د.عاطف معتمد: الطريق الأبيض وضياع الأرض الزراعية
أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة
أول أمس، غير سائق الميكروباص مساره خلال رحلتنا إلى ميدان لبنان قادمين من 6 أكتوبر عبر طريق المحور، فلم يدخل ميدان لبنان ولم يتعطل ثانية واحدة، وأكمل في طريق انسيابي ناعم هبط بنا إلى شارع أحمد عرابي دون ازدحام مروي.
لمحت على يمين الطريق محطة القطارات الجديدة “بشتيل”، تذكرت قبل 30 سنة حين كانت سيارات الأجرة تنادي من ميدان الجيزة قرب جامعة القاهرة على المسافرين إلى بشتيل، كيف أصبحت بشتيل على مرمى حجر من الطريق الجديد بعد أن كانت قرية زراعية يعتقد الناس أنهم يسافرون إليها كما يسافرون إلى طنطا وكفر الدوار.
تكرر نفس الشيء الأسبوع الماضي حين ركبت مع سائق تاكسي اختار أن نصل إلى جامعة القاهرة عبر “الطريق الأبيض” بدلا من إكمال طريق المحور والوصول إلى ميدان لبنان.
ابتهل سائق التاكسي ونحن على الطريق الأبيض قائلا “ربنا يكرمهم والله اللي عملوا الطريق دا”.
المسار الذي نسير عليه منذ 20 سنة يمتد من 6 أكتوبر إلى ميدان لبنان ومنه إلى وسط البلد في خط مستقيم. وقد أصبح يعاني من التكدس والازدحام مع تضاعف المركبات والسيارات.
لقد نشأت مدينة السادس من أكتوبر في نهاية عهد السادات وبداية عهد حسني مبارك.
في عام 1993، وحين انضممت إلى الصالون الثقافي في بيته في المعادي، كان أستاذ جغرافية السكان والعمران محمد صبحي عبد الحكيم يتنبأ بمصير هذه المدينة وأثرها الخطير على مزيد من تآكل الأراضي الزراعية والالتحام العمراني بمدينة القاهرة.
كان صبحي عبد الحكيم يقول في صالونه الثقافي ما حذر منه أيضا جمال حمدان في كتابيه عن القاهرة وشخصية مصر من خطورة التوغل العمراني على الأرض الزراعية لخدمة سكان المدينة.
لقد أقيمت كل هذه التفريعات المرورية الجديدة على المحور المركزي على حساب الأرض الزراعية والنتيجة ستكون بالغة السلبية على التهام الجيوب الريفية والزراعية التي ما زالت تقاوم لتنتج الغذاء.
إن الأرض الخضراء المحيطة بالمحور المركزي الذي يصل أكتوبر والشيخ زايد إلى وسط البلد ستتحول في غضون 10-20 سنة إلى كتل خرسانية لتلتحم بالقرى التي هجرت الزراعة وتوقفت عن إنتاج الغذاء.
وستكون خطوط الالتحام العمراني الزاحف على الأرض الزراعية مستغلة لمد الطرق الأسفلتية على النحو التالي:
– ستختفي الجيوب الزراعية في المنطقة الواقعة بين كرداسة –ناهيا-– كفر حكيم – المنصورية.
– ستختفي الجيوب الزراعية بين صفط اللبن – منشأة البكري- ناهيا.
– ستذهب إلى غير رجعة – بكل أسف – الجيوب المتبقية حول قرية البراجيل وكل الأرض الزراعية المحيطة بأوسيم وفيما بينها وبين البراجيل والوراق.
– مخاطر متوقعة ومنتظرة في المثلث الزراعي أوسيم- المنصورية – المناشي عند رأس دلتا النيل.
كل ذلك يحدث لأن سكان الشيخ زايد و6 أكتوبر لديهم رحلة عمل يومية إلى وسط البلد.
وكان من المفترض في الصورة النظرية لهذه المدن أنها تكتفي ذاتيا بكل شيء: جامعات ومدارس وفرص عمل ومساكن.
لكن للأسف لم تضمن هذه المدن ونظيرتها الاستقلالية وأصبحت تابعة للنظام الاقتصادي والخدمي اليومي في وسط البلد والقاهرة القديمة.
إن الطريق الأبيض وأخواته يقدمون للمتحركين بالمركبات والسيارات سهولة كبيرة وتوفيرا للوقت والوقود والراحة في طرق ناعمة عالمية المستوى.
لكن هذه الانسيابية والحركة تأتي خصما من رصيد الأرض الزراعية على القليل المتبقي حول هذا العملاق الذي توغل على كل شيء ويسمى “القاهرة الكبرى”.
ما الحل؟
سؤال يطرحه الناس بعد كل تنويه وتنبيه عن المشكلة:
– وقف كل عدوان على الأرض الزراعية
– تفكيك المركزية من القاهرة بنقل الخدمات التعليمية والصحية والإدارية إلى المدن الجديدة.
تفعيل الحكومة الإليكترونية التي لا حاجة للناس فيها إلى النزول إلى وسط البلد ضمن خطوات تتبنى تقنيات “المدن الذكية”
– التي تقوم على الاستفادة من التقنيات الرقمية وإدارة الأعمال وفق وسائل التفاعل الافتراضي بدلا من التفاعل المكاني الجغرافي الفعلي في علاقة 6 أكتوبر والشيخ زايد بالمدينة القديمة.
– وقف هذا النموذج من التوسعات العمرانية في المستقبل لأن مدينة تقع على بعد 35 كم فقط من وسط البلد يعني أنها ستلتحم بالضرورة بالمدينة الأم وتلتهم الأرض المنتجة للغذاء والتربة التي أنفق نهر النيل في تكوينها ملايين السنين.
– وضع الحفاظ على الأرض الزراعية على أولويات الأمن القومي لأن توفير السلع الغذائية وإنتاج الطعام هو أمن استراتيجي لا يقل أهمية عن الأمن التقليدي في الجغرافيا العسكرية.
في السبعينيات ومطلع الثمانينيات كان جمال حمدان يحذر من “السرطان العمراني” للقاهرة وأثره على الأرض الزراعية.
وفي التسعينيات كان صبحي عبد الحكيم يخاطب 20 أستاذا في الجغرافيا في صالونه الثقافي ويحذر من أثر مدينة 6 اكتوبر والشيخ زايد على الرقعة الزراعية بين القاهرة والصحراء.
واليوم في مطلع 2025 نسأل “من ينقذ الجيوب الريفية المتبقية“؟
لقد تفاقمت الأزمة في القاهرة وتقلصت المساحة وصرنا ننادي بإنقاذ “الجيوب” الريفية وليس إنقاذ “الحصيرة” الزراعية الكاملة؟
الحصيرة الزراعية مصطلح وضعه محمد محمود الصياد – أستاذ الجغرافيا الرائد في جامعة القاهرة- قبل ظهور تحذير جمال حمدان بعشرين سنة، ويعني به الأرض الواسعة على مد البصر من بساط أخضر في خمسينيات القرن العشرين.






