وجهات نظر

د. رفعت جبر: أوروبا ترفع راية التمرد.. الاستقلال الاستراتيجي في مواجهة ابتزاز ترامب

أستاذ ورئيس قسم التقنية الحيوية- كلية العلوم- جامعة القاهرة

“خديعة القرن”: برلين وباريس في خندق التمرد.. وهل يرقص “التنين” و”الدب” على أنقاض الناتو؟

 

لم يعد الأمر مجرد “خلاف تجاري” أو “نزوة ترامبية”، بل بات زلزالًا جيوسياسيًا يضرب أساسات النظام العالمي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية.

أوروبا اليوم لم تعد “القارة العجوز” التي تقبل الصفعات، بل بدأت برسم خطوط حمراء بالدم والسيادة في مواجهة بلطجة البيت الأبيض.

 

وفي تطور دراماتيكي شهده الأسبوع الثالث من يناير 2026، لم تعد أوروبا تكتفي ببيانات القلق، بل انتقلت رسميًا إلى “وضعية الصمود”، ومع تهديد دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية عقابية تصل إلى 25% ما لم تُبع له جزيرة غرينلاند الدنماركية، بدأت ملامح ما يمكن تسميته بـ”الاستقلال المر” في شوارع برلين وباريس.

 

1. القنابل النووية مقابل جرينلاند: المقايضة المستحيلة

 

عندما طالبت السياسية الألمانية سيفيم داجديلين برحيل القوات الأمريكية، كانت تضع يدها مباشرة على الجرح الأوروبي النازف:

 

فخ بوشيل النووي: ترفض ألمانيا أن تتحول إلى محرقة نووية في صراعات واشنطن، فالصواريخ الأمريكية المتمركزة على أراضيها لم تعد مظلة حماية، بل أصبحت مغناطيسًا لاستهداف محتمل قد يمحو البلاد من الخريطة.

 

الاستعلاء العقاري: محاولة ترامب مقايضة أمن أوروبا واقتصادها برغبته في “شراء” جرينلاند أعادت إلى الأذهان لغة استعمارية فجّة، حوّلت الحليف الأمريكي إلى خصم استراتيجي في نظر الرأي العام الأوروبي.

 

2- الكماشة الأوروبية: برلين تصرخ وباريس تخطط

 

يتضح وجود توزيع أدوار محسوب بين القوتين القائدتين للقارة الأوروبية:

 

ألمانيا: تتولى المواجهة الخشنة عبر المطالبة بطرد القواعد العسكرية الأمريكية، ردًا على ما تصفه بـ”إرهاب الرسوم الجمركية”.

 

فرنسا: يقود الرئيس إيمانويل ماكرون مشروع “الاستقلال الاستراتيجي”، مؤكدًا أن زمن التبعية العمياء لحلف الناتو قد شارف على نهايته.

 

وتدرك باريس وبرلين أن ثمن الحماية الأمريكية بات أعلى من تكلفة بناء قدرة دفاعية أوروبية مستقلة.

 

3- روسيا والصين.. المتفرجون الذين يحصدون الثمار

 

بينما يتصاعد الدخان من داخل “البيت الأطلسي”، تراقب موسكو وبكين المشهد بهدوء المنتصر:

 

الصين (التنين): تستقبل القلق الأوروبي بفتح قنوات اقتصادية أوسع، مقدمة نفسها شريكًا تجاريًا عقلانيًا في مواجهة سياسات ترامب الصدامية.

 

روسيا (الدب): ترى في الدعوات لطرد القوات الأمريكية من ألمانيا نصرًا جيوسياسيًا تاريخيًا دون إطلاق رصاصة واحدة، إذ يمثل تفكك الناتو من الداخل حلمًا استراتيجيًا طال انتظاره في الكرملين.

 

الاتحاد الأوروبي وبريطانيا: يعيشان مخاضًا عسيرًا بين خيار التحول إلى قوة سيادية ثالثة تعتمد على قدراتها العسكرية، أو التحول إلى ساحة صراع بين واشنطن وبكين وموسكو.

 

تحليل المشهد: من يغلب في النهاية؟

 

نحن أمام لعبة كراسي عالمية كبرى:

 

ترامب: يراهن على كسر الإرادة الأوروبية عبر الضغط الاقتصادي، لكنه يخاطر بخسارة أهم حلفائه التاريخيين.

 

أوروبا: تراهن على أن للاستقلال ثمنًا، لكنها تفضّل دفعه الآن بدل التلاشي غدًا.

 

الصين وروسيا: تترقبان لحظة الارتطام العظيم لتقديم نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب.

 

الخلاصة

 

ما يحدث في برلين وباريس يشبه شهادة وفاة للهيمنة الأمريكية المطلقة. فبوضع السيادة الأوروبية في كفة، والرسوم الجمركية في كفة أخرى، يكون ترامب قد كتب بيده الفصل الأخير من تاريخ حلف الناتو بصيغته التقليدية.

 

الحقيقة الكاشفة

عندما تخرج الصواريخ الأمريكية من ألمانيا، لن تدخل بالضرورة صواريخ روسية مكانها، بل قد تولد “أوروبا السيادية”، وهذا هو الكابوس الذي تخشاه واشنطن، ويتمناه كثيرون حول العالم.

وحين تطلب الحكومات الأوروبية من شعوبها تخزين الغذاء، فهي لا تخشى روسيا وحدها، بل تخشى عالمًا لم تعد فيه واشنطن حليفًا موثوقًا، بل منافسًا يبتز الجياع.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading