وجهات نظر

د.أحمد يحيي راشد: معبد أبو سمبل بين حقوق وعقوق حضارة

مؤسس ومدير معهد حقوق حضارة بأمريكا- والأستاذ بالجامعة البريطانية في مصر

من الملفات التي دائما تكون مجالا للحدال والحوار والبحث والدراسة ما بين التنمية والاستدامة، والحفاظ علي التراث ما ارتبط بالنيل وحضارة مصر في ارضها الغالية بالنوبة، وبناء سد أسوان، ثم بناء السد العالي، وبحيرة السد التي امتدت 500 كيلومتر، وبين قرار التنمية ومصر الحديثة، وسيناريوهات وتحديات في وقتها، نتفهمها بعقل وفهم قد بكون بها ما بها من إيجابيات أو سلبيات ونحاول اليوم مع واقع ومستجدات وحقوق حضارة ان يكون لها مدخلات لمستقبل مستدام.

فمن أكثر من نصف قرن كانت مصر وكان العالم في ذلك الاختبار، بين قرار بناء السد العالي، وبين مجتمعات لابد أن تهجر من مواقع عاشوا بها آلاف السنين، وحضارة بنيت وشاهدة على عظمة أجداد وحيرة بين تلك وذاك.

وبعد قرار بناء السد لبناء حضارة، كانت زيارة السفير الأمريكي ومدير متحف المتروبوليتان في نيويورك لوزير الثقافة في ذلك الوقت ثروت عكاشة لشراء واحدا أو إثنين من معابد النوبة المحكوم عليها بالغرق بعد بناء السد العالي.

وهنا كانت الومضة من الطلب والبحث عن كيف سيتم شراء المعابد ونقلها إلى الولايات المتحدة، ومع فهم عملية التقطيع والنشر والنقل ثم التركيب لتلك المعابد، كان المنطق إذا كانت هناك تقنية وآلية تسمح بذلك فلما لا يتم نقل حضارتنا من مواقع غرق إلى مواقع أمنة على أرض مصر.

وقام وقتها ثروت عكاشة من واقع المسئولية مع فريق مؤمن أنه يمكن أن يحافظ على حضارته، بالتواصل مع منظمة اليونسكو ودول وهيئات أخرى في العالم لملف يبدو مستحيلا وصعبا للتوازن بين حقوق الحضارة وحقوق النيل وجملة مخلدة قالها في نوفمبر 58: لماذا لا نمنح المستحيل فرصة كي يصبح محتملاً أو أملاً؟

Why don’t we give the impossible a chance to become possible or a hope?

د.أحمد يحيي راشد

حملة أبوسمبل 50 عاما

منذ 7 سنوات شارك مع حملة أبوسمبل 50 عاما والصديق حمدي السطوحي صاحب الحملة ، وخاطب فيها وزارات وحكومات ودول وعكف مع فنانين ومصريين شرفاء في ندوات ومؤتمرات، ونقاشات لكيف يمكن توظيف حدث عالمي متتبعا ومتبعا لكل الدراسات والمنهجيات العملية والمنطقية في الطرح والشرح.

وتم توظيف تعامد الشمس مرتين في كل عام، والدعوة لأن يكون هيكل البناء الخرساني الذي بني عليه المعبد ونقل إليه في موقعه الجديد متحفا يضم القصة والمنهج والحدث والحضارة والماضي والمستقبل والنيل.

وشاركت حملة حقوق حضارة في إحدي تلك الحملات في 2016 والتي شملت فنانين وطاقات قامت باستعادة نقل رأس رمسيس نموذجا مدروسا في احتفالية شارك فيها أكثر من وزير للآثار والثقافة والسياحة، ومحافظة أسوان والمجتمع المحلي في النوبة، ثم إحتفالية ومهرجان فنون شعبية للعديد من الدول التي شاركت منذ خمسين عام في نقل الآثار، معها كان السؤال الرئيسي هل ما حدث من 50 عام تاريخ، أم مدخل للمستقبل واستدامة بيئة تراثية متفردة في العالم.

كان ذلك الحدث من المفروض أن يوظف سياحيا وإعلاميا واقتصاديا واجتماعيا لمستقبل ونقاشات ضرورية ترتبط بالحضارة المصرية وموقعها في العالم.

