د.رفعت جبر: من يملك مفاتيح الذكاء الاصطناعي؟ صراع تشريعي بين الشرق والغرب
أستاذ ورئيس قسم التقنية الحيوية- كلية العلوم- جامعة القاهرة
في عصر الذكاء الاصطناعي، لم يعد السؤال هو: “هل يمكننا استخدام التكنولوجيا؟”، بل أصبح: “هل نملك الشجاعة لوضع القوانين التي تحمينا من عبقريتها وتفاوضنا سياسيًا مع التكتلات العالمية؟”
لقد أصبح الذكاء الاصطناعي (AI) القوة الدافعة للتحولات الاقتصادية الكبرى، وبات يمثل وعدًا بتحقيق طفرات إنتاجية ومعالجة تحديات مناخية مستعصية.
لكن بين طموحنا المشروع لركوب هذه الموجة، وخطر الانزلاق إلى تبعية تكنولوجية جديدة، يقف جدار واحد: الإطار التشريعي.
المشكلة الحقيقية ليست في غياب التكنولوجيا، بل في غياب الحوكمة (Governance) القادرة على تكييف هذه التكنولوجيا مع مصالحنا الوطنية.
والسؤال الجوهري اليوم: هل تدفع التكتلات العالمية حقًا نحو الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، أم أنها تعيد إنتاج سيناريو “حظر نقل التكنولوجيا” القديم ولكن بعباءة رقمية جديدة؟
أولًا: صراع التنظيم.. هل العالم متناغم أم منقسم؟
النظرة المتفحصة للساحة العالمية تكشف أن التناغم المزعوم حول “أخلاقيات الذكاء الاصطناعي” ليس سوى قشرة تخفي تنافسًا شرسًا، يتجسد في تناقض الرؤى بين الغرب وتكتل بريكس.
• هيمنة الغرب (الأولوية للشركات): يقود الغرب، ممثلًا بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، سباق وضع القواعد. بينما يركز الاتحاد الأوروبي على القيود الصارمة في “قانون الذكاء الاصطناعي” (AI Act) لحماية مواطنيه، تتبنى واشنطن نهجًا يشجع “الابتكار أولًا” لشركاتها العملاقة. الهدف المشترك هنا هو الحفاظ على التفوق التقني العالمي والسيطرة على المعايير التي سيعمل بها الذكاء الاصطناعي في كل مكان.
• تحدي بريكس (الأولوية للسيادة): يقدم تكتل بريكس (BRICS) رؤية مختلفة، يغلب عليها التركيز على السيادة التكنولوجية والتعاون بين أعضائه لتطوير بدائل تكنولوجية وأطر تنظيمية مشتركة.
تهدف دول مثل الصين وروسيا والهند إلى تطوير نماذجها الخاصة التي تتوافق مع أولوياتها السياسية والاقتصادية، مثل السيطرة المركزية على البيانات في الصين، لتفادي فخ التبعية للتقنية الغربية.
هذا التباين ليس مجرد خلاف فلسفي، بل تحديد لمعايير القوة والسلطة. فعندما تستورد الدول النامية نماذج الذكاء الاصطناعي، فإنها تستورد معها القيم والتحيزات وخطوط السيطرة المضمّنة في تشريعات الدول المصدّرة.
ثانيًا: فخ حظر النقل الرقمي والتبعية المناخية
لطالما كان نقل التكنولوجيا نقطة احتكاك بين الشمال والجنوب. واليوم، تتجسد تجربة “حظر نقل التكنولوجيا” في صورة جديدة، تتمثل في التحكم في الوصول إلى الرقائق المتقدمة والبيانات الضخمة والأطر التنظيمية المعقدة.
الخطر الأكبر هو أن تتحول الدول النامية إلى مجرد “سوق تجريبية” للذكاء الاصطناعي. نُسمح باستخدام تطبيقاته لرفع الكفاءة،
لكن يُحظر علينا الوصول إلى الأكواد المصدرية أو القدرات الحسابية العملاقة أو التكنولوجيا المزدوجة الاستخدام، مما يُبقينا على هامش صناعة القرار والابتكار.
هذه التبعية لا تؤثر فقط على الطموح الاقتصادي، بل تمتد إلى البصمة المناخية. فبينما نتبنى الذكاء الاصطناعي من أجل “الأخضرنة”، تبقى مراكز البيانات التي تديره، وكفاءة الخوارزميات المستخدمة، خارج سيطرتنا التنظيمية.
نحن ندفع التكلفة البيئية (الطاقة والمياه) لنمو لا نملك قواعده بالكامل، وهو ما يُعرف بـ البصمة الكربونية الرقمية.
ثالثًا: خارطة طريق للسيادة التشريعية
مواجهة هذا التحدي تتطلب أكثر من مجرد إصدار قوانين، بل تتطلب بناء مناعة تشريعية وسيادية على ثلاثة مستويات:
-
تشريع البيانات أولًا (السيادة): وضع تشريعات صارمة وواضحة لـ “سيادة البيانات”، تُحدد آليات تخزين البيانات الحيوية ومعالجتها داخل الحدود الوطنية، بما يضمن أن الذكاء الاصطناعي يُبنى على بيانات تعكس واقعنا وقيمنا.
-
التنظيم الذكي والمرن (الكفاءة): تبني نهج “التنظيم القائم على المخاطر”، مع فرض قواعد صارمة على القطاعات الحيوية كالأمن الغذائي والطاقة والصحة، وبأطر مرنة قابلة للتحديث السريع لمواكبة التطور التقني.
-
المعايير الخضراء الإلزامية (المناخ): فرض معايير واضحة لكفاءة الطاقة واستهلاك المياه على مراكز البيانات والمنصات الرقمية الكبرى، وربط منح التراخيص باستخدام مصادر الطاقة المتجددة، لتجنب أن تصبح الثورة الرقمية عبئًا بيئيًا إضافيًا.
خاتمة: مفتاح المستقبل في الشجاعة التشريعية
مفتاح المستقبل لا يكمن في تقليد نماذج الغرب التنظيمية أو الاكتفاء بوعود بريكس، بل في صياغة إطارنا السيادي الخاص.
إذا لم ننطلق الآن بثورة تشريعية سريعة وجريئة تُحصّن سيادتنا على بياناتنا وتُقنن بصمتنا المناخية الرقمية، فسنكتشف متأخرين أننا لم نكن نركب موجة المستقبل، بل نُبحر بمركب بلا شراع يقوده الذكاء الاصطناعي نحو وجهة لم نخترها، وبتكلفة سندفعها نحن والأجيال القادمة من رصيدنا الاقتصادي وموارد كوكبنا.
إن السيادة الرقمية هي وجه العملة الآخر للأمن القومي الحديث.





