د.رفعت جبر: بريطانيا أمام اختبار تاريخي.. الاستقلال والطاقة والمناخ يعيدون رسم الخريطة
عضو المجلس الأعلى للثقافة- أستاذ التقنية الحيوية بكلية علوم القاهرة
تشهد التوازنات التاريخية في شمال غرب أوروبا لحظة فارقة قد تعيد رسم الخريطة السياسية والبيئية لجزر بريطانيا برمتها. إن اجتماع قادة اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية على طاولة واحدة للتوقيع على إعلان مشترك يطالب بحق تقرير المصير، لا يمثل مجرد تصعيد سياسي عابر، بل يُعد أشبه بهزة أرضية تضرب أركان الاتحاد القائم منذ قرون.
وقبل الخوض في هذا الصراع الدستوري، يصبح من الضروري فهم التمايز الجغرافي والسياسي داخل الاتحاد؛ فـإنجلترا ليست هي المملكة المتحدة. إنجلترا بلد واحد من بلدان المملكة المتحدة، وتقع في جنوب جزيرة بريطانيا العظمى، وعاصمتها لندن، بينما تشير المملكة المتحدة إلى دولة ذات سيادة أوسع تضم أربعة بلدان رئيسية هي: إنجلترا، واسكتلندا، وويلز، وأيرلندا الشمالية.
وهذا التمايز هو ذاته حجر الزاوية الذي تتكئ عليه الأقاليم الثلاثة لتأكيد حقها في تحديد مصيرها السياسي وسيادتها على مواردها الطبيعية.
الشرارة والتحول التاريخي نحو التفكك
لم تكن هذه الخطوة الموحدة وليدة المصادفة، بل جاءت نتيجة سلسلة من التطورات والتخبطات السياسية في لندن:
تراجع أندي بيرنهام والتصعيد: أثار تراجع رئيس الوزراء أندي بيرنهام عن تصريحاته الأولية الصريحة تحت قبة البرلمان بشأن إمكانية فتح باب الاستفتاء في اسكتلندا موجة غضب عارمة؛ إذ اعتُبر هذا التراجع بمثابة إغلاق للتفاهمات السياسية، مما دفع القوميين في إدنبرة وكارديف وبلفاست إلى التكتل السياسي لأول مرة في التاريخ.
إعلان جبهة موحدة: إن المطلب الجماعي بإجراء استفتاءات استقلال لاسكتلندا وويلز، إلى جانب وحدة أيرلندا الشمالية مع جمهورية أيرلندا، ينقل حراك الاستقلال من مطالبات إقليمية فردية ومشتتة إلى جبهة موحدة وشاملة تقوض سلطة وستمنستر.
المأزق الدستوري والقانوني: تكمن الأزمة الحقيقية في أن إجراء أي استفتاء شرعي يتطلب موافقة البرلمان المركزي في لندن، وهو ما ينذر بمواجهة قانونية وسياسية واسعة إذا أصرت الأقاليم على تسريع وتيرة تقرير المصير.
الصراع على الموارد والمستقبل الأخضر.. البُعد البيئي والغذائي
إن المعركة الحقيقية التي تغفلها الشاشات السياسية هي المعركة على الجغرافيا الاقتصادية والبيئية:
السيادة على طاقة بحر الشمال: يقع الجزء الأكبر من حقول النفط في بحر الشمال ومشروعات طاقة الرياح البحرية المتقدمة في المياه الاسكتلندية. وترى إدنبرة أن لندن تستغل هذه الموارد لتمويل عجزها المركزي، بينما تحرم الأقاليم من قيادة تحول أخضر سريع نحو الحياد الكربوني.
الأمن الغذائي والزراعة المستدامة: تسبب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في قطع الدعم الأوروبي البيئي عن المزارعين في ويلز وأيرلندا الشمالية. وتسعى هذه الأقاليم، عبر الاستقلال، إلى إعادة صياغة سياسات زراعية خضراء ومرنة ترتبط مباشرة بالأسواق الأوروبية، وتصون التنوع البيولوجي المحلي بعيدًا عن بيروقراطية لندن.