د.أحمد يحيي راشد

المزيد من الأفكار والطاقات

ولكن مع كل الاجتهاد والإجهاد والحشد مع الحدث، وكأنه ذكري في ذاكرة لم تعد تتقبل المزيد من الفرص الضائعة، لملف لم يغلق بعد ويحتاج المزيد والمزيد من الأفكار والطاقات.

في تواجد ملف حقوق حضارة لمن يتربح من حضارتنا في العالم تم عرض الأفكار ومعها تساؤلات كانت واجبه مثل: هل التهديد للآثار المصرية فقط نتاج بناء السد والنيل وبحيرة ناصر، أم هناك تهديد يومي وتجريف ممنهج على الحضارة، وزحف سكاني دفنت وتدفن معه تراث إنساني عالمي لابد أن ترعاه بمسئولية منظمة اليونيسكو والأمم المتحدة والعالم أجمع، ويشارك في تكاثف في صيانته والحفاظ عليه وتمويله مهما تكلفت وتطلبت تلك المسئولية؟

أبو سمبل

أم هي مسئوليتنا ذاتياً كمصريين أن نحافظ على حضارتنا، ونكتفي أن يتمتع العالم بحضارتنا التي انتفلت إليهم في المتاحف العالمية في أزمنة وبكافة الوسائل، ويكون هناك تربحا واستفادة دون أن يكون لنا أي عائد أو مردود، يمكن مع المطالبة به الحفاظ وصيانة الحضارة في مواقعها الأصلية من الاندثار؟

في يوما تحدث ثروت عكاشة في افتتاح السد ومن بعد ذلك في احتفالية إنقاذ معابد النوبة قائلا: “إذا كنا في الجمهورية العربية المتحدة نقيم مشروع السد العالي في سبيل رفاهية مواطنينا، فإننا حريصون في الوقت نفسه على أن ننقذ آثار بلاد النوبة حماية لتراث إنساني قديم، وخدمة لعناصر الحضارة الإنسانية”.

إهداء معابد النوبة إلى الدول الصديقة

وعليه، فإن من التناقض أن من قاموا بمسئولية ملف إنقاذ معابد أبو سمبل وبكل ما فيه من دروس وتخليد وملحمة من أكثر من نصف قرن، ولهم كل الإنصاف والإشادة هم انفسهم من اتخذوا قرار من الإجحاف والإدانة والإهانة بإهداء معابد النوبة في طرحهم إلى الدول الصديقة التي ساهمت في مشروعات إنقاذها.

فتم في عام 1966 قرار ـو قرارات من رئيس الجمهورية لإهداء 5 معابد لخمس دول في العالم وهي معبد دندور لأمريكا ومعبد ديبود لإسبانيا ومعبد طافا لهولندا ومعبد الليسية لإيطاليا والبوابة البطلمية من معبد كلابشة لألمانيا وبسند وسبب انه تم إهداؤها لهذه الدول لوقوفها مع مصر في إنقاذ معابد النوبة من الغرق في مياه النيل .

مواقع تلك المعابد في الدول التي أهديت لها معبد دندور لأمريكا (متحف الميتروبوليتان في نيويورك)، معبد ديبود لإسبانيا ووضعته في أحد حدائق مدريد “ديل أويستى” بالقرب من القصر الملكي بمدريد، معبد طافا لهولندا وأعيد تركيبه في جناح خاص بمتحف الآثار بمدينة ليدن بهولندا، معبد الليسيه لإيطاليا تم نقله لمدينه تورينو الإيطالية بجوار متحف تورينو، والبوابة البطلمية من معبد كلابشة لألمانيا وهي موجودة حاليا في الجناح المصري بمتحف برلين.

تعامد الشمس على معبد ابو سمبل

عددا من الأسئلة: استدامة حضارة

سؤال ومسئوليات حقوق حضارة بين أجيال!؟ جيل من أجداد صناع الحضارة من رمسيس اختار الموقع والموضع والهدف، ثم جيل من أجداد وأباء أخذ القرار سواء في مشروع نقل أبو سمبل او التنازل عن المعابد وإهداءها، وجيل حالي يعيش في مرحلة تحديات وتغيرات وتنازلات وتساؤلات ومسئوليات منها هل استدامة تلك المعابد المهداة في المتاحف العالمية أم في بيئتها الأصلية، وكيف لم نوظف إلى الآن مشروع إنقاذ ابوسمبل في سياحة فعلية علمية عملية عالمية ومعها تنمية مستدامة في بحيرة السد، وجيل قادم من أبناء وأحفاد هم أصحاب الحقوق وملفات حقوق حضارة تتغير معها المعطيات.

أبو سمبل

نعود للسؤال؟! لم اتخذ قرارا فيه عوارا (او عارا) هل كان ذلك الإهداء مقبولاً وما قاموا به منطقياً ومحقاً، هل إهداء الحضارة والمعابد وخروجها من بيئتها الأصلية يمكن أن يتم في بلاد تحترم حضارتها؟!، هل نكتفي أن نسعد ونحن نقول إنهم سفراء لحضارتنا في تلك البلاد لو المتاحف، وإنه يتم التعامل مع حضارتنا بالاحترام والتبجيل في الخارج بدلا من مصير كان يمكن أن ينتهي بغرقهم أو إهمالهم إذا ما استمروا في مواقعهم وبيئتهم الأصلية أو أن يتم نقلهم في مصر إلى مواقع مهمشة لن يتم بروزاتها أو زيارتها على الإطلاق؟ أم يكون هناك أسئلة متعددة لا يقبل معها ما حدث ومنها السؤال الأهم أين حقوق حضارة من التربح الناتج من وجود تلك المعابد والحضارة في تلك الدول، حتى لو كانت أهديت، ولن يتم عودتها، إلا إذا ضمير تلك الدول والبعد الأخلاقي وما تجتهد فيه في حقوق حضارة والميثاق العالمي سيفرض علي تلك الدول والمتاحف عودة الأثار إلى بيئتها الأصلية ولكن أمر حقوق الحضارة يمكن النقاش فيه والعمل عليه إذا كان هناك تربح مثبت من توظيف وتواجد تلك المعابد بالمتاحف والدول التي أهديت لها.

معبد ديبود في حديقةديل أويستى

لقد قمت بزيارة معبد ديبود في حديقة “ديل أويستى” بمدريد بإسبانيا، وعدة مرات لمعبد دندور في متحف المتروبوليتان بنيويورك، واعلم أنه تتم في رحاب تلك المعابد احتفاليات وحفلات، ويكون هناك عائداً ماليا، مباشراً غير العوائد الغير مباشرة من إنها معلم أثري يتم زيارته والتمتع به، وقد يكون الأمر في المعابد الأخرى، مثله مثل، كل القطع الأثرية التي تعطيك عند زيارتها الإحساس المتضارب بالفخر والغصة. والسؤال هل هذه الآثار والحضارة المرتبطة بالنيل يمكن أن يكون من عائدها ما يتم معه تنمية منطقة أبو سمبل وأسوان؟ بل صعيد مصر ومصر كلها؟!

معهد حقوق حضارة، ومن قبلها حملة حقوق حضارة لبناء حضارة مع حملة أبو سمبل 50 وحملات ومجهودات أخرى ملفات وأفلام وإعلام دعاية وسياحة وحوار مع الأخر ومع العالم يمكن معه أن يحدث تغييرات منطقية تحقق أهداف تلك الحملات في تكامل وتحاور وملفات عمل تنمية مستدامة ومستقبلية مشتركة.

اكتب المقالة ومحمد عبد الوهاب يشدو بكلمات احمد شوقي وأغنية النيل نجاشي وحماسا تأتي “هيلا هوب هيلا”، ومعها أيضا تتذكر معبد أبو سمبل سبب إلهام عزيز الشوان لتأليف اللوحة الموسيقية الرائعة أبو سمبل.

يومي 21 و22 فبراير 2016 انتظرنا تعامد الشمس في دقائق أو ثوان، ولكن الشمس تمنعت نتيجة للشبورة وضاعت اللقطة والفرصة لكل الجمع والحضور، وأتمني أن يكون مع ذكري تنصيب رمسيس علي العرش فرص لتعامد ينتظره العالم ومعها تساؤلات للتاريخ والجغرافيا والحقوق والعقوق والله المستعان

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة