وجهات نظر

د.رانيا عبد المنعم: الأمن المائي والتنمية المستدامة

محاضر مواد القانون الخاص- خبير العلاقات الاقتصادية الدولية

تمس المياه جميع جوانب التنمية بشقيها الاقتصادية والاجتماعية، وترتبط ارتباط قوي بكل هدف من أهداف التنمية المستدامة ، كما أنها تعمل على دفع عجلة النمو الاقتصادي، وتساند النظم الإيكولوجية السليمة.

تشير التقارير الدولية الي ان نحو 2 مليار شخص في انحاء العالم لا يحصل على خدمات مياه شرب تُدار إدارة مأمونة، ويعاني نحو 3.6 مليارات شخص من نقص خدمات الصرف الصحي التي تُدار إدارة مأمونة.

ويعاني 2.3 مليارات شخص من نقص المرافق الأساسية وعلي جانب اخر تجتمع عدة عوامل في إمكانية الحصول على إمدادات المياه وخدمات الصرف الصحي، وتزايد عدد السكان، وأنماط النمو الأكثر استهلاكاً للمياه، وزيادة معدلات التذبذب في هطول الأمطار، والتلوث في العديد من الأماكن، لتجعل المياه واحدة من أكبر المخاطر التي تهدد التقدم الاقتصادي والقضاء على الفقر وتحقيق اهداف التنمية المستدامة.

ضمان تقاسم المياه على نحو منصف

الماء هو عصب الحياة وأساس تحقيق النمو الشامل، وهو حق للجميع، إلا أن هناك الكثيرين محرمون من منافعه، ولذا، فإن ضمان تقاسم المياه على نحو منصف ومستدام يتطلب اتباع نهج شامل، ومن الضروري أن يحصل سكان العالم وخاصة الفئات المهمشة والتي تعاني من ضعف التمثيل على احتياجاتهم من المياه بحلول عام 2050.

وتتجلى تبعات ذلك على المستويات الوطنيةن وعلى الصعيد الإقليمي والعالمي في عالمنا اليوم الذي أضحى شديد الترابط وسريع التغير بسبب تغير المناخ، وتشعر الشرائح الأشد فقراً واحتياجاً بهذه التداعيات على نحو أكثر من غيرها.

المياه صلب استراتيجيات التكيف

فان تغير المناخ يعبر عن نفسه من خلال المياه، فمن بين كل عشر كوارث طبيعية، هناك تسع مرتبطة بالمياه، وتنتقل مخاطر المناخ المرتبطة بالمياه عبر منظومة الغذاء والطاقة والأنظمة الحضرية والبيئية، وإذا أردنا تحقيق الأهداف المناخية والإنمائية، يجب أن تكون المياه في صلب استراتيجيات التكيف.

وحتى يتسنى توجيه التكيف الفعال مع تغير المناخ، ينبغي أن تعكس الأنشطة أهمية إدارة المياه في الحد من قابلية التأثر بالمخاطر وبناء القدرة على تحمل تغير المناخ، مع إعطاء الأولوية للعمل على نحو يتجاوز الإدارة المتكاملة التقليدية للموارد المائية.

وتعتمد الجهود المبذولة لخفض انبعاثات غازات الدفيئة أيضاً على توفير موارد مائية مستمرة، إذ إن جميع إجراءات تخفيف المخاطر تحتاج إلى المياه حتى يتسنى تحقيق التنمية المستدامة، ومع تشجيع الاستثمار والحلول التي تتضمن إدارة “البنية التحتية الطبيعية” – خدمات النظم الإيكولوجية التي توفرها المياه والسواحل القوية- وفوائدها في تحقيق التنمية القادرة على تحمل تغير المناخ في قطاعي الأغذية والطاقة.

بناء القدرة على تحمل تغير المناخ

وفي جانب أخر لابد من اتخاذ إجراءات واسعة النطاق لبناء القدرة على تحمل تغير المناخ من خلال الجمع بين إدارة المياه، والبنية التحتية المستدامة، والتكيف والذي تعتبر من اهم عوامل مساندة قضية الامن المائي والتنمية المستدامة .

فتعتبر المياه العنصر الأساسي للإنتاج والنمو الاقتصادي، لذا فإن تناقص إمدادات المياه يؤدي إلى تباطؤ معدلات النمو.

وقد تشهد بعض المناطق انخفاضاً في معدلات نموها بنسبة تصل إلى 6% من إجمالي الناتج المحلي بحلول عام 2050 نتيجة للخسائر المرتبطة بالمياه في الزراعة والصحة والدخل وتحقيق الرخاء.

