وجهات نظر

د. طارق قابيل: ناقوس خطر.. مخاطر وجودية تهدد دلتا نهر النيل

كاتب ومترجم- عضو هيئة التدريس بكلية العلوم- جامعة القاهرة

يمتد نهر النيل بطول 6600 كيلومتر من منبعه إلى مصباته ليغطي مساحة تبلغ ثلاثة ملايين كيلومتر مربع، أي 10% من مساحة قارة إفريقيا، ويمر في عشر دول: بوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية وكينيا واوغندا ورواندا وجنوب السودان وتنزانيا و‘ثيوبيا والسودان ومصر، وتشكل مياه النيل موردا مهما لحوالي 500 مليون شخص يعيشون على ضفافه.

ولا تعتمد أي دولة على النيل مثلما تعتمد عليه مصر التي يوفر لها النهر حتى الآن 97% من احتياجاتها من المياه، ومؤخرا، بات النهر الذي كان لدى الفراعنة إلهاً يُعبد، يعاني أكثر من أي وقت مضى من عبء السكان المستفيدين منه.

وتشهد مصر زيادة سكانية كبيرة، إذ تجاوز عدد سكانها للتو المئة مليون نسمة، وإذا استمر معدل النمو على هذا النحو سيصل تعداد سكانها إلى 120 مليون نسمة عام 2030.

أعلى حالات العجز في الموازنة المائية في إفريقيا

وتشهد مصر – الدولة الأكثر اكتظاظًا بالسكان والأكثر جفافاً على طول مجرى نهر النيل – واحدة من أعلى حالات العجز في الموازنة المائية في إفريقيا، والتي يتم تعويضها من خلال إعادة الاستخدام المكثف والواسع النطاق لمياه الصرف الصحي والزراعي في دلتا النيل.

وفقًا لدراسة جديدة، قادها الدكتور عصام حجي، العالم المصري الذي يعمل في وكالة ناسا لأبحاث الفضاء، ونُشرت يوم الثلاثاء 7 مارس، في مجلة “إيرثس فيوتشر (Earth’s Future) التابعة للاتحاد الجيوفيزيائي الأمريكي، يشكل التلوث بالمعادن الثقيلة على نطاق واسع وتآكل السواحل وتسرب مياه البحر تهديدًا وجوديًا لدلتا نهر النيل.

وقال حجي: “لديك تقريبًا مجموع سكان كاليفورنيا وفلوريدا يعيشون في مساحة بحجم ولاية نيوجيرسي، تتلوث بشكل متزايد بالمعادن الثقيلة السامة”، وأضاف: “اليوم، يجب أن تواجه الحضارة التي ازدهرت في مشهد مائي خلاب لأكثر من 7000 عام واقع هذا التدهور البيئي الواسع النطاق الذي لا رجعة فيه.”

حجم الرواسب

زيادة التلوث بالمعادن الثقيلة

بالنسبة للدراسة، قام باحثون من الولايات المتحدة ومصر بتحليل حجم الحبوب ومستويات التلوث لثمانية معادن ثقيلة في عينات من رواسب القاع تم جمعها من فرعين من فرعي دلتا نهر النيل.

تضمنت النتائج الرئيسية ما يلي: تلوث الرواسب في قاع نهر النيل بشدة بالمعادن الثقيلة مثل الكادميوم والنيكل والكروم والنحاس والرصاص والزنك، وتأتي الملوثات بشكل أساسي من الصرف الزراعي غير المعالج ومياه الصرف الصحي البلدية والصناعية.

بدون معالجة مناسبة للمياه المعاد تدويرها، تزداد تركيزات المعادن الثقيلة وتندمج بشكل دائم في قاع النهر على عكس الملوثات العضوية التي تتحلل بشكل طبيعي بمرور الوقت.

تعرض 60 مليون شخص في مصر للخطر

وبحسب الدراسة يعرض التلوث بالمعادن الثقيلة 60 مليون شخص من الذين يعتمدون على مواردها في مصر للخطر، علاوة على ذلك، تعد دلتا نهر النيل محطة توقف مهمة للطيور المهاجرة خلال رحلتها على طول مسار شرق إفريقيا، ولهذا اقترحت الدراسة تدابير يمكن أن تبطئ التدهور البيئي وتساعد على استعادة النظام البيئي لدلتا نهر النيل.

لمعالجة هذا المشكلة، قام الدكتور حجي وفريقه بتقييم مستوى التلوث بالمعادن الثقيلة والملوثة على طول فرعي دلتا النيل وتحديد مصادرها، كما قام الفريق باستكشاف مدى مساهمة بناء السدود في اعلى النيل على زيادة تركيز تلك الملوثات في الدلتا.

ويتضح تأثير التلوث بشكل خاص في مصر، الدولة الأكثر اكتظاظًا بالسكان والأكثر جفافاً في اتجاه مجرى النيل، والتي تعتمد كليًا على النهر كمصدر وحيد لمياه الشرب وري المحاصيل.

وتواجه البلاد حاليًا واحدة من أعلى حالات العجز في ميزانية المياه في إفريقيا بعد عقود من التعويض عن إمدادات المياه المتناقصة من خلال إعادة استخدام مكثفة واسعة النطاق لمياه الصرف الصحي، والتي لم يتم دراسة عواقبها حتى الآن.

قال حجي: “تؤكد دراستنا على الحاجة إلى مزيد من البحث حول الآثار البيئية لإعادة تدوير المياه غير المعالجة والتغير في تعكر النهر في ظل زيادة بناء السدود في أعلى نهر النيل”.

وأضاف: “البحث المستمر مع المزيد من حملات أخذ العينات في هذه المنطقة يمكن أن يساعد في المناقشات المستقبلية والتعاون بين دول حوض نهر النيل، الذين لديهم مصلحة مشتركة في الحفاظ على نظام صحي لنهر النيل.”

تحليل التلوث بالمعادن الثقلية

نتائج كارثية

ووفقا للأمم المتحدة، فإن 7% من المصريين لا تتوافر لهم مياه عذبة ونظيفة.

ويعيش 8% منهم في ظروف كفيلة بنقل الأمراض. وأظهرت عدة دراسات ان التلوث، خصوصا عند مصبات النهر، تزايد خلال السنوات الأخيرة.

ومصادر التلوث عديدة، مياه المجاري والمخلفات المنزلية التي يتم القاؤها مباشرة في النيل، والتلوث الزراعي الناتج عن مياه الصرف والتلوث الصناعي بالمواد الكيماوية.

تركيز المعادل الثقيلة

 

كل هذه المخلفات تؤدي إلى وجود معادن ثقيلة (حديد، منغنيز، نحاس، نيكل، رصاص) في المياه مع ما يترتب على ذلك من نتائج كارثية، وفقا للخبراء، على التنوع البيولوجي وخصوصا على الصيد.

ويمكن أن تتفاقم تركيزات المعادن الثقيلة بسبب زيادة بناء السدود على نهر النيل.

وتعمل السدود الضخمة التي تم بناؤها في أعلى مجرى النهر على تعطيل التدفق الطبيعي للنهر وتدفق الرواسب، وبالتالي تؤثر سلبًا على قدرته على طرد الملوثات إلى البحر الأبيض المتوسط، مما يترك السموم تتراكم في رواسب القاع بمرور الوقت.

وقال الباحثون إن الكثير من التلوث بالمعادن الثقيلة لا رجعة فيه، لكن تدابير الحفظ المستندة إلى العلم التي اقترحتها الدراسة يمكن أن تبطئ التدهور البيئي ونأمل في استعادة النظام البيئي لدلتا نهر النيل.

التغيرات المناخية تهدد النيل والدلتا

في الوقت نفسه، تتزايد مواسم الجفاف والمواسم الحارة في كل دول حوض النيل بسبب التغير المناخي. وأشارت دراسة أجرتها كلية دارتموث على منطقة منابع النيل إلى أنه رغم زيادة الأمطار المرتبطة بالتغير المناخي، فإن “السنوات الحارة والجافة يمكن أن تزيد بسبب ارتفاع درجات الحرارة”.

وقال جوستن مانكين أستاذ الجغرافيا في كلية دارتموث الذي شارك في الدراسة والمتخصص في المناخ أن “معدل السنوات الجافة والحارة سيتضاعف على الأقل من الآن حتى منتصف القرن”.

وبالتالي، بحسب مانكين، بحلول العام 2050 “سيعاني 45% من سكان دول منابع النيل من نقص في المياه”. ويعتقد الباحث أن المشكلات عند منابع النيل ستنعكس على دول المصب.

وكان وزير الموارد المائية والري المصري الدكتور هاني سويلم، قد قال في “منتدى مصر للتعاون الدولي والتمويل الإنمائي” في شهر سبتمبر من العام الماضي، إن ارتفاع منسوب مياه سطح البحر يؤثر على دلتا النيل بقوة، مشيرا لتغيرات هيدرولوجية تواجه مصر.

وأشار إلى قلق من التغيرات سواء فوق الأرض من خلال النحر أو تحت الأرض بتداخل مياه البحر مع المياه الجوفية.

وقال سويلم أن هناك تأثيرات سلبية للتغيرات المناخية على مصر؛ مبينا أن التغيرات هيدرولوجية تحدث في نهر النيل حيث تشكل المياه التي تأتي من الحوض 97% من المياه المتجددة في مصر.

وأوضح أن ارتفاع منسوب مياه سطح البحر يتسبب بزيادة ملوحة المياه الجوفية في الدلتا، مضيفا أن الاحتياجات المائية للأغراض المختلفة في تزايد بسبب الاحتباس الحراري وارتفاع درجات الحرارة.

كما أكد أهمية التوسع في مجال تحلية المياه، واستخدام طرق أقل كلفة مع استخدام الطاقة المتجددة، وإيجاد حلول للمياه العادمة.

دلتا نهر النيل تشهد تلوث وتأكل خطير

تحديات صعبة

وتشير نتائج دراسة الدكتور عصام حجي وفريقه إلى أن التلوث الواسع النطاق وتآكل السواحل وتسرب مياه البحر تشكل تحديات صعبة لبقاء دلتا النيل كمصدر أساسي للأمن الغذائي لمصر.

كما أن سرعة تدفق النيل والانحدار المنخفض للدلتا والتربة الطينية لقاع النهر تساعد على زيادة حبس المعادن الثقيلة وتعيق تدفقها مما يتسبب في تلوث واسع النطاق للدلتا في الدلتا.

وعلى الرغم من انه لا تزال آثار إعادة استخدام المياه على زيادة مستويات تلوث التربة غير مدروسة بشكل كافي، إلا ان زيادة التلوث على نطاق واسع يمكن أن يؤدي إلى الإضرار بجودة ونوعية المياه والتربة، وبالتالي الاضرار بإنتاج المحاصيل الزراعية، مما يؤدي إلى تفاقم الأمن الغذائي في البلاد ويزيد من مخاطر التعرض للأمراض المرتبطة بالمياه.

ومن المتوقع أن زيادة إعادة استخدام مياه الصرف الصحي والزراعية في الري للتخفيف من آثار العجز المائي الناتج عن السدود المقامة في اعلى النيل تساهم بشكل سريع في زيادة تلك الملوثات.

وطبقا لذلك إذا لم يتم التعامل مع تلك الملوثات وإدارتها بالطرق المناسبة سوف تؤثر بصورة سلبية على المستقبل الاجتماعي والاقتصادي والبيئي لأكثر من 50 مليون نسمة في واحدة من أكبر دلتا الأنهار وأكثرها عرضة للتأثر بالتغير المناخي في العالم.

تنوع مستوى التلوث بالمعادن الثقيلة
تنوع مستوى التلوث بالمعادن الثقيلة

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading