وجهات نظر

د.أماني أبوالروس: الطاقة الحرارية الجوفية.. رهان مستدام لمستقبل الطاقة النظيفة

باحث بمعهد بحوث البترول

تُعد الطاقة الحرارية الجوفية (Geothermal Energy) من أهم أشكال الطاقة المتجددة المستمدة من حرارة باطن الأرض، الناتجة عن التحلل الطبيعي للعناصر المشعة وتراكم الحرارة منذ نشأة الكوكب.

يتم استخراج هذه الطاقة من خزانات تحت سطح الأرض تحتوي على مياه ساخنة أو بخار، وتُوظف إما في توليد الكهرباء أو في التدفئة والتبريد المباشر للمباني والمنشآت الصناعية والزراعية.

وتمثل الطاقة الحرارية الجوفية خيارًا استراتيجيًا بفضل استقرارها واعتمادها غير المرتبط بالظروف الجوية، إلى جانب انخفاض انبعاثاتها الكربونية بشكل كبير، ما يجعلها عنصرًا محوريًا في مسار الانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون.

مزايا الطاقة الحرارية الجوفية


تتميز الطاقة الحرارية الجوفية بعدة خصائص تجعلها منافسًا قويًا ضمن مزيج الطاقة العالمي. فهي مصدر دائم ومستمر خلافًا للطاقة الشمسية أو طاقة الرياح التي تتأثر بالظروف الجوية.

كما أنها صديقة للبيئة بانبعاثات كربونية شبه معدومة مقارنة بالوقود الأحفوري، مما يجعلها أداة فعالة في مكافحة التغير المناخي.

إضافة إلى ذلك، فإن محطات الطاقة الجوفية تشغل مساحات محدودة نسبيًا مقارنة بمحطات الطاقة الشمسية أو الرياح، وتتمتع بجدوى اقتصادية عالية على المدى الطويل نتيجة انخفاض تكاليف التشغيل والصيانة بعد مرحلة الإنشاء.

التقنيات الحديثة وآفاق التوسع


شهدت السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في تقنيات استغلال الطاقة الحرارية الجوفية، لا سيما مع ظهور الأنظمة الجوفية المحسّنة (Enhanced Geothermal Systems – EGS) التي تسمح بالاستفادة من حرارة الصخور الجافة في أعماق الأرض حتى في المناطق الفقيرة بالموارد الحرارية الطبيعية.

وقد أسهمت تقنيات الحفر العميق والحقن الهيدروليكي في إنشاء شبكات من التشققات داخل الصخور، مما يتيح تدفق المياه وتسخينها طبيعيًا قبل رفعها إلى السطح لاستخدامها في توليد الكهرباء.

وبذلك تحولت مناطق لم تكن ملائمة سابقًا لإنتاج الطاقة الجوفية إلى مواقع واعدة للاستثمار الطاقي.

التحديات القائمة


رغم المزايا الكبيرة، تواجه هذه الطاقة تحديات عدة، أبرزها ارتفاع تكاليف المراحل الأولية من الاستكشاف والحفر العميق، والتي تتطلب استثمارات ضخمة.

كما أن هناك اعتبارات تتعلق بالسلامة الجيولوجية، إذ قد تؤدي عمليات الحقن أحيانًا إلى اهتزازات طفيفة، ما يستلزم مراقبة دقيقة وإجراءات صارمة.

علاوة على ذلك، تختلف وفرة الموارد الحرارية من منطقة إلى أخرى، حيث تتركز غالبًا في البيئات الجيولوجية النشطة مثل الحزام الناري في المحيط الهادئ وشرق إفريقيا، غير أن تقنيات EGS تقدم حلولًا واعدة لتجاوز هذه العقبة.

الدور المستقبلي في مزيج الطاقة العالمي


مع تزايد الحاجة إلى مصادر نظيفة ومستقرة، يُتوقع أن تشهد الطاقة الحرارية الجوفية استثمارات متنامية خلال العقود المقبلة.

ووفقًا لتقارير وكالة الطاقة الدولية، يمكن لهذا المصدر أن يساهم بشكل ملحوظ في إنتاج الكهرباء العالمي بحلول عام 2050 إذا توفرت السياسات الداعمة والاستثمارات الكافية. كما يزداد الاعتماد عليها في أنظمة التدفئة والتبريد، حيث تغطي نسبًا عالية من احتياجات التدفئة في دول مثل آيسلندا وألمانيا.

الفرص في العالم العربي


يمتلك العالم العربي إمكانات واعدة في مجال الطاقة الحرارية الجوفية، خصوصًا في المناطق المتاخمة للصدع الإفريقي مثل جيبوتي وإريتريا، إضافة إلى مواقع محتملة في مصر والجزائر والمغرب والسعودية.

إن استغلال هذه الموارد يمكن أن يدعم تنويع مصادر الطاقة في المنطقة، ويقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري، ويسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة وحماية البيئة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading