د.رفعت جبر: روبوتات الخلود النانوية.. حلم ومخاطر 2040
رئيس قسم التقنية الحيوية - كلية العلوم جامعة القاهرة
على غرار أفلام هوليود الخيالية يطالعنا العلم بتحقيق أحلاما كانت مستحيلة التحقيق في الماضي القريب! مما يجعلنا نتساءل هل يمكن في غضون 30 أو 40 عاما، أن يكون لدينا آلات مجهرية تنتقل عبر أجسامنا، وتصلح الخلايا والأعضاء التالفة، وتقضي على الأمراض بشكل فعال، وهل يمكن أن نستخدم تلك التقنية المسماة بتقنية النانو أيضا لدعم ذكرياتنا وشخصياتنا؟
ولعلنا نجد الإجابة على هذا التساؤل الغريب من خلال التصريحات الإعلامية لعالم الكمبيوتر الأمريكي رايموند كورزويل (Raymond Kurzweil) والمولود في 12 فبراير 1948م وأراءه في مستقبل علم الوراثة وتكنولوجيا النانو والروبوتات، والتي أثارت جدلا علميا واسعا ولكنها أخذت على محمل الجد لأن صاحبها قد عمل مع مجلس علوم الجيش في عام 2006م لتطوير نظام استجابة سريعة للتعامل مع احتمال إساءة استخدام التكنولوجيا الحيوية، فضلا على أنه عضو في قاعة مشاهير المخترعين وحاصل على الميدالية الوطنية للتكنولوجيا.
وقد أوضح أن نفس التقنيات التي تمكننا من إعادة برمجة علم الأحياء بعيدا عن السرطان وأمراض القلب، يمكن أن تستخدم من قبل الإرهاب البيولوجي لإعادة برمجة فيروس بيولوجي ليكون أكثر فتكا وسرعة وخفيا. ومع ذلك، فهو يقترح أن لدينا الأدوات العلمية للدفاع بنجاح ضد هذه الهجمات، على غرار الطريقة التي ندافع بها ضد فيروسات برامج الكمبيوتر.
وقد أدلى بشهادته أمام الكونجرس حول موضوع تكنولوجيا النانوـ حيث ادعي أن تكنولوجيا النانو لديها القدرة على حل المشكلات العالمية الخطيرة مثل الفقر والمرض وتغير المناخ.
لا يمكن وقف التقدم
وبالرغم من أنه نبه إلى المخاطر الشديدة المحتملة لتقنية النانو، إلا أنه تبني رأيا علميا مفاده أنه لا يمكن وقف التقدم لأن ذلك يتطلب نظاما شموليا، وأي محاولة للقيام بذلك من شأنها أن تدفع التقنيات الخطرة إلى الإرهاب وعلمائه اللذين يعملون تحت الأرض وتحرم العلماء المسؤولين من الأدوات اللازمة للدفاع عن الإنسانية.
وقد ذكر أنه لتجنب المخاطر مثل النسخ غير المقيد للروبوتات النانوية، نحتاج إلى التخلي عن المستوى الصحيح وإعطاء الأولوية القصوى لدينا للتقدم المستمر للتكنولوجيات الدفاعية، والبقاء في طليعة التقنيات المدمرة.
وينبغي أن تتضمن الاستراتيجية الشاملة عملية تنظيمية مبسطة، برنامج عالمي لرصد مسببات الأمراض البيولوجية غير المعروفة أو المتطورة، وكيفية التحكم فيها والسيطرة، مع زيادة الوعي العام، والتعاون الدولي، واستكشاف البرمجيات، وتعزيز قيم الحرية والتسامح واحترام المعرفة والتنوع.
وقد اشتد الجدل بعد تصريحاته، عندما صرح بأن المواليد ما بين أعوام 2040- 2050م قد يكونون قريبين من تحقيق حلم الخلود الأبدي، وقد اعتبر قوله هذا ضربا من الخيال، إلا أنه قد أوضح مقصده من أن التقدم السريع في تكنولوجيا النانو يعني أن الحالة البشرية ستتحول إلى تعاون أكثر بين الإنسان والآلة، حيث تتدفق الروبوتات النانوية عبر مجاري الدم البشرية وفي النهاية تحل محل الدم البيولوجي.
قد يبدو هذا وكأنه جزء من فيلم خيال علمي، لكن كورزويل، يقول إن البحث الذي يتم إجراؤه جيدا اليوم يقود إلى وقت تم فيه الجمع بين تقنيات النانو المختلفة، وسوف تقضي التكنولوجيا الحيوية على السرطان ومرض الزهايمر والسمنة ومرض السكري والشيخوخة.
وأضاف أن التقدم في صناعة الروبوتات النانوية سوف تستكشف الأعضاء والخلايا التي تحتاج إلى إصلاحات وتصلحها ببساطة، وبالتالي سيؤدي ذلك إلى تحسن وقوة صحتنا وطول العمر.
بالطبع، سيظل الناس يتعرضون للصاعقة أو تصدمهم الحافلة، ولكن سيكون من الممكن إصلاح المزيد من الصدمات.
إذا كانت الروبوتات النانوية تسبح في الدم البيولوجي أو تحل محله، فيمكن عندئذٍ التئام الجروح على الفور تقريبا، إعادة نمو الأطراف وقد يمكن مثلا الوصول إلى الذكريات والشخصيات التي تم نسخها احتياطيا بعد إصابة في الرأس.
النبوءات تتحقق
اليوم، تتحقق بعض هذه النبوءات في بعض مراكز الأبحاث المتقدمة حول العالم، على سبيل المثال: يستخدم الباحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بالفعل الجسيمات النانوية لتوصيل جينات قاتلة تكافح السرطان في المراحل المتأخرة.
وقد أفادت الجامعة مؤخرا بأن سرطان المبيض في الفئران والذي يعد من أكثر الأنواع انتشارا وفتكا للفئران، قد تم القضاء عليه عن طريق استخدام تقنية النانو.
وفي وقت سابق من هذا العام، أفاد علماء في جامعة لندن باستخدام تقنية النانو لتفجير الخلايا السرطانية في الفئران بجينات “تحطيم الورم” ، مما أعطى أملا جديدا للمرضى الذين يعانون من أورام غير صالحة للعمل.
حتى الآن ، أظهرت الاختبارات أن التقنية الجديدة تترك الخلايا السليمة سليمة وتتعامل فقط مع الخلايا السرطانية.
مع استمرار هذا النوع من العمل الآن، يقول كورزويل إنه بحلول عام 2024 سنضيف عاما إلى متوسط العمر المتوقع لدينا مع مرور كل عام.
وأضاف “الإحساس بالوقت سينفد ولن ينفد”، في غضون 15 عاما، سنعكس هذا الخسارة في متوسط العمر المتوقع. سنضيف وقتا أكثر مما هو عليه الآن “.
وفي غضون 35 إلى 40 عاما، سنكون خالدين بشكل أساسي، ويؤكد أنه لا داعي للخوف من إضافة آلات مجهرية إلى أجسامنا، حيث لن تجعلنا أقل بشرا مما نحن عليه اليوم أو قبل 500 عام.
ومع ذلك لم يخفي قلقه من استخدام تكنولوجيا النانو المتقدمة للغاية بحيث يمكنها السفر عبر أجسامنا والتأثير غير الواضح عليها حاليا. واستطرد قائلا: أن التكنولوجيا لم تكن يوما ما مدينة فاضلة، إنها كالعادة سيف ذو حدين وكان ذلك دائما منذ اكتشاف النار لأول مرة.
وحذر من أن الروبوتات النانوية ستكون ذاتية التكرار وسيتعين على المهندسين تسخير واحتواء هذا النسخ المتماثل “يمكن أن يكون لديك بعض الروبوتات النانوية ذاتية التكاثر والتي يمكن أن تخلق نسخا من نفسها .
وفي النهاية، في غضون 90 تكرارا، يمكن أن تلتهم الجسد الموجود فيه أو كل البشر إذا أصبح وباء غير بيولوجي”.
الأخطار المحدقة
والحقيقة أنه كما أننا لا نستطيع إنكار فوائد تقنيات النانو المتعددة في مجالات الزراعة والصناعة والاتصالات والصحة، لا نستطيع في ذات الوقت أن ننكر الأخطار المحدقة جراء استخدام تلك التطبيقات.
ذلك حيث أن دقة حجم المواد النانوية جعلتها مؤهلة للدخول إلى الجسم بطرق عدة: الاستنشاق، الابتلاع، عن طريق الجلد ووصولها إلي الخلايا الليمفاوية والدم والدماغ، مما يجعلها مسببة للتليف الرئوي وحالات التسمم الدموي والخلوي والتهابات الدماغ، فضلا عن أنواع السرطان المتعددة.
وقد يكون من المفيد التقيد واتباع نظام إدارة المخاطر عند استخدام المواد النانوية، وذلك من خلال ثلاث مراحل متعارف عليها عالميا:-
أولا: عن طريق تحديد المخاطر ويتضمن تحديد مخاوف الصحة والسلامة الموجودة لكل من المواد النانوية والمواد السائبة المناظرة لها، مع العلم بأن مخاطر السمية هي الأهم، ولكن مخاطر انفجار الغبار قد تكون ذات صلة أيضا.
ثانيا: عن طريق تقييم التعرض الذي يتضمن تحديد طرق التعرض الفعلية في مكان عمل معين، بما في ذلك مراجعة الأماكن والمهام التي من المرجح أن تتسبب في التعرض.
ثالثا: التحكم بالتعرض ويتضمن وضع الإجراءات في الأماكن التي تُقلل أو تحد من حالات التعرض وذلك وفقا للتسلسل الهرمي للتحكم بالمخاطر.
التحكم بالمخاطر
يمكن أن يحدث التحقق المستمر من التحكم بالمخاطر من خلال مراقبة تركيزات المواد النانوية المحمولة جوًا باستخدام طرق أخذ عينات النظافة الصناعية القياسية، ويمكن وضع برنامج لمراقبة الصحة في مكان العمل.
ومع حرص الدولة المصرية على استخدام تقنيات النانو في المجالات الصناعية والزراعية والطبية ومعالجة المياه والطاقة والأغراض العسكرية، من خلال دعم العلماء والمبتكرين، خاصة أن مصر تمتلك كوادر بشرية مؤهلة لإدارة الكليات.
ولذلك فقد سعت جامعة القاهرة لإنشاء كلية النانوتكنولوجي (مع توقيع اتفاقية تعاون علمي مع جامعة هيروشيما لإنشاء درجة علمية مزدوجة لمنح البكالوريوس في مجال تكنولوجيا النانو)، وقسم التقنية الحيوية بكلية العلوم بجامعة القاهرة (برنامج علوم العمليات الحيوية والمواد الحيوية) وكلاهما منشأين حديثا باعتبارهما من وظائف المستقبل، وقد حرصت إدارة الجامعة لدعم وإنشاء برامج البكالوريوس والدراسات العليا والمعامل المعتمدة وتوفير الإمكانيات المادية والبشرية.
وربما من المفيد أن أختم هذا المقال بتقرير سوق التكنولوجيا النانوية العالمية (حسب المكونات والتطبيقات) والتوقعات بأن السوق العالمي لتكنولوجيا النانو سوف يتجاوز سقف 125 مليار دولار عام 2024م وذلك حسب موقع: Research and Markert.com.




