تكنولوجيا المناخ.. استثمار اليوم الذي يجنّبنا كوارث الغد
الفرصة الخضراء.. الشركات التي استثمرت في المناخ ربحت المال والكوكب معًا
يُعرّض السياق الجيوسياسي غير المواتي استثمارات تكنولوجيا المناخ للخطر، في الوقت الذي بدأت فيه الاستثمارات السابقة تجني ثمارها.
وهذا ما يجعل من الضروري تجاهل الرياح السياسية المعاكسة والمقاومة الشعبية للعمل المناخي الطموح، والمضي قدمًا في زيادة هذه الاستثمارات، لا تقليصها.
ومن جانبه يعتبر سيباستيان بوكوب، المدير الإداري لمركز الطبيعة والمناخ ومؤسسات المنتدى – المنتدى الاقتصادي العالمي، أن الاستثمارات الواسعة في تكنولوجيا المناخ تُسهم في دعم عدد من المجالات الحيوية؛ إذ تخلق فرصًا اقتصادية جديدة، بما في ذلك أسواق ووظائف، مع حماية واستعادة المناخ والنظم البيئية.
كما تعزز الكفاءة، ما يؤدي إلى خفض التكاليف، وتساعد الشركات والاقتصادات والمجتمعات على التكيّف وتعزيز القدرة على الصمود.
أما تقليص الاستثمارات في هذا التوقيت، فليس سوى وصفة لإحباط التقدم والابتكار الحيوي سريع التطور، وربما يؤدي إلى تقويض هذه المكاسب الناشئة.

تقنيات الاستدامة توفّر فرصًا اقتصادية
ويوضح بوكوب، شهدنا في السنوات الأخيرة صعودًا لافتًا لتقنيات الاستدامة التي توفّر فرصًا اقتصادية، وتحمي النظم البيئية، بل وتعيد إحياءها، ومن هذه النماذج شركة ARC Marine البريطانية الناشئة، التي تصنّع شعابًا مرجانية اصطناعية من مواد معاد تدويرها، لدعم التنوع البيولوجي البحري في محيط البنية التحتية، مثل الكابلات والأرصفة والتوربينات البحرية.
حتى الآن، ركّبت الشركة أكثر من 1300 “مكعب شعاب مرجانية”، ما أدى إلى إنشاء 3400 متر مربع من الموائل البحرية، وإعادة استخدام أكثر من 620 طنًا من المواد الثانوية.
أما في الصين، فقد طوّرت شركة كويتشو موتاي، الرائدة في صناعة الخمور، نموذجًا دائريًا لتحويل نفايات الإنتاج إلى سماد عضوي، وأعلاف حيوانية، وغاز حيوي، بل وحتى مواد حيوية عالية القيمة مثل الكولاجين وبولي هيدروكسي ألكانوات القابلة للتحلل.
هذا النموذج لا يُقلل من الهدر فحسب، بل يفتح أسواقًا جديدة في مجال التكنولوجيا الحيوية.
أما في القارة الإفريقية وأمريكا الجنوبية، فقد أطلقت شركة OCP المغربية منصة Tourba، التي تستخدم صور الأقمار الصناعية وبيانات الطقس وتحليل التربة لتقديم توصيات ذكية بشأن الأسمدة والري للمزارعين الصغار.

ويستفيد حاليًا نحو 2.5 مليون مزارع من برامج “Pocket Agronomist” و”Agribooster” المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي تقدم مشورة مخصصة وتمكن من الوصول إلى الأسواق.
النتيجة: زيادة في المحاصيل بنسبة تصل إلى 20%، وارتفاع في الإيرادات بنسبة 34%، ما يعزز الرخاء المشترك.

