تقارير الاستدامة الأوروبية تهدد الاستثمارات في الطاقة المتجددة خارج القارة
التمويل المستدام في خطر.. خبراء يقترحون إصلاحات لجعل تقارير الاستدامة أكثر عدلًا وشمولًا
-
لماذا يجب إشراك الجنوب العالمي في صياغة معايير الاستدامة؟
عندما تختار شراء منتج يحمل علامة “مستدام” من السوبر ماركت، أو تستثمر في محفظة مالية تُوصف بأنها صديقة للبيئة، فهل تساءلت يومًا إلى أي مدى تمتد هذه الاستدامة؟ هل تُراعي هذه العلامات تكلفة المواد الخام على البيئة وحقوق العمال في أماكن الاستخراج؟ وهل تشمل الاستثمارات في الطاقة المتجددة تلك الدول التي هي في أمسّ الحاجة إليها؟
في الاتحاد الأوروبي، تُنظَّم هذه الأسئلة من خلال لوائح الإفصاح غير المالي (NFR)، والتي تتضمن أحدث معايير التقارير الأوروبية للاستدامة (ESRS)، والمقرر تنفيذها تدريجيًا حتى عام 2029.
وتضع هذه المعايير قواعد الإبلاغ ومتطلباته، بينما تُحدد التوجيهات الأوروبية للإبلاغ عن الاستدامة المؤسسية (CSRD) الشركات المعنية، ومدى التزامها، ومواعيد التطبيق.
لكن تأثير هذه اللوائح لا يقتصر على أوروبا وحدها، بل يمتد ليشمل دول “العالم الأغلبي” (Majority World) – أي تلك الواقعة خارج أوروبا وأمريكا الشمالية، حيث يعيش غالبية سكان العالم.
ومع تعقّد سلاسل الإمداد العالمية، وتعرض المجتمعات الهشة لصدمات اقتصادية وسياسية ومناخية، فإن أي تنظيم لتلك السلاسل يجب أن يُصاغ بطريقة تقلل الأضرار على الأكثر ضعفًا.

في دراسة نُشرت في دورية Environment and Development Economics، قدم الباحثون مجموعة مقترحات لتحسين عدالة لوائح الإفصاح البيئي على المستوى العالمي، منها: تطوير القوانين بالشراكة مع جميع الأطراف المعنية، تسهيل الوصول إلى البيانات، احتساب الأضرار البيئية العابرة للحدود، وتعزيز الشفافية المالية.
من الامتثال إلى التعاون
مع دخول معايير ESRS حيّز التنفيذ، أصبح الإبلاغ يشمل سلسلة القيمة بأكملها. وهذا يعني أن الأطراف الفاعلة في دول الجنوب – مثل الشركات التي تستخرج المواد الخام للمنتجات الأوروبية – قد تصبح خاضعة لهذه اللوائح بشكل غير مباشر.
ورغم أهمية ذلك في تحميل الشركات والمستهلكين الأوروبيين وغير الأوروبيين مسؤولية أخلاقية، فإن تجاهل إشراك المتأثرين مباشرة في صياغة هذه اللوائح قد يؤدي إلى أضرار جانبية طويلة المدى.
على سبيل المثال، قد تُشعر متطلبات الإبلاغ الصغيرة والمتوسطة في الدول النامية بالعجز، مما يُؤدي إلى انسحاب الشركات الكبرى من تلك الأسواق، وحرمان المجتمعات المحلية من مصادر رزقها.
ورغم الانتقادات الموجهة للهيمنة الغربية على مفاوضات المناخ، إلا أن الهيئات الدولية المسؤولة عن وضع معايير الاستدامة المالية والمؤسسية لم تحظَ بنفس القدر من التدقيق، وهي تفتقر إلى تمثيل العالم الأغلب.
بل إن بعض المستثمرين الأوروبيين بدأوا بالفعل في سحب رؤوس أموالهم من هذه الدول لصالح الاستثمار داخل الاتحاد الأوروبي، بدعوى صعوبة تتبع البيانات في سلاسل الإمداد الطويلة.

رقمنة البيانات وعدالتها
إن فعالية التنظيم البيئي العالمي تتوقف على التعاون في مجال البيانات، مما يُقلل العبء الإداري ويُعزز المساءلة.
ومع تزايد عدد اللوائح الأوروبية، تتسع الرقابة لتشمل سلسلة القيمة كلها، وهو ما يُرغم الجهات المختلفة على التعامل مع جهات تنظيمية متعددة، ويُضاعف التكاليف والجهد في جمع البيانات وتحليلها ومشاركتها.
وهنا تظهر أهمية تطوير بنية تحتية رقمية عادلة للبيانات. فدول العالم الأغلبي تشهد نموًا سريعًا في التحول الرقمي، بما في ذلك أدوات التمويل الرقمي وإدارة الأعمال، مما يوفر فرصة لجعل البيانات أكثر ديمقراطية وشمولًا.
ويتطلب هذا التعاون مع خبراء الإحصاء والبيانات المحليين منذ البداية، بالإضافة إلى دعم من كيانات عابرة للحدود لبناء أنظمة مترابطة.
محاسبة الانبعاثات الدولية
يجب أن يُرافق الإفصاح البيئي تقليص فعلي للانبعاثات. فكثير من الشركات التي لا تستطيع “إعادة توطين” أنشطتها يجب أن تُفصح عن الانبعاثات الناتجة عن عمليات لا تملكها بشكل مباشر، والمعروفة باسم الانبعاثات من النطاق الثالث (Scope 3)، والتي قد تشكل أكثر من نصف إجمالي الانبعاثات في سلسلة القيمة.
ومع ذلك، تظل التقارير المتعلقة بانبعاثات Scope 3 اختيارية في معظم الحالات، ما دامت الشركات تُقدّم تقييمات لتأثيرها الاقتصادي والمادي. وهو ما يفتح المجال لتضارب كبير بين الأهداف المناخية المُعلنة والأفعال الواقعية، ويُغذي الفجوة بين التعهدات والممارسات.
وبالرغم من تزايد عدد الشركات المستعدة لتقديم تقارير عن هذه الانبعاثات، تشير بيانات المستثمرين إلى أن الأداء المناخي ليس أولوية رئيسية عند اتخاذ قرارات الاستثمار. وبالتالي، فإن القيم الأخلاقية لا تتحقق إلا إذا انعكست بوضوح على تدفقات رؤوس الأموال.

الاستثمار بشفافية ونزاهة
في هذا السياق، تتحمل المؤسسات المالية مسؤولية مركزية في دعم الإفصاح البيئي. فهي تملك النفوذ والقدرة على تحفيز التحول من مجرد تقديم تقارير، إلى بناء أنظمة بيانات حية تُحقق المساءلة عبر سلسلة القيمة.
لكن الواقع الحالي يُشير إلى أن العديد من المستثمرين لا يقبلون بتقليص عوائدهم مقابل أهداف بيئية أو اجتماعية. ويعود ذلك غالبًا إلى شكوكهم بشأن جودة البيانات البيئية، وصعوبة تقييمها، خاصة في سياقات الدول النامية.
وهنا، يمكن للمؤسسات المالية أن تلعب دورًا استباقيًا، من خلال ربط الأطراف في العالمين الغني والنامي، ودعم الهيئات المحلية مثل منظمات التمويل الصغير والمجتمعات المحلية، مما يُسهم في سد فجوة الثقة والمعلومات.
لمن تُكتب هذه اللوائح؟
بدأ البحث الذي استند إليه المقال بتوصية تركز على دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تُسهم بأكثر من 60% من الانبعاثات في الاتحاد الأوروبي. وهنا تواجه الجهات التنظيمية معضلة: كيف تُخفف من أعباء دخول هذه الشركات إلى منظومة الإفصاح، دون التنازل عن أهدافها البيئية الطموحة؟
كما تضمّن البحث توصية أخرى تتجه إلى “الطلب”، لا “العرض”: أي إلى المستهلك العادي الذي يشتري المنتج المستدام، أو المواطن الذي يرغب في استثمار أمواله بطريقة لا تُلحق الأذى بالعالم.
ويجب أن تتضافر الجهود لتعزيز وعي الأفراد، في السياسة والاستثمار والمجتمع المدني، كي يكونوا قادرين على محاسبة الجهات الفاعلة في الاقتصاد الأخضر.
فما وراء التقارير والأرقام والأنظمة الرقمية، هناك بشر يعيشون في قلب هذه السياسات، ويعتمدون عليها لحماية منازلهم، وصحتهم، وسبل معيشتهم.





