دراسة تكشف أفضل طريقة للتخلص من الأرق.. الرياضة وحدها لا تكفي
الجمع بين التمارين والعلاج السلوكي يحقق أقوى نتائج في مكافحة الأرق
كشفت دراسة علمية حديثة أن ممارسة التمارين الرياضية وحدها قد لا تكون كافية للتغلب على الأرق، وأن أفضل النتائج تتحقق عند دمج النشاط البدني مع العلاج المعرفي السلوكي، وهو أحد أكثر الأساليب النفسية فاعلية في علاج اضطرابات النوم.
ويُعد الأرق من أكثر المشكلات الصحية انتشارًا حول العالم، إذ يعاني مئات الملايين من الأشخاص من صعوبة في النوم أو الاستمرار فيه.
وتشير بعض التقديرات إلى أن نحو شخص واحد من كل ستة بالغين يواجه هذه المشكلة بدرجات متفاوتة.
ورغم أن الأدوية المنومة توفر حلاً مؤقتًا لبعض المرضى، فإنها غالبًا ما ترتبط بتكاليف مرتفعة وآثار جانبية ومحدودية في الفاعلية على المدى الطويل، ما دفع الباحثين إلى البحث عن بدائل أكثر أمانًا واستدامة.
تحليل شامل لآلاف المرضى
أجرى الدراسة فريق بحثي من جامعة هاينان نورمال في مدينة هايكو الصينية، حيث قام الباحثون بتحليل نتائج عشرات الدراسات السريرية التي قارنت بين التمارين الرياضية وأساليب علاجية مختلفة لعلاج الأرق.
وشملت المراجعة العلمية بيانات 2457 شخصًا شاركوا في 31 تجربة عشوائية خاضعة للرقابة، ما يجعلها واحدة من أكبر التحليلات التي تناولت تأثير التمارين الرياضية في علاج اضطرابات النوم.
واعتمد الباحثون على مقارنة عدة برامج علاجية، تضمنت التمارين الرياضية وحدها، أو التمارين مصحوبة بالعلاج المعرفي السلوكي، إضافة إلى برامج جمعت الرياضة مع الوخز بالإبر وبعض ممارسات الطب الصيني التقليدي، وكذلك تمارين “تشي غونغ” التي تعتمد على الحركات البطيئة والتنفس العميق والتركيز الذهني.
وقاس الفريق البحثي أربعة مؤشرات رئيسية هي: جودة النوم، والوقت اللازم للاستغراق في النوم، وإجمالي مدة النوم، والوقت الذي يقضيه الشخص مستيقظًا بعد النوم.
العلاج المعرفي السلوكي يتصدر النتائج
وأظهرت النتائج أن الجمع بين التمارين الرياضية والعلاج المعرفي السلوكي حقق أفضل أداء بين جميع الخيارات العلاجية التي جرى تقييمها.
فقد تفوق هذا المزيج ليس فقط على الرعاية التقليدية، بل أيضًا على ممارسة التمارين الرياضية بمفردها، حيث سجل المشاركون تحسنًا ملحوظًا في جودة النوم وانخفاضًا واضحًا في أعراض الأرق.
ويُعد العلاج المعرفي السلوكي للأرق برنامجًا منظمًا يهدف إلى تعديل العادات والسلوكيات المرتبطة بالنوم، إضافة إلى تقليل القلق والأفكار السلبية التي تمنع الشخص من الاسترخاء والاستغراق في النوم.
لماذا ينجح هذا المزيج؟

يرى الباحثون أن سر النجاح يكمن في أن كل وسيلة تستهدف جانبًا مختلفًا من المشكلة.
فالتمارين الرياضية تزيد من حاجة الجسم الفسيولوجية للنوم، وتساعد على تنظيم الإيقاع الحيوي وتحسين اللياقة البدنية، بينما يركز العلاج المعرفي السلوكي على معالجة التوتر والقلق والأفكار المزعجة التي تُبقي العقل في حالة نشاط عند وقت النوم.
وبذلك يعمل النهجان معًا على معالجة الأسباب الجسدية والنفسية للأرق في آن واحد، وهو ما يفسر تفوقهما عند دمجهما مقارنة باستخدام أي منهما بشكل منفصل.
النوم أسرع وجودة أفضل

أبرز التحسن ظهر في سرعة الاستغراق في النوم، إذ ساعد الجمع بين الرياضة والعلاج المعرفي السلوكي المشاركين على النوم بسرعة أكبر مقارنة بجميع الخيارات الأخرى.
كما أظهرت النتائج أن البرامج العلاجية الأطول زمنًا حققت فوائد أكبر، ما يشير إلى أن التحسن المستدام يحتاج إلى أسابيع من الالتزام وليس بضعة أيام فقط.
وسجلت بعض البرامج التي اعتمدت على تمارين “تشي جونج” تحسنًا محدودًا في تقليل الوقت اللازم للنوم، لكنها ظلت أقل فاعلية من الدمج بين الرياضة والعلاج المعرفي السلوكي.
مفاجأة بشأن مدة النوم
ورغم التحسن الملحوظ في جودة النوم وسرعة الاستغراق فيه، فإن الدراسة لم تجد زيادة كبيرة في إجمالي عدد ساعات النوم لدى المشاركين.
ويشير الباحثون إلى أن هذه النتيجة ليست مفاجئة، لأن التحسن في حالات الأرق يبدأ غالبًا بتقليل الوقت المستغرق للنوم وتقليص فترات الاستيقاظ الليلي قبل أن ينعكس على زيادة مدة النوم الكلية.
كما أن بعض تقنيات العلاج المعرفي السلوكي تعتمد في البداية على تقليل الوقت الذي يقضيه الشخص في السرير بهدف تعزيز الحاجة الطبيعية للنوم، وهو ما قد يفسر عدم ارتفاع عدد ساعات النوم رغم تحسن جودته.
تائج واعدة تحتاج إلى مزيد من الدراسة
ورغم أهمية النتائج، حذر الباحثون من وجود بعض القيود، إذ كانت العديد من الدراسات المشمولة صغيرة الحجم، كما أن نسبة كبيرة منها أُجريت في دولة واحدة، ما قد يؤثر على إمكانية تعميم النتائج على جميع الفئات السكانية.
ومع ذلك، حصلت النتائج المتعلقة بتحسن جودة النوم عند الجمع بين الرياضة والعلاج المعرفي السلوكي على أعلى مستوى من الثقة العلمية مقارنة ببقية الخيارات العلاجية التي جرى تقييمها.
بديل عملي وآمن لملايين الأشخاص
تدعم هذه النتائج الاتجاه المتزايد نحو اعتماد الحلول غير الدوائية لعلاج اضطرابات النوم، خاصة أن التمارين الرياضية متاحة لمعظم الأشخاص، بينما أصبح العلاج المعرفي السلوكي أكثر انتشارًا من خلال العيادات المتخصصة والمنصات الرقمية.
ويرى الباحثون أن أفضل استراتيجية لمواجهة الأرق قد لا تتمثل في الاعتماد على الرياضة وحدها أو العلاج النفسي وحده، بل في الجمع بينهما ضمن برنامج متكامل يعالج العقل والجسد معًا.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Frontiers in Public Health، لتقدم دليلًا جديدًا على أن تحسين النوم قد يبدأ بخطوتين بسيطتين: حركة منتظمة خلال النهار، وتدريب للعقل على التخلص من أنماط التفكير التي تعيق النوم ليلًا.





