: أعني فك مركزيتها الثقافية لصالح عدالة أكثر للأقاليم.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading