وجهات نظر

د.حسن أبو النجا: حتى لا يطير الماء.. كيف نحمي مياهنا من الهدر؟

الخبير الدولي- نائب رئيس منتدي الشرق الأوسط للمياه

في الفيلم المصري الشهير «حتى لا يطير الدخان»، لم تبدأ المأساة بجريمة كبيرة، بل بقرار صغير: تجاهل إنساني في لحظة حرجة، تأخر العدل، فتراكم الظلم، ثم انفجرت العواقب لاحقًا بصورة أعنف مما تخيل الجميع.

لم يطر الدخان فورًا، لكنه حين ظهر، كان قد غطى كل شيء.

وبالمعنى نفسه، تواجه الموارد المائية اليوم خطرًا لا يقل درامية وخطورة: ضياع المياه بصمت. فالماء لا يختفي فجأة، ولا يعلن العجز عن نفسه في البداية، بل يتبخر، يتسرب، ويُهدر إداريًا، حتى نجد أنفسنا أمام أزمة مكتملة الأركان، كان يمكن تجنبها لو أُديرت الموارد بكفاءة وفي التوقيت المناسب.

التبخر والفاقد.. ضياع غير مرئي

يُعد التبخر أحد العمليات الطبيعية التي يتحول فيها الماء من الحالة السائلة إلى بخار نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الإشعاع الشمسي وسرعة الرياح.

وفي المناطق الجافة وشبه الجافة، مثل مصر والمنطقة العربية، يمثل التبخر من المسطحات المائية المفتوحة – كالسدود والترع والخزانات، أحد أكبر مصادر الفقد المائي غير المحسوب بدقة.

ومع تسارع التغيرات المناخية وارتفاع متوسط درجات الحرارة، تزداد معدلات التبخر بشكل ملحوظ، ما يؤدي إلى فقد كميات ضخمة من المياه قبل استخدامها، ويقلل فعليًا من كفاءة التخزين السطحي، رغم الاستثمارات الكبيرة التي تُنفق على مشروعات البنية التحتية المائية.

ولا يقتصر الفقد على التبخر فقط، بل يشمل أيضًا تسرب المياه من الشبكات، وسوء كفاءة نظم الري، وفقد التخزين، والتشغيل غير الرشيد، حيث تشير التقديرات الدولية إلى أن بعض الدول تفقد ما بين 20 و40% من مواردها المائية بين المصدر والمستخدم النهائي.

الماء الذي يضيع داخل المدن

في قطاع مياه الشرب، يظهر شكل آخر أكثر خطورة من الفقد، يُعرف بـ المياه غير المحققة للإيراد (Non-Revenue Water – NRW)، وهي الفرق بين كمية المياه المنتجة والمضخوخة في الشبكات، وكمية المياه التي يتم فوترتها وتحصيل قيمتها.

بعبارة أبسط، هي مياه أُنتجت، وعُولجت، ونُقلت، واستهلكت طاقة ومواد كيميائية لإيصالها، ثم لم تحقق أي عائد مائي أو اقتصادي.

وتتكون المياه غير المحققة للإيراد من فاقد حقيقي ناتج عن التسربات والكسور غير المكتشفة في الشبكات، وفاقد تجاري بسبب عدادات غير دقيقة أو توصيلات غير شرعية أو أخطاء في القراءة والفوترة، إضافة إلى استخدامات مصرح بها لكنها غير مفوترة، مثل غسيل الشبكات أو مكافحة الحرائق.

وتشير التقديرات الدولية إلى أن الحجم العالمي للمياه غير المحققة للإيراد يبلغ نحو 346 مليون متر مكعب يوميًا، أي ما يعادل حوالي 126 مليار متر مكعب سنويًا، وهي كمية هائلة تعكس حجم الهدر غير المرئي في شبكات مياه الشرب على مستوى العالم، وتكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية لمئات الملايين من البشر سنويًا.

التغيرات المناخية تضاعف تكلفة الفقد

في الماضي، كان يُنظر إلى الفواقد المائية باعتبارها مشكلة فنية أو إدارية يمكن تأجيلها. أما اليوم، وفي ظل التغيرات المناخية، فقد أصبح كل متر مكعب مفقود أكثر تكلفة من أي وقت مضى، لأنه يعني استنزاف مورد نادر، وإهدار طاقة، وزيادة الانبعاثات الكربونية، ورفع تكلفة التكيف مع المناخ مستقبلًا.

ومن هذا المنطلق، لم يعد خفض الفواقد والمياه غير المحققة للإيراد مجرد إجراء اقتصادي، بل أصبح أحد أهم أدوات التكيف مع التغيرات المناخية وتعزيز الأمن المائي الحضري.

من البحث عن موارد جديدة إلى إدارة أفضل للمتاح

تعاني كثير من السياسات المائية من التركيز على مشروعات التوسع في العرض، كالسدود أو التحلية، دون إعطاء الأولوية الكافية لإدارة الطلب وتقليل الفاقد.

والحقيقة أن خفض الفواقد، خاصة في شبكات مياه الشرب، يمكن أن يعادل توفير مصادر مائية جديدة دون تكلفة إنشائية ضخمة، وفي زمن أقصر، وبأثر بيئي أقل.

كما علّمنا الفيلم أن تجاهل الخطأ الصغير قد يقود إلى انهيار كبير، فإن إهمال الفاقد المائي اليوم يقود إلى عجز مائي غدًا، وفي زمن التغيرات المناخية، لم يعد مقبولًا أن نفقد المياه بالتبخر دون حساب، ونهدرها داخل الشبكات، ثم نبحث عن حلول أكثر كلفة وتعقيدًا.

“حتى لا يطير الماء”، يجب أن تبدأ السياسات المائية من الكفاءة قبل التوسع، ومن الإدارة قبل الإنشاء، لأن أخطر أنواع العجز المائي… هو العجز الذي كان يمكن تجنبه.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading