دروس من الماضي.. كيف نجت حضارات من الانهيار البيئي بالابتكار والتعاون
التاريخ يثبت: الأزمات البيئية لا تؤدي بالضرورة إلى الحروب.. الابتكار والتكيف طريق البشرية لتجنب صراع الموارد

خبراء يحذرون: تغير المناخ قد يضعف التفوق العسكري للدول الغنية
الضغوط البيئية لا تؤدي دائمًا إلى الصراع – دروس التاريخ تكشف كيف يمكن تجنب الأزمات.
ترسخ الاعتقاد بأن التنافس على الموارد المتناقصة يدفع المجتمعات إلى الصراع، وهو ما شكّل كثيرًا من الخطاب حول تغيّر المناخ والحروب، ومع تزايد هشاشة الموارد أمام التقلبات البيئية، غالبًا ما يُقدَّم تغيّر المناخ باعتباره محرّكًا للعف.
في دراسة عام 2012، تناول عالم الآثار الألماني-الأمريكي كارل بوتزر العوامل المؤدية لانهيار الدول القديمة، وحدد بين أبرز الضغوط القلق المناخي ونقص الغذاء.
وأكد أيضا أن الدول التي لم تتمكن من التكيف سلكت طريق الفشل، بما في ذلك عسكرة المجتمع وتصاعد الحروب الداخلية والخارجية.
وكتب جاي سيلفرشتاين، الأستاذ بقسم الكيمياء والطب الشرعي، جامعة نوتنجهام ترينت، مقالا علميا عبر منصة theconversation، أكد فيها أنه يمكن تطبيق نموذج بوتزر على مجتمعات منهارة في التاريخ وعلى مجتمعات معاصرة في طور التفكك.
وأوضح شتاين، أن الحروب وتغيّر المناخ مرتبطان ارتباطًا وثيقًا؛ فالتغيّر المناخي يزيد احتمالات النزاعات العنيفة عبر تفاقم ندرة الموارد والنزوح، بينما يسرّع الصراع نفسه من وتيرة التدهور البيئي.

بلاد ما بين النهرين خلال جفاف العصر البرونزي
وقد شهدت بلاد ما بين النهرين خلال جفاف العصر البرونزي (2200–2100 ق.م) تصاعدًا في العنف وانهيار الإمبراطورية الأكادية.
وينسب باحثون الجفاف إلى كونه عاملًا رئيسيًا في حروب حديثة بشرق إفريقيا.
وذكر شتاين، أن هناك إجماع واسع على أن الضغوط المناخية تؤدي إلى تصاعد العنف الإقليمي عندما تؤثر على إنتاج الغذاء.|
لكن الأدلة التاريخية تكشف واقعًا أكثر تعقيدًا؛ فاستجابات المجتمعات للضغط البيئي تتأثر أيضًا بالتقاليد الثقافية والابتكار التكنولوجي وقرارات القيادة.

الاستسلام لحتمية “قانون الطبيعة”
ويري الباحث في قسم الكيمياء والطب الشرعي أن الربط المباشر بين الضغط المناخي والحرب تبسيطي ومضلل؛ إذ قد يؤدي إلى الاستسلام لحتمية “قانون الطبيعة”، وهو قانون ليس على البشرية الامتثال له.
منذ فجر الزراعة (10 آلاف ق.م) وسّعت براعة الإنسان حدود الإمكانات البيئية، وأدّت نظم الري وتقنيات الزراعة الفعالة وانتقاء المحاصيل والماشية إلى ازدهار المجتمعات الزراعية.
وفي أوروبا الرومانية والوسطى، أحدث تطوير المحاريث الحديدية ثورة في حرث التربة، كما وسّعت تقنيات رفع المياه – من الشادوف المصري إلى النواعير الصينية والطواحين الفارسية – الرقعة الزراعية.

ثورة في الزراعة
وفي القرن التاسع عشر، عندما تضاعف سكان أوروبا وندر السماد الطبيعي مثل الجوانو، أحدثت عملية هابر-بوش ثورة في الزراعة عبر استخلاص النيتروجين من الهواء، ما مكّن من تلبية الطلب المتزايد على الغذاء – والذخائر أيضًا.
اقتصادية التنمية الدنماركية إستير بوسيروب قدّمت عام 1965 في كتابها “شروط النمو الزراعي” نقدًا للرؤية المالتوسية، مؤكدة أن الضغط السكاني يحفّز الابتكار، ولا تزال رؤاها مهمة اليوم.

الاحترار العالمي منعطف تاريخي جديد
وأمام أزمة بيئية متصاعدة بفعل الاحترار العالمي، نقف عند منعطف تاريخي جديد.
يجب تحدي الاستجابة التقليدية للضغط المناخي – عدم الاستقرار السياسي والصراع – بالتزام متجدد بالتكيف والتعاون والابتكار.
ومع أن التاريخ مليء بمجتمعات نجحت في التغلب على التهديدات البيئية، فإنه مليء أيضًا بأخرى فشلت وانتهت بكوارث بيئية.
في كثير من الحالات، أسهمت الموارد المتناقصة وإغراء ثروات المجتمعات المجاورة في الغزو والمواجهة العسكرية.
كما ارتبطت موجات الجفاف بهجرات عسكرية مثل حركة الهون غربًا ودفع الآريين جنوبًا.

تغير المناخ وضعف التفوق العسكري للدول الغنية
التفاوت في القوة العسكرية قد يشجع الصراع أو يردعه، ورغم أن التفوق العسكري حمى أغنى الدول في العصر الحديث، إلا أن هذا الدرع قد يتآكل في المستقبل القريب، خاصة مع تزايد الكوارث الطبيعية التي تضعف البنية الأمنية، مثل إعصاري 2018 اللذين كبّدا منشأتين عسكريتين أمريكيتين 8.3 مليارات دولار من الأضرار، ومع انتشار تقنيات عسكرية زهيدة مثل الطائرات المسيّرة.
قد تخلق هذه التطورات فرصًا جديدة لتحدي القوى المهيمنة. وفي ظل هذه الظروف، من المتوقع زيادة النزاعات العسكرية في العقود القادمة.

صعود النزعات المعادية للمعرفة والسياسات الشعبوية
يرى الكاتب، أن اتخاذ إجراءات جذرية ضرورة لتجنب دوامة الصراع، بترجمة المبادئ والمعرفة والبيانات إلى إرادة سياسية واقتصادية، وهو ما يستلزم جهودًا منسقة من كل دولة.
نمو منظمات مثل “مركز المناخ والأمن” في الولايات المتحدة، المعني بالمخاطر النظامية للمناخ والأمن البيئي، يشير إلى اتجاه صحيح، لكنه يواجه عقبات كبيرة في تحويل القضايا المناخية الجيوسياسية إلى عمل سياسي مؤثر.
أحد أبرز العوائق هو صعود النزعات المعادية للمعرفة والسياسات الشعبوية، وغالبًا ما تتوافق مع الرأسمالية غير المنظَّمة، ما يهدد الاستراتيجيات اللازمة لمواجهة الأزمة.
تجنب المأساة الإنسانية يتطلب تغيير نظرتنا للعالم، وتثقيف غير الواعين بأسباب ونتائج الاحترار العالمي، ومحاسبة من جعلهم الجشع وحب السلطة أعداءً للحياة على الأرض.
يختتم الكاتب أن التاريخ يعلمنا أن الضغط البيئي لا يجب أن يؤدي إلى الحرب، بل يمكن أن يكون حافزًا للتحول، المستقبل لا يكمن في الحتمية، بل في تسخير الإبداع والمرونة الإنسانية.





