د.رفعت جبر: الإرهاب الاقتصادي على مصر وضرورة التحول إلى الاقتصاد المرن
رئيس قسم التقنية الحيوية - كلية العلوم جامعة القاهرة
فى ظل تراجع اللجوء إلى الإرهاب العسكري عالميا، بدأ استخدام الإرهاب الاقتصادي بهدف تعطيل وتدمير الخطط والبرامج والمشاريع الإنمائية الاقتصادية، وضرب البنى التحتية في الدول والمجتمعات النامية لعرقلة نهوضها، وضمان تبعيتها والحيلولة دون استقلالها اقتصاديا وسياسيا.
وقد تجلي الأمر عالميا، حينما دخلت أمريكا الحرب العالمية الثانية لدعم دول الحلفاء اقتصاديا، وكانت النتيجة رهيبة حيث تم استخدام القنابل الذرية فى هيروشيما وناجازاكي مخلفة الخراب والدمار والقتل لملايين الأشخاص، ويستمر الغرب فى إرهابه الإقتصادي بفرض عقوبات على الصين وروسيا مؤخرا فضلا عن إشعاله لحرب روسيا- أوكرانيا.
ولم تسلم منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة ومصر بصفة خاصة من الإرهاب الإقتصادي، والذي يحدد وضع مصر ولايريد لها النهوض أو الغرق، بل يريدها طافية لتحقيق مصالحه، وخاصة بعد فوز الرئيس السيسي بأول انتخابات رئاسية بعد سنة من حكم الإخوان واطلاقه مشروعات عملاقة فى كل إتجاه (المدن الجديدة وسيناء والتنمية والتصنيع والزراعة واللوجستيات والطاقة…. إلخ)، فضلا عن تطوير وتحديث الجيش المصري بشكل يمكنه من حماية الأمن القومي المصري والعربي والإقليمي والتدخل فى الملفات السياسية في سوريا والعراق واليمن وليبيا والسودان وفلسطين وغيرها.
ولا جدال أن مقاومة الإرهاب العسكري أسهل بكثير من مقاومة الإرهاب الإقتصادي، حيث أن النوع الأول يسهل تمييزه عددا وعدة والتعامل معه، أما الثاني فهو أمر أكثر تعقيدا وأخبث نهجا، حيث يتم ربط العمليات المالية والعملة المحلية بالدولار الأمريكي الأخضر، وذلك لإخضاع الحكومات وضمان الهيمنة على دول العالم النامي.
وتتجلى هذه الصورة بشكل واضح في حالة إستنفار غربي برأس حربة أمريكية، لقيادة الإرهاب الاقتصادي ضد مصر لإجبارها على قبول الأمر الواقع بتهجير أهل غزة إلى سيناء.
هذا وقد أكدت مصر كذلك أن أية محاولات أو مساعي لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم ستبوء بالفشل، وأن الحل الوحيد للأوضاع الراهنة يتمثل في حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967م، وعاصمتها القدس الشرقية.
ومختصر القول: أن مواجهة الإرهاب الإقتصادي ليس له حل إلا عن طريق تكاتف دول العالم العربي والإسلامي، والعالم الحر، لمقاومة هذا النوع الأخبث من الإرهاب قبل أي نوع آخر عن طريق الجهاد الإقتصادي أولا وهو ما أمرنا الله سبحانه وتعالي فى مواضع عدة من القرآن الكريم، حيث قدم الجهاد بالمال عن الجهاد بالنفس (وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم).
وحري بنا أن نذكر: إن تدهور الأمن الاقتصادي يؤثر على الأمن القومي بالسلب، ويحتاج الى وقفة جادة لدراسة التحديات التي تقابل الاقتصاد المصري ومن ثم الأمن القومي، حيث أن الأمن الاقتصادى مفتقد لدى شريحة كبيرة من المواطنين بسبب الفقر وانخفاض الدخل والجهل، مع التركيز على العلاقة الوثيقة بين الأمن القومى والأمن الاقتصادى.
وعلينا أن نكون منصفين ونقر بأن التهديدات التي تؤثر على الأمن القومي لاتأتي من الخارج فقط، بل منبعها الداخل أيضا، كنتيجة حتمية لسوء السياسات التي تؤثر على التعليم والصحة والصناعة والغذاء، وجميع المجالات الاقتصادية، وعدم تكافؤ الفرص والتمييز وغياب العدالة الإجتماعية التي تؤدي بدورها لرفع نسب البطالة.
والتسليم بأن الفيصل فى تأثير التهديدات الخارجية والداخلية هو ما يُسمى “حد الخطر”، الذي تتحول بعده مشكلة عادية إلى مشكلة أمنية، وقد رأينا هذا تطبيقا فعليا حينما تراكمت المشكلات التي واجهها المجتمع المصري على مدار العقود الأربعة الماضية وكانت سببا تلقائيا لقيام ثورة 25 يناير 2011م.
ولذلك حرصت مصر على انتهاج سياسة جديدة تخولها من تحديد الأسباب التي تجعل من مصر بيئة مواتية للاستثمار وتعمل على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية من أجل تحقيق إقتصاد مرن وسياسات نقدية مرنة وذلك من خلال:-
1- تنفيذ برنامج طموح للإصلاح الاقتصادى منذ عام 2016م تضمن إصلاحات مالية ونقدية تهدف إلى تحقيق معدلات نمو متسارعة ومستدامة، وتحقيق التنمية الشاملة لمصر حيث وضع هذا البرنامج حلولاً جذرية لمشكلات اقتصادية هيكلية كان يعاني منها الاقتصاد المصرى لسنوات طويلة. ويأتى تنفيذ محاور هذا البرنامج فى إطار رؤية مصر 20- 30 والتى تعكس الخطة الاستراتيجية طويلة المدى للدولة لتحقيق مبادئ وأهداف التنمية المستدامة فى كل المجالات، وتوطينها بأجهزة الدولة المصرية المختلفة.
2- تنفيذ المرحلة الأولى من برنامج الإصلاح الاقتصادى خلال الفترة من عام 2016م حتى إبريل 2021م، وقد تضمنت هذه المرحلة إجراء إصلاحات مالية ونقدية تهدف إلى تحقيق معدلات نمو متسارعة ومستدامة، وتحقيق التنمية الشاملة لمصر حيث وضع هذا البرنامج حلولاً جذرية لمشكلات اقتصادية هيكلية كان يعاني منها الاقتصاد المصرى لفترات طويلة.
3- إطلاق المرحلة الثانية من برنامج الإصلاح الاقتصادى التى تختص بالإصلاحات الهيكلية في إبريل 2021م، وتمتد على مدى ثلاث سنوات بعد أن أكملت المرحلة الأولى التي استهدفت معالجة اختلالات السياسات النقدية والمالية.
ويستهدف البرنامج للمرة الأولى القطاع الحقيقي بإصلاحات هيكلية جذرية وهادفة، وسوف تسهم تلك الإصلاحات في زيادة مرونة الاقتصاد المصري، ورفع قدرته على امتصاص الصدمات الخارجية والداخلية، وتحويل مسار الاقتصاد المصري إلى اقتصاد إنتاجي يتمتع بمزايا تنافسية مما يدعم قدرته على تحقيق النمو المتوازن والمستدام.
4- مساهمة برنامج الإصلاح الإقتصادى في تحقيق نتائج إيجابية تمثلت في زيادة معدلات النمو الإقتصادى، وزيادة الإستثمارات المحلية والأجنبية، وزيادة نسب التشغيل، وتراجع معدلات البطالة والتضخم.
كما ساهم تنفيذ محاور هذا البرنامج في تعزيز قدرة الإقتصاد المصري علي مواجهة التداعيات السلبية لأزمة إنتشار فيروس كورونا وأزمة الحرب الروسية الأوكرانية، حيث نجحت الإجراءات الإحتوائية التى اتخذتها الحكومة المصرية، وإدارتها الرشيدة لهذه الأزمات، والتنفيذ المتقن للبرنامج الإصلاحي في الحد من الأثار السلبية لها.
5- تطبيق العديد من الإصلاحات التشريعية والمؤسسية الاستثمارية في مصر وخاصة في السنوات القليلة الماضية بهدف تيسير وتبسيط الإجراءات على المستثمرين، مما ساهم في تحقيق نتائج إيجابية في مجال تأسيس الشركات من حيث الوقت والتكلفة وعدد الإجراءات اللازمة لبدء النشاط.
ورغم كل تلك الإجراءات، لم يحالف التوفيق مصر فى الخروج من أزمتها المالية والإتجاه إلى الإقتصاد المرن وذلك للعديد من الأسباب، كان من أهمها: خروج استثمارات بلغت أكثر من 20 مليار دولار وتباطؤ الصناعات وقرارت حكومية متضاربة، وجشع وفساد داخلي، وصراعات عسكرية ومؤمرات تحيط بمصر من جميع الجهات وتراجع السياحة وتعطيل قناة السويس، مع إرهاب إقتصادي متعمد، تضافرت جميعها للحد من النمو وزيادة التضخم والبطالة وأدت فى النهاية إلى نقص الدولار وارتفاع الأسعار بصورة غير مسبوقة.
وفي المقابل، تبذل دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، جهودا حثيثة نحو الإقتصاد المرن، وقد عززت فعاليات مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار إلى التحول إلى الاقتصاد المرن لمواجهة تحديات الأزمات، والذي تم انعقاده بتاريخ 8 فبراير 2024م بالرياض.
وذلك من أجل وضع تصور واقعي لحاضر ومستقبل العملات الرقمية المشفرة وبورصة العملات الرقمية (الكريبتو)، من خلال تفاؤل حذر لاقتصاد قادم مرن، يرتكز بقوة على اللامركزية لمواجهة تحديات الاقتصادات التقليدية كالتضخم ونقص السيولة.
وقد أكد المشاركون أن هناك حاجة ماسة لإنشاء آليات حكومية وإقليمية لتنظيم أعمال مراكز التشفير العالمية، بهدف تنظيم العملات المشفرة من خلال طرق منظمة، تضمن حماية المستهلك، وتعزز من تواجد أسواق قائمة على العملات المشفرة بنفس الشفافية والمصداقية الموجودة بنظم الإقتصاد التقليدي، هذا مع الإقرار فى ذات الوقت بأن أكثر الأسواق الناشئة نموا سريعا تعتمد على الأصول والعملات المشفرة، مع بيان أن الكريبتو هو طريقة للبحث عن الحرية الاقتصادية ومحاربة التضخم واضطراب العملات، واقتحامه لعدد من المجالات الرقمية والعقارية والأسواق المالية.
علما بأنه من المفيد في الوقت نفسه ضرورة العمل على آليات لتطوير الاقتصاد ليكون هناك عمق في الأسواق الناشئة مع توقع مستقبلي بأن تحل العملات المشفرة محل العملات التقليدية.
وقد أكد الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة مينا كتاليست: أن مستقبل العملات الرقمية سيكون باهرا، غير أنه لا بد من العمل على تحسين الثقافات المالية العامة مع إتباع بعض النصائح المالية التي تجنب الوقوع في بعض الأخطاء التي تؤدي إلى الفشل، مع أهمية وضع الآليات والاستراتيجيات الحيوية، حيث أنه في غالب الأحيان لا تكون القوانين كافية، وربما لا تعزز تأمين الأسواق المالية الرقمية.
وتقدر العملات المشفرة عالميا بقيمة 1.7 تريليون دولار من خلال استثمارات التشفير الجماعية، بالإضافة إلى محفظة للعملات المشفرة، وتبادل العملات المشفرة التي تدعم بيتكوين وبيتكوين كاش وإيثريوم.
وشددت الجلسة التي شارك فيها كل من سام بلاتيس، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة مينا كتاليست، وعلا دودين، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة بيت أواسيس وميشيل ريتر، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة استيل بيرلوت مانيشمينت، وروينفادي سوان مونغكول، الأمين العام للجنة الأوراق المالية والبورصات في تايلاند، ويدي لاش، منتج تنفيذي ومضيف مشارك في شركة جلوبال جولسكاست، على أن الحكومات في جميع أنحاء العالم بدأت تدرس إمكانية تنظيم تقنيات التشفير، وبحث سبل التقديم أو الاندماج في الأسواق الجديدة أو القائمة.
وأكد الأمين العام للجنة الأوراق المالية والبورصات في تايلاند، أن بلاده حققت تقدما كبيرا في سوق الأسهم أكثر من الأسواق التقليدية، مبينا أن أعداد المستثمرين في سوق العملات الإلكترونية المشفرة ازداد خلال الأعوام الأربعة الأخيرة إلى 3 ملايين وفي طريقه ليبلغ عددهم إلى 4 ملايين، مشيرا إلى أن بلاده تقدم الكثير من التسهيلات للمستثمرين، وتحفز الشباب لتحمل المخاطر واستغلال السوق.
وأكد المسؤول التايلاندي على ضرورة التشريع والتنظيم لتجنب عدم استقرار الأسواق المالية ومواجهة مجرمي الأسواق الرقمية، مشددا في الوقت نفسه على أهمية مواجهة المخاطر، وإشاعة ثقافة البيانات ذات الصلة والتعريف بأن المجال الرقمي آمن لدى القطاعين العام والخاص، مع أهمية التركيز على التعليم والبرامج التعليمية للثقافة الرقمية للجميع.
ولم يبتعد كثيرا عن الطرح السابق، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة بيت أواسيس، كثيرا عما تم طرحه من قبل المشاركين في الجلسات الحوارية، مؤكدا على مستقبل الكريبتو، ودخوله في العديد من المجالات والقطاعات، ومشددا على أهمية إيجاد حلول لإقصاء ومنع المجرمين المنتهكين للخصوصية الرقمية من محاولة اللعب في ساحة العملات الرقمية المشفرة، بعيدا عن الاعتماد على التشريعات والقوانين التي ربما لا تكفي لحماية عملاء سوق العملات الإلكترونية.
كما أكد المهندس سعد الخلب، الرئيس التنفيذي لبنك التصدير والإستيراد السعودي: أن الهدف الرئيسي في المملكة هو ضمان تأمين الصادرات السعودية ودعم التجارة العالمية والمشروعات طويلة الأمد العالمية، مضيفاً بقوله إن المهام الأساسية للبنك تتمثل في تقديم الائتمان اللازم للصادرات وتسهيل الصادرات وتطوير المؤسسات المالية من خلال دعم الحكومة للتجارة الخارجية.
وأشار إلى أنه لا يوجد أي تراجع للاقتصاد السعودي سواء خلال جائحة كورونا أو التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الفائدة؛ لأن المملكة تمتلك منظومة قادرة على التدخل، وتقديم الدعم اللازم للأنشطة التجارية والمعاملات العابرة للحدود.
وأفاد المهندس الخلب بأنه في عام 2020م وخلال جائحة كورونا تمت الموافقة على دعم الصادرات السعودية بـ20 مليار ريال، وتغطية المخاطر.
وأوضح أن المملكة لديها المبادرة الخاصة بالخدمات اللوجيستية؛ لتمكين التجارة العالمية من خلال استخدام القدرات لأن الموقع الجغرافي للمملكة يعد مركزاً استراتيجياً يربط ثلاث قارات مع وجود منظومة متكاملة مترابطة مع أفريقيا.
وأشار إلى أن البنوك الاستثمارية والمؤسسات المالية تحولت إلى بنوك داعمة للصادرات والتجارة، وأن رؤية المملكة 20- 30 مستمرة في التوسع مما جعل المملكة مركزاً لوجيستياً لدعم العالم إلى جانب الاستراتيجيات الأخرى.
وأيضا تطرقت الجلسة إلى الاستفادة من تكلفة سوق رأس المال مع التكلفة المنخفضة للمعاملات، والوفرة العالية للمعلومات والأمان العالي، إضافة إلى التحديات الصعبة التي تواجهها البنوك والمؤسسات المصرفية، وكذلك الرغبة الجادة لتجاوز الأزمة المالية العالمية.
وتناول المشاركون في الجلسة سبل توظيف الذكاء الصناعي، والتطور التقني في الخدمات التي تقدمها البنوك والشركات المصرفية، كما تحدثت الجلسة عن منصات المصارف التي تقدم من خلالها منتجات صديقة للبيئة، والحوكمة، وازدياد حجم البنوك الرقمية بنسبة 50 في المائة بعد جائحة كورونا، وبروز قطاع التقنية المالية، وجودة الأصول، وطريقة الرهن العقاري.
من ناحية أخرى، تناولت جلسة رأس المال الجريء ومقوماته: النمو ومنظومة الأسواق الناشئة، إضافة إلى عودة الصين للاقتصاد العالمي عقب جائحة كورونا، وطموحات الشباب.
والحقيقة أن هذا المؤتمر طرح الكثير مما تستطيع مصر الإستفادة منه، جنبا إلى جنب مع الرؤية المصرية، مع الأخذ فى الإعتبار أن الإرهاب الإقتصادي سوف يطول الجميع فى حال عدم الإتحاد والإستفادة من التجارب الإقليمية والعالمية (بريكس، وقد نفرد مقالا متخصصا عنها قريبا)،والتوأمة والتعاون المستمر والتنمية المستدامة ومجابهة المخاطر المحتملة مع تعزيز التبادل التجاري بالعملات المحلية للحد من نفوذ الدولار وتهميش دور الإرهاب الإقتصادي.
حمي الله مصر، والعرب والشعوب المحبة للسلام والتعاون، وألهم قيادتها السياسية الرشاد والسداد.