في مجال الوقاية
وفي مجال الوقاية، تسهم تكنولوجيا المناخ في تعزيز القدرة على الصمود.
تستخدم شركة AXA الفرنسية للتأمين أداة متقدمة للوقاية من حرائق الغابات، تجمع بين صور الأقمار الصناعية وبيانات المخاطر مثل التضاريس وأنواع النباتات، لتوفير خرائط مخاطر محدّثة باستمرار.
وفي الصين، أطلقت شركة RoboticsCats نظامًا قائمًا على الذكاء الاصطناعي لرصد الحياة البرية والكشف المبكر عن حرائق الغابات، في إطار حلول تستند إلى الطبيعة وتشجع على حماية النظم البيئية.
بعض الابتكارات لا تزال في مراحلها الأولى، لكنها تعد بثورات تقنية.
شركة AstroForge الناشئة، على سبيل المثال، تعمل على تقليل الاعتماد على التعدين الأرضي الضار عبر تطوير مركبات فضائية لاستخراج المعادن من الفضاء.
وتستكشف شركات أخرى مصادر طاقة جديدة، مثل الطاقة الأسموزية، التي تولّد طاقة متجددة من اختلاف الملوحة بين المياه، وتُعيد تعريف علاقتنا بالموارد المائية.

رغم أن هذه التقنيات قد تكون بعيدة نسبيًا عن الأسواق، فإنها توضح لماذا يجب الاستثمار بكثافة الآن في التقنيات النظيفة، التي تمثل أملًا في مواجهة تحديات التغير المناخي.

“تكلفة التحول الأخضر”
الانسحاب من الاستثمار لا يعيق الابتكار فقط، بل يقوّض استراتيجيات التكيف والتخفيف، ويزيد من تكاليف التغير المناخي، فمنذ عام 2000، تسببت الكوارث المناخية في خسائر تجاوزت 3.6 تريليون دولار.
وتُقدّر الدراسات أنه بحلول عام 2035، قد تواجه الشركات انخفاضًا في الأرباح السنوية يتراوح بين 6.6% و7.3% نتيجة لتأثيرات المناخ على أصولها الثابتة.
تقرير “دليل الرؤساء التنفيذيين لإدارة مخاطر المناخ” الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، يوضح أن فهم هذه المخاطر أمر جوهري للحفاظ على مرونة الأعمال وضمان الميزة التنافسية، بل والاستفادة من فرص تقدر بنحو 10.1 تريليون دولار بحلول عام 2030.
يتطلب الموازنة بين الربحية قصيرة الأجل والاستدامة طويلة الأمد من الشركات إعادة توظيف الأصول، وتبني إدارة استراتيجية للمخاطر، وتوجيه الاستثمارات نحو مجالات مثل تكنولوجيا المناخ لضمان التنافسية في الاقتصاد الأخضر.
ورغم الجدل الدائر حول “تكلفة التحول الأخضر”، تُظهر البيانات أن العمل المناخي ليس عبئًا، بل فرصة.

فقد نجح تحالف “قادة المناخ من الرؤساء التنفيذيين” في خفض انبعاثاتهم بنسبة 10% على مدار ثلاث سنوات، بينما زادت إيراداتهم بنسبة 18% في الفترة نفسها.
وتُشير الدراسات إلى أن الشركات كثيرًا ما تبالغ في تقدير تكلفة العمل المناخي، وتُقلّل من حجم الخسائر المحتملة إذا لم تتصرف، ومع ذلك، تُظهر البيانات أنه مقابل كل دولار يُستثمر في التكيف والمرونة، تتحقق عوائد تتراوح بين 2 إلى 19 دولارًا.
وكما يقول سيباستيان بوكوب، المدير الإداري لمركز الطبيعة والمناخ ومؤسسات المنتدى ، فالطريق واضح: إما أن نستثمر بجرأة في تكنولوجيا المناخ اليوم، أو ندفع ثمنًا باهظًا غدًا – من الفرص الضائعة إلى التكاليف المتزايدة وتراجع القدرة على التكيّف.
بالتركيز على الابتكار والاستدامة الآن، لا نحمي اقتصاداتنا وأنظمتنا البيئية فقط، بل نفتح أبوابًا جديدة للنمو والازدهار.






Your writing is not only informative but also incredibly inspiring. You have a knack for sparking curiosity and encouraging critical thinking. Thank you for being such a positive influence!