حرب إيران تهز عرش النفط.. هل تكون الصدمة بداية النهاية لعصر الوقود الأحفوري؟

12–15 مليون برميل يوميًا خارج السوق.. هل تعيد حرب إيران رسم خريطة الطاقة العالمية؟

حرب إيران وأزمة النفط قد تدفع العالم لتسريع التحول نحو الطاقة المتجددة، لكن دعم الوقود الأحفوري يهدد بإبطاء هذا المسار.

يرى خبير أمريكي أن الحرب في إيران وأزمة الطاقة الناتجة عنها قد تمثل نقطة تحول نادرة في مسار الانتقال العالمي من الوقود الأحفوري إلى الطاقة المتجددة، رغم لجوء حكومات عديدة إلى دعم الوقود التقليدي لمواجهة ارتفاع الأسعار

أعادت الحرب في إيران وأزمة الطاقة التي أحدثتها إلى الواجهة سؤالًا طالما طرحه خبراء الطاقة والمناخ: هل يمكن أن تتحول صدمات النفط الكبرى من أزمات تهدد الاقتصاد العالمي إلى محفز حقيقي لتسريع الانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري؟

ويرى باحث في جامعة كاليفورنيا، سانتا باربرا، أن الظروف الحالية تختلف عن أزمات الطاقة السابقة، وأن العالم أصبح اليوم أكثر قدرة على تقليل اعتماده على النفط والفحم، بفضل التراجع النسبي لكثافة استخدام الوقود الأحفوري في الاقتصادات، وانخفاض تكاليف الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والتوسع السريع في تخزين الكهرباء والسيارات الكهربائية وكهربة قطاعات الصناعة والتدفئة.

ويحذر الباحث من أن هذه الفرصة قد تضيع إذا استمرت الحكومات في تقديم دعم واسع للوقود الأحفوري، لأن هذه السياسات تجعل النفط والغاز والفحم أرخص بصورة مصطنعة، وتضعف الحافز الاقتصادي للاستثمار في مصادر الطاقة النظيفة.

حرب إيران تعيد اختبار مستقبل الطاقة العالمية

أدت الحرب في إيران إلى اضطراب أحد أهم أقاليم إنتاج النفط ومسارات التجارة العالمية، كما تسببت في ارتفاع أسعار الغاز والطاقة، وسط مخاوف متزايدة بشأن أمن الإمدادات.

وبحسب التحليل الذي قدمه باحث جامعة كاليفورنيا، فإن ما يميز الصدمة الحالية هو أن الاقتصاد العالمي أصبح أقل اعتمادًا على الوقود الأحفوري مقارنة بالماضي، إذ تستطيع الاقتصادات الحديثة تحقيق النمو باستخدام كميات أقل من النفط والفحم لكل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي.

كما أصبحت الطاقة المتجددة أكثر تنافسية من الناحية الاقتصادية، في ظل التراجع الكبير في تكاليف الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب التطور السريع في تقنيات تخزين الكهرباء وكهربة النقل والتدفئة والصناعة.

وتمنح هذه التحولات الدول فرصة لتعزيز استقلالها في مجال الطاقة، بدلًا من الاعتماد بصورة كبيرة على واردات النفط والغاز والممرات البحرية الاستراتيجية.

صدمة نفطية مختلفة عن أزمات الماضي

شهد العالم منذ حظر النفط عام 1973 وحتى الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 عدة أزمات وصدمات في أسواق الطاقة، كان يمكن أن تمثل فرصًا للابتعاد عن الوقود الأحفوري، إلا أن معظم هذه الفرص لم تتحول إلى تغيير جذري ومستدام في هيكل الطاقة العالمي.

لكن الباحث يرى أن الأزمة الحالية قد تكون مختلفة؛ لأن العالم يمتلك الآن بدائل أكثر نضجًا وأقل تكلفة وقابلة للتوسع بصورة أكبر.

وتأتي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في مقدمة هذه البدائل، إلى جانب البطاريات والسيارات الكهربائية وشبكات الكهرباء الحديثة.

ويشير التحليل إلى أن العالم لم يشهد حتى الآن ارتفاعًا كارثيًا في أسعار النفط رغم ضخامة صدمة الإمدادات المرتبطة بالحرب، وهو ما يعكس جزئيًا انخفاض الاعتماد النسبي على النفط ووجود بدائل وتقنيات أكثر كفاءة.

دعم الوقود الأحفوري يهدد الفرصة الخضراء

رغم التطور المتسارع في تقنيات الطاقة النظيفة، تواجه عملية التحول تحديًا سياسيًا واقتصاديًا كبيرًا.

فمع ارتفاع أسعار الوقود والطاقة، لجأت حكومات عديدة إلى إجراءات طارئة تهدف إلى خفض التكلفة على المستهلكين، من بينها إعفاءات ضريبية مؤقتة على الوقود وتوسيع برامج الدعم القائمة للبنزين والديزل والكيروسين.

ويرى الباحث أن هذه الإجراءات تجعل الوقود الأحفوري أرخص من السعر الذي كان سيحدده السوق، وهو ما قد يعرقل انتقال المستهلكين والاستثمارات نحو البدائل النظيفة.

وبحسب التحليل، فإن قرابة نصف حكومات العالم اتخذت إجراءات طارئة مرتبطة بالحرب تؤدي عمليًا إلى دعم الوقود الأحفوري محليًا.

لماذا يمثل دعم الوقود الأحفوري مشكلة طويلة الأمد؟

لا تقتصر آثار دعم الوقود الأحفوري على الموازنات الحكومية أو الانبعاثات الكربونية، بل تمتد إلى قدرة الدول على بناء اقتصاد أكثر اعتمادًا على الطاقة النظيفة.

ويحذر الباحث من أن دعم الوقود الأحفوري من أصعب السياسات التي يمكن التراجع عنها سياسيًا، لأن إلغاء الدعم بعد تطبيقه قد يؤدي إلى ارتفاع فوري في أسعار الوقود، وهو ما يمكن أن يثير غضبًا شعبيًا واحتجاجات.

وبذلك تتحول الإجراءات التي بدأت باعتبارها استجابة مؤقتة لأزمة الطاقة إلى سياسة طويلة الأجل يصعب التخلص منها.

كما أن الأموال التي تنفقها الحكومات على دعم استهلاك الوقود الأحفوري يمكن، من وجهة نظر الباحث، توجيهها إلى قطاعات أكثر إنتاجية، مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية والطاقة النظيفة والنقل العام.

أسعار البنزين.. أكثر من مجرد رقم

يرى الباحث أن أسعار البنزين تتمتع بتأثير سياسي واجتماعي استثنائي مقارنة بمعظم السلع الأخرى.

فالوقود يدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكلفة نقل معظم السلع والخدمات، ولذلك فإن ارتفاع أسعار البنزين والديزل ينعكس على تكاليف الشحن والنقل والإنتاج، وبالتالي على معدلات التضخم وتكلفة المعيشة.

كما أن أسعار الوقود تكون ظاهرة للمواطنين بصورة يومية في محطات الخدمة، ما يجعل أي زيادة فيها محسوسة بصورة مباشرة.

ولهذا السبب يمكن أن تتحول الزيادات الحادة في أسعار الوقود إلى قضية سياسية، خصوصًا في الدول التي اعتاد مواطنوها على أسعار مدعومة أو منخفضة بصورة مصطنعة.

الحل ليس في دعم النفط.. بل في الاستثمار الأخضر

بدلًا من مواجهة ارتفاع أسعار الطاقة عبر دعم الوقود الأحفوري أو تقديم إعفاءات ضريبية واسعة، يرى الباحث أن الحل الأكثر استدامة يتمثل في الاستثمار المكثف والمستمر في الطاقة النظيفة والبنية التحتية منخفضة الكربون.

وتشمل هذه الاستثمارات التوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وبناء شبكات شحن السيارات الكهربائية، وتطوير النقل العام والقطارات بين المدن، وتحسين تخطيط المدن والمناطق الريفية.

وفي الأزمات قصيرة الأجل، يمكن للحكومات تقديم مساعدات نقدية مباشرة وموجهة للأسر منخفضة الدخل، إلى جانب دعم وسائل النقل العام، بدلًا من تقديم دعم شامل للوقود يستفيد منه جميع المستهلكين.

وتظهر بعض هذه الإجراءات بالفعل في عدد من الدول، ومنها باكستان وإندونيسيا ومصر والفلبين، بحسب التحليل.

خفض الطلب على النفط هو مفتاح إصلاح الدعم

يرى الباحث أن خفض الطلب على الوقود الأحفوري يمكن أن يمنح الحكومات مساحة أكبر للتراجع عن دعم الوقود دون التسبب في صدمات اجتماعية وسياسية حادة.

فكلما توافرت بدائل حقيقية أمام المواطنين، مثل النقل العام والسيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، أصبح من الأسهل تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

وبذلك لا يكون التحول الأخضر مجرد قرار حكومي بإلغاء الدعم، وإنما عملية متكاملة توفر للمواطن بدائل عملية وأقل تكلفة وأكثر استدامة.

تريليون دولار لدعم الوقود الأحفوري

تكشف أرقام صندوق النقد الدولي عن حجم الاختلال في سوق الطاقة العالمي، إذ بلغت قيمة الدعم الحكومي لاستهلاك الوقود الأحفوري مستوى قياسيًا وصل إلى نحو تريليون دولار في عام 2022.

ويشير الباحث إلى أن هذه الأرقام تطرح سؤالًا أساسيًا حول مفهوم “السوق الحرة” في قطاع الطاقة.

ففي الوقت الذي يطالب فيه البعض الطاقة المتجددة بإثبات قدرتها على المنافسة دون دعم حكومي، فإن الوقود الأحفوري استفاد لعقود من أشكال مختلفة من الدعم المباشر وغير المباشر.

ومن ثم، فإن مقارنة الطاقة النظيفة بالوقود الأحفوري على أساس المنافسة السوقية وحدها لا تعكس بالضرورة التكلفة الحقيقية لكل مصدر من مصادر الطاقة.

هل تتحول الحرب إلى نقطة تحول؟

رغم التداعيات الإنسانية والاقتصادية الخطيرة للحرب في إيران، فإن أزمة الطاقة الناتجة عنها قد تدفع الدول إلى إعادة التفكير في مفهوم أمن الطاقة.

فالاعتماد على النفط والغاز المستوردين يجعل الاقتصادات عرضة للصدمات الجيوسياسية، بينما يمكن لتطوير مصادر محلية للطاقة الشمسية والرياح وتخزين الكهرباء أن يقلل من هذه المخاطر على المدى الطويل.

لكن تحويل الأزمة إلى فرصة خضراء يتطلب سياسات واضحة تتجاوز الاستجابة قصيرة الأجل لارتفاع الأسعار.

ويتمثل التحدي الأساسي في توفير الطاقة بأسعار معقولة للمواطنين، مع عدم تكريس الاعتماد على الوقود الأحفوري لعقود جديدة.

وفي هذا السياق، قد تكون الحرب الحالية اختبارًا حاسمًا لقدرة الحكومات على تحقيق التوازن بين أمن الطاقة، والقدرة على تحمل تكاليف المعيشة، وتسريع التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون.

فبدلًا من أن تؤدي كل أزمة نفط جديدة إلى مزيد من الدعم للوقود الأحفوري، يمكن أن تصبح الصدمات الجيوسياسية دافعًا لبناء منظومة طاقة أكثر تنوعًا واستقلالًا وأقل تعرضًا لتقلبات الأسواق والصراعات.

Exit mobile version