قد لا يكون جهاز التدفئة أو تكييف الهواء وحده المسؤول عن ارتفاع استهلاك الطاقة في المنزل؛ فسخان المياه يمكن أن يستحوذ على حصة كبيرة من فاتورة الكهرباء، كما يمكن أن يتحول إلى وسيلة بسيطة لتخزين الطاقة المتجددة، دون الحاجة بالضرورة إلى شراء بطاريات منزلية باهظة الثمن.
وتسلط أبحاث أسترالية الضوء على إمكانية خفض تكاليف الطاقة عبر تغيير توقيت تسخين المياه، بحيث يعمل السخان خلال ساعات وفرة الكهرباء الشمسية أو الفترات الأقل تكلفة، بدلًا من تشغيله في أوقات يرتفع فيها الطلب على الكهرباء وأسعارها.
وتكتسب الفكرة أهمية مع توسع استخدام الطاقة الشمسية، وتزايد البحث عن وسائل عملية لتقليل فواتير الكهرباء وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة في المنازل.
سخان المياه.. استهلاك مرتفع وفرصة لتوفير الطاقة
تستهلك أنظمة تسخين المياه حصة ملحوظة من الطاقة المنزلية. ووفقًا للمقال المنشور في موقع «فوتورا ساينس»، يمثل تسخين المياه نحو 25% من فاتورة الطاقة المنزلية في أستراليا في المتوسط، كما يعد من مصادر الانبعاثات المنزلية المهمة، خاصة في المنازل التي تعتمد على سخانات الغاز.
ويعود جزء من أهمية سخان المياه إلى أن استهلاكه للطاقة يمكن نقله زمنيًا إلى ساعات أخرى. فعلى عكس بعض الأجهزة التي تتطلب التشغيل فور الحاجة إليها، يمكن تسخين المياه مسبقًا وتخزينها داخل الخزان للاستخدام لاحقًا.
وهنا تظهر الفكرة الأساسية: بدلًا من تخزين الكهرباء نفسها داخل بطارية، يمكن استخدام الكهرباء المتاحة لتسخين المياه، ثم الاحتفاظ بهذه الحرارة داخل الخزان حتى موعد الاستخدام.
ولا يعني ذلك أن السخان يخزن الكهرباء بصورة مباشرة؛ بل يحولها إلى طاقة حرارية يمكن الاستفادة منها لاحقًا، مع وجود فقد تدريجي للحرارة يتوقف على كفاءة العزل ودرجة حرارة المياه والظروف المحيطة.
كيف يتحول سخان المياه إلى وسيلة لتخزين الطاقة الشمسية؟
تنتج الألواح الشمسية الكهرباء خلال ساعات النهار، وقد تزيد الكمية المتاحة في بعض الأوقات على الاستهلاك الفوري للمنزل. وبدلًا من تصدير الفائض إلى الشبكة أو ترك جزء منه دون استفادة كاملة، يمكن استخدامه لتسخين المياه.
وتعتمد الفكرة على تشغيل السخان خلال ساعات ارتفاع إنتاج الطاقة الشمسية، ثم استخدام المياه الساخنة في المساء أو في أوقات أخرى، بحسب احتياجات الأسرة.
ويتيح هذا الأسلوب الاستفادة من الطاقة المتجددة محليًا، وقد يقلل الاعتماد على الكهرباء المسحوبة من الشبكة في ساعات الذروة، خصوصًا في المنازل التي تمتلك ألواحًا شمسية وخزان مياه ساخنة معزولًا جيدًا.
كما يمكن تطبيق مبدأ جدولة التشغيل في بعض المنازل التي لا تمتلك ألواحًا شمسية، إذا كانت شركة الكهرباء توفر تعريفة تختلف باختلاف وقت الاستهلاك؛ إذ يمكن ضبط السخان للعمل في الساعات الأقل تكلفة.
لكن حجم الوفر يعتمد على نظام التعريفة، وكفاءة السخان، وكمية المياه الساخنة المستخدمة، ومدى اختلاف أسعار الكهرباء بين ساعات اليوم. لذلك لا يمكن ضمان خفض محدد في الفاتورة لجميع المنازل.
ماذا تكشف التجربة الأسترالية؟
يشير المقال إلى تركيب أكثر من 450 ألف بطارية منزلية في أستراليا خلال فترة الثمانية عشر شهرًا السابقة لشهر يونيو، إلى جانب مشروعات لتخزين الكهرباء على نطاق الشبكة.
ووفقًا للباحثين الذين يستشهد بهم المقال، ساعدت هذه البطاريات في توفير طاقة بديلة خلال ساعات المساء التي يرتفع فيها الطلب على الكهرباء، بما يعادل القدرة التي كانت توفرها محطتان كبيرتان تعملان بالغاز، بحسب تقديراتهم.
وفي المقابل، يرى الباحثون أن سخانات المياه الكهربائية يمكن أن تقدم مساهمة واسعة في تخزين الطاقة على مستوى المنازل، لأن المياه الساخنة تمثل احتياجًا يوميًا يمكن إدارة توقيته.
ويورد المقال تقديرًا بأن أنظمة تسخين المياه الكهربائية الفعالة قد توفر سعة تخزين حراري تعادل ما يصل إلى مليوني بطارية منزلية، إلى جانب إمكانية تحقيق وفورات مالية كبيرة.
لكن هذه المقارنة تتعلق بسعة التخزين الحراري المكافئة، ولا تعني أن سخانات المياه تستطيع أداء جميع وظائف البطاريات الكهربائية؛ فالبطارية يمكنها تغذية أجهزة مختلفة بالكهرباء، بينما يخزن السخان الحرارة أساسًا لاستخدامها في المياه الساخنة.
مضخات الحرارة.. تقليل الطاقة اللازمة لتسخين المياه
إلى جانب تغيير توقيت التشغيل، يبرز خيار آخر يتمثل في استخدام سخانات المياه المعتمدة على مضخات الحرارة.
وتعمل هذه الأنظمة على نقل الحرارة من الهواء المحيط إلى المياه، بدلًا من الاعتماد فقط على تحويل الكهرباء مباشرة إلى حرارة باستخدام عنصر تسخين تقليدي.
ووفقًا للتقديرات الواردة في المقال، يمكن لمضخات حرارة المياه خفض الطاقة اللازمة لتسخين المياه بنسبة تصل إلى 72% في بعض الظروف والأنظمة مقارنة بالبدائل التقليدية. وتختلف النتيجة الفعلية بحسب كفاءة الجهاز ودرجة حرارة الجو ودرجة حرارة المياه المطلوبة وطريقة الاستخدام.
وتكمن أهمية هذه التقنية في الجمع بين خفض استهلاك الكهرباء وإمكانية تشغيل الجهاز في الأوقات التي تكون فيها الطاقة الشمسية متاحة أو الكهرباء أقل تكلفة.
ومع ذلك، فإن شراء سخان يعمل بمضخة حرارة قد يتطلب تكلفة أولية أعلى من السخان التقليدي، لذلك ينبغي مقارنة سعر الشراء والتركيب والصيانة مع الوفر المتوقع على مدى عمر الجهاز قبل اتخاذ قرار الاستبدال.
3 خطوات عملية لتقليل استهلاك سخان المياه
يمكن للأسر البدء بإجراءات بسيطة قبل الاستثمار في معدات جديدة:
1. ضبط توقيت التشغيل
إذا كان السخان يسمح بالبرمجة، يمكن تشغيله قبل فترات الاستخدام المعتادة بدلًا من إبقائه يعمل دون حاجة. ويكون ذلك أكثر فائدة عندما تتوافر تعريفة كهرباء مرتبطة بوقت الاستهلاك أو ألواح شمسية تنتج فائضًا خلال النهار.
2. تحسين العزل وفحص الجهاز
يساعد العزل الجيد للخزان والأنابيب المناسبة على تقليل فقد الحرارة. كما أن صيانة السخان وفق تعليمات الشركة المصنعة تساعد على الحفاظ على كفاءته واكتشاف الأعطال التي قد تزيد الاستهلاك.
3. دراسة خيار مضخة الحرارة
عند استبدال سخان قديم، يمكن مقارنة الأنظمة التقليدية بسخانات مضخات الحرارة، مع احتساب تكلفة الشراء والتركيب واستهلاك الكهرباء المتوقع وتوافر الصيانة وقطع الغيار.
ومن المهم عدم خفض درجة حرارة السخان عشوائيًا إلى مستويات قد تزيد مخاطر نمو الميكروبات؛ إذ ينبغي الالتزام بإرشادات الشركة المصنعة والتوصيات الصحية المحلية، خصوصًا في أنظمة تخزين المياه الساخنة.
هل يمكن تطبيق الفكرة في مصر؟
يمكن الاستفادة من المبدأ نفسه في المنازل المصرية، لكن النتائج ستختلف عن التجربة الأسترالية بسبب اختلاف أسعار الكهرباء، ونظم التعريفة، وانتشار الألواح الشمسية، وأنواع سخانات المياه المستخدمة.
ففي المنازل التي تمتلك أنظمة شمسية، قد يكون توجيه فائض الكهرباء إلى تسخين المياه خيارًا يستحق الدراسة، بشرط أن يكون نظام التحكم والتوصيلات الكهربائية مناسبًا وآمنًا.
أما المنازل التي تعتمد على سخانات كهربائية تقليدية، فيمكن أن تستفيد من مراجعة ساعات التشغيل، وتقليل الهدر في المياه الساخنة، وتحسين العزل، ومقارنة كفاءة الأجهزة عند الاستبدال.
وفي المقابل، لا ينبغي افتراض أن تشغيل السخان نهارًا سيخفض الفاتورة تلقائيًا؛ فذلك يعتمد على طريقة احتساب الكهرباء، وما إذا كانت هناك فائدة مالية من استهلاك الطاقة في وقت معين بدلًا من وقت آخر.
كذلك يجب أن ينفذ أي تعديل في التوصيلات أو أنظمة التحكم فني مؤهل، مع الالتزام بمتطلبات السلامة الكهربائية وتعليمات تركيب سخانات المياه.
إدارة الطاقة تبدأ من الأجهزة اليومية
تكشف تجربة سخانات المياه أن التحول إلى الطاقة النظيفة لا يتوقف عند تركيب الألواح الشمسية أو البطاريات، بل يشمل أيضًا إدارة توقيت الاستهلاك والاستفادة من الأجهزة الموجودة بالفعل.
فالمياه الساخنة حاجة يومية، والحرارة التي يخزنها السخان يمكن أن تعمل بوصفها مخزونًا للطاقة على نطاق المنزل. وعندما يقترن ذلك بجهاز عالي الكفاءة وتحكم ذكي وتوقيت مناسب للتشغيل، يصبح من الممكن تقليل الهدر وتحسين الاستفادة من الكهرباء المتجددة.
والخلاصة أن خفض الفاتورة لا يتطلب دائمًا شراء جهاز جديد؛ ففي بعض المنازل قد يبدأ التوفير من تشغيل سخان المياه في الوقت المناسب، بدلًا من تشغيله بالطريقة المعتادة دون مراعاة تكلفة الطاقة أو مصدرها.