العدالة المناخية كأداة سياسية: تستخدم الأحزاب القومية الملف البيئي كدليل إثبات على تفوقها الأخلاقي؛ إذ تتهم لندن بالمماطلة في الالتزامات المناخية الدولية، وتتخذ من «الاستقلال الأخضر» شعارًا يجذب فئات الشباب والناخبين المهتمين بالبيئة.
التداعيات الاقتصادية على أوروبا والأسواق العالمية
تجاوزت هذه التطورات حدود البُعد الداخلي لتلقي بظلالها على المشهد الاقتصادي الإقليمي والدولي:
الأثر على الاتحاد الأوروبي واليورو
استقرار عملة اليورو: نظرًا لأن المملكة المتحدة لم تعد جزءًا من منطقة اليورو، فإن التأثير المباشر على قيمة اليورو يظل محدود النطاق، بل ينحصر في تقلبات أسواق الصرف الأجنبي.
إعادة تشكيل الخريطة الأوروبية الخضراء: قد تجد أسواق الاتحاد الأوروبي فرصة استراتيجية إذا ما قررت الأقاليم المنفصلة الانضمام مستقبلًا؛ إذ ستجلب اسكتلندا معها ثروة هائلة من الطاقة المتجددة إلى التكتل الأوروبي، مما يعزز أمن الطاقة في القارة.
الأثر الاقتصادي والجيوسياسي العالمي
تراجع الجنيه الإسترليني: تضغط حالة الغموض السياسي وانعدام اليقين بشدة على قيمة الجنيه الإسترليني، وتؤدي إلى انخفاض ثقة المستثمرين الدوليين في الأصول البريطانية.
انكماش النفوذ العالمي: إن انشغال الحكومة المركزية بمعالجة التفكك الداخلي سيتسبب حتمًا في تراجع الحضور الدبلوماسي والعسكري للندن في الملفات الأمنية والاقتصادية الكبرى.
البُعد الخارجي واللوبي السياسي والموقف من غزة
تتلاقى هذه التحركات السياسية والبيئية مع حالة من التجاذب والتوتر الحاد بشأن السياسة الخارجية لبريطانيا:
التصعيد في ملف غزة: أسهم تصاعد الرفض الشعبي والانتقادات الصريحة التي وجهها وزير الخارجية للانتهاكات الإسرائيلية في غزة في زيادة التوتر السياسي وإبراز الانقسامات الداخلية.
ضغط اللوبي والأحزاب القومية: تحرص الأحزاب القومية في اسكتلندا وأيرلندا الشمالية على اتخاذ مواقف أكثر صرامة وانحيازًا للقضية الفلسطينية والقانون الدولي مقارنة بلندن، واستخدام ملف السياسة الخارجية كأداة ضغط إضافية لإثبات قدرتها على رسم سياسة مستقلة كليًا عن توجيهات الحكومة المركزية ورغبات اللوبيات الحاكمة.
نهاية حقبة وبداية خريطة بيئية وسياسية جديدة
إن المشهد الذي تتشكل ملامحه اليوم في جزر بريطانيا يبرهن على أن عقودًا من التماسك المركزي أصبحت أمام اختبار حقيقي وغير مسبوق. إن التحالف السريع بين قادة اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية ليس مجرد احتجاج عابر على تراجع حكومة أندي بيرنهام، بل هو إعلان صريح عن تآكل الرابطة الاجتماعية والسياسية والبيئية التي جمعت المملكة لقرون.
وسواء نجحت لندن في إعاقة هذه الاستفتاءات قانونيًا، أم اضطرت تحت الضغط الشعبي إلى التنازل، فإن المملكة المتحدة دخلت بالفعل مسارًا جديدًا قد ينتهي بإسدال الستار على مفهوم «التاج الموحد»، وإعادة تشكيل خريطة أوروبا السياسية والمناخية بأكملها.