الزراعة أشد القطاعات تضررا

فتعتبر الزراعة أحد أشد القطاعات تضررا من انعدام الأمن المائي الناجم عن تغيّر المناخ، ففي أفريقيا وآسيا، تُستخدم 85 – 90 % من المياه العذبة في الزراعة، ومن ثم يؤدي تغيّر أكثر في إمدادات المياه في هذه المناطق إلى تلف المحاصيل، وتدهور الأراضي، وانخفاض إنتاج الغذاء، مما يسبب زيادة معدلات سوء التغذية والمجاعات.

ويُعد ضمان توفير إمدادات كافية وثابتة من المياه في ظل تزايد شح الإمدادات عاملاً أساسياً في تحقيق الأهداف العالمية المتعلقة بتخفيف وطأة الفقر.

وسيساعد تعظيم الاستفادة من المياه من خلال تحسين التخطيط والحوافز في تحسين مستويات الرفاهة وزيادة معدلات النمو الاقتصادي.

ومن شأن التطبيق الجيد للأدوات الاقتصادية، مثل تصاريح المياه والأسعار، تحسين إدارة موارد المياه والإشراف عليها.

بناء اقتصاداتمقاومة للمياه

ومع ضرورة زيادة إمدادات المياه وتوافرها إن أمكن، ويشمل ذلك الاستثمارات في تخزينها وإعادة استخدامها وتدويرها وتحليتها حيثما أمكن، ويجب أن يتماشي مع هذه الإجراءات سياسات لتشجيع كفاءة استخدام المياه وتحسين تخصيص المياه.

وتأتي على قمة الأولويات بناء اقتصادات “مقاومة للمياه” للحد من أثر الظواهر القاسية ، ومن شأن تحسين التخطيط الحضري وزيادة التأمين على المحاصيل لحماية المزارعين ومشاركة المواطنين بناء القدرة على الصمود والحد من الآثار الاقتصادية لهذه الظواهر الضارة.

وللمياه أيضا أهمية بالغة في تحديد ما إذا كان العالم سيحقق أهداف التنمية المستدامة ومن الضروري أن يشهد العالم تحولاً أساسياً في كيفية التعامل في قضية الامن المائي وتقدير قيمتها وإدارتها.

وهذا يعني انه لابد من اتخاذ القرارات الصحيحة من خلال استخدام بيانات سليمة بشأن المياه وتقدير قيمة المياه ، مع الاخذ في الاعتبار عند اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية، بما في ذلك القرارات الخاصة بتسعير خدمات المياه والصرف الصحي على نحو مناسب، وكل هذا يقع تحت إدارة واتباع نُهج متكامل لإدارة الموارد المائية على المستويات المحلية والوطنية والإقليمية.

الحلول الواجبة

إن المياه لا تعرف الحدود، ومن الضروري أن تتعاون الدول للتشارك في هذا المورد الحيوي، وهو أمر حيوي لتحقيق الرفاه الاقتصادي لمناطق بأكملها.

ويعتمد أكثر من ثلاثة مليارات شخص على أحواض الأنهار العابرة للحدود للحصول على احتياجاتهم من المياه، لكن 60% من أحواض الأنهار الدولية البالغ عددها 310 أحواض في العالم تفتقر إلى أطر تحكم حل المنازعات.

ومن المتوقع أن تزداد مخاطر المناخ والتلوث، وهي مرتفعة بالفعل، في العديد من الأحواض العابرة للحدود.

ولذلك لابد من بناء مؤسسات قوية، وتنظيم الحوارات، وأنظمة معلومات يمكنها مساندة إدارة الموارد العابرة للحدود.

ونظراً لتزايد الضغوط على المصادر المشتركة لإمدادات المياه، فمن شأن بلورة اتفاقيات تعاونية أن تصب في مصلحة العالم أجمع.

ومن شأن الاستثمارات الذكية في إمدادات المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي منع حالات الوفاة غير اللازمة وإحداث تحول في حياة الناس.

ويصبح الأطفال الذين ينعمون بالصحة والعافية بالغين أصحاء قادرين على المساهمة في الاقتصاد.

ويُعد وجود التزام سياسي وقيادة، وابتكارات تكنولوجية، مع النهوض بنماذج تقديم الخدمات والتمويل ضرورياً لمساندة الحكومات حتى يتسنى لها الوفاء بالتزامها المتمثل في تحقيق الغاية من أهداف التنمية المستدامة – بحلول عام 2030″.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading