تغير المناخ يهدد صحتك بطرق خفية.. أمراض بعد الفيضانات ووفيات بسبب دخان الحرائق

الاحتباس الحراري يعيد رسم خريطة الأمراض.. لماذا تتغير مخاطر العدوى مع المناخ؟

من انتشار الأمراض المعدية بعد الفيضانات إلى آلاف الوفيات بسبب دخان حرائق الغابات وموجات الحر، تتسع الكلفة الصحية للاحتباس الحراري لتتجاوز لحظة وقوع الكارثة وتستمر آثارها لأسابيع أو أشهر.

لا تقتصر تداعيات تغير المناخ على ارتفاع درجات الحرارة واشتداد الظواهر الجوية المتطرفة، بل تمتد إلى صحة الإنسان بطرق قد لا تكون واضحة فور وقوع الكارثة. فالفيضانات يمكن أن تزيد فرص انتقال بعض الأمراض المعدية، والحرائق قد ترفع معدلات دخول المستشفيات بسبب تلوث الهواء، بينما تتسبب موجات الحر في وفيات مباشرة، وتضغط على الأنظمة الصحية.

وتقدم التجربة الأسترالية أمثلة واضحة على هذه المخاطر، بدءًا من ارتفاع حالات مرض الميلوديوسيس بعد مواسم الأمطار والفيضانات، وصولًا إلى الوفيات المرتبطة بدخان حرائق الغابات وموجات الحر. وتكشف هذه الحالات أن الأثر الصحي لتغير المناخ لا ينتهي بانحسار المياه أو انطفاء النيران، بل قد يستمر في صورة أمراض ومضاعفات تظهر لاحقًا.

الفيضانات تفتح الطريق أمام أمراض كانت كامنة في البيئة

شهدت ولاية كوينزلاند الأسترالية، في 8 مارس 2025، وصول الإعصار المداري ألفريد إلى اليابسة في جنوب شرق الولاية، مصحوبًا بأمطار غزيرة وعواصف وسيول مفاجئة هددت حياة السكان.

وجاءت هذه الظروف بعد سنوات شهدت فيضانات متتالية في المنطقة. وبحلول نهاية عام 2025، سجلت كوينزلاند 261 حالة إصابة بمرض الميلوديوسيس، بزيادة بلغت 200% مقارنة بمتوسط عام معتاد، وأسفرت الحالات المسجلة عن 37 وفاة.

وينتج المرض عن بكتيريا Burkholderia pseudomallei التي توجد في التربة والمياه الملوثة، ويمكن أن تنتقل إلى الإنسان عبر الجروح الجلدية أو استنشاق البكتيريا أو ابتلاع مواد ملوثة.

ويوضح جيفري وارنر، أستاذ علم الأحياء الدقيقة بجامعة جيمس كوك، أن الأمطار الغزيرة يمكن أن تغير توزيع البكتيريا في البيئة، فتدفعها إلى طبقات التربة السطحية والمياه، بما يزيد فرص التعرض لها وانتقال العدوى.

وتشمل أعراض المرض الحمى والسعال وتقرحات الجلد والالتهاب الرئوي، وقد يتطور إلى تسمم الدم. وتزداد خطورته لدى الأشخاص الذين يعانون ضعفًا في المناعة.

وتوضح هذه الحالة كيف يمكن لظاهرة جوية أن تتحول إلى مشكلة صحية ممتدة: فالأمطار والسيول لا تسبب الأضرار المادية فقط، بل قد تغير أيضًا ظروف انتشار الكائنات المسببة للأمراض.

الأعاصير قد تحمل أمطارًا أشد في عالم أكثر دفئًا

لم يكن الإعصار ألفريد اعتياديًا في مساره؛ إذ تحرك بصورة متقطعة وغير منتظمة، ووصل إلى اليابسة عند خط عرض جنوبي لم يشهده إعصار مداري منذ أكثر من 50 عامًا، وفقًا للمادة الأصلية.

كما حمل الإعصار كميات كبيرة من المياه، في ظل ارتفاع قياسي في درجات حرارة بحر المرجان الذي نشأ فوقه.

ومع استمرار الاحترار العالمي، تشير التوقعات إلى احتمال انخفاض العدد الإجمالي للأعاصير المدارية، مع زيادة شدة بعض العواصف وما يمكن أن يصاحبها من أمطار غزيرة. ويعني ذلك أن انخفاض عدد الأعاصير لا يضمن بالضرورة تراجع مخاطرها.

وتحذر التوقعات المناخية في أستراليا من أن أحداث الأمطار الشديدة والفيضانات التي شهدتها ولايتا كوينزلاند ونيو ساوث ويلز قد تصبح أكثر تكرارًا وتدميرًا مع ارتفاع متوسط حرارة الأرض.

لكن العلاقة بين المناخ والأمراض ليست آلية أو متطابقة في جميع المناطق؛ فالأمطار والحرارة تؤثران في البيئة التي تعيش فيها مسببات الأمراض وناقلاتها، بينما تحدد عوامل أخرى، مثل طبيعة النظام البيئي وسلوك البشر وقدرة الخدمات الصحية، ما إذا كانت العدوى ستنتشر بالفعل.

المياه الراكدة تزيد فرص انتشار الأمراض التي ينقلها البعوض

لا تتوقف التداعيات الصحية للفيضانات عند الأمراض المرتبطة بالتربة والمياه الملوثة. فالمياه التي تبقى بعد انحسار السيول قد تتحول إلى بيئات مناسبة لتكاثر البعوض، ما يزيد فرص انتقال أمراض معينة.

وفي فبراير 2020، ارتبطت الأمطار الصيفية الغزيرة على ساحل ولاية نيو ساوث ويلز بارتفاع حالات الإصابة بفيروسين ينقلهما البعوض، هما فيروس نهر روس وفيروس غابة بارما.

كما يُحتمل أن تكون الأمطار الشديدة قد أسهمت في تفشي التهاب الدماغ الياباني بصورة غير مسبوقة في أستراليا عام 2022.

وينتشر هذا المرض في مناطق من آسيا والمحيط الهادئ، ويمكن أن يؤدي إلى مضاعفات عصبية خطيرة وقد يكون قاتلًا. ويحذر خبراء من أن الظروف الأكثر دفئًا ورطوبة قد توسع البيئات الملائمة لانتقاله، إذا توافرت العوامل البيئية والوبائية الأخرى اللازمة.

ويشدد وارنر على أن تغير المناخ لا يعني أن جميع الأمراض المدارية ستزداد في كل مكان، بل قد تتغير المناطق التي تظهر فيها التفشيات، وتوقيتها، وشدتها.

وهذا التمييز مهم؛ لأن الاحترار لا يحدد وحده مسار الأمراض المعدية، لكنه قد يهيئ ظروفًا جديدة لانتشارها، خصوصًا عندما تتزامن الحرارة والرطوبة والمياه الراكدة مع وجود مسببات المرض والناقلات المناسبة.

موجات الحر تقتل الآلاف.. والحرائق تحصد ضحايا بعيدًا عن النيران

الفيضانات ليست الخطر المناخي الوحيد على الصحة العامة. فموجات الحر وحرائق الغابات تفرض بدورها أعباء كبيرة، بعضها مباشر وبعضها الآخر لا يظهر إلا عند احتساب الوفيات والمضاعفات المرتبطة بتلوث الهواء.

وتشير تقديرات جامعة موناش إلى أن موجات الحر تسببت في 1009 وفيات في أستراليا بين عامي 2016 و2019.

أما موسم حرائق «الصيف الأسود» في أستراليا خلال عامي 2019 و2020، فقد شهد احتراق أكثر من 46 مليون فدان، و33 وفاة مباشرة مرتبطة بالنيران، وفق الأرقام الواردة في المادة الأصلية.

لكن الحصيلة الصحية لم تتوقف عند الأشخاص الذين لقوا حتفهم بسبب الحرائق نفسها. فقد قُدرت الوفيات المرتبطة باستنشاق دخان الحرائق بنحو 417 وفاة، إلى جانب 3151 حالة دخول إلى المستشفيات بسبب استنشاق الدخان.

وتوضح هذه الأرقام جانبًا مهمًا من الكلفة الصحية للكوارث المناخية: فقد تكون الوفيات الناتجة عن تدهور جودة الهواء أكبر من الوفيات المباشرة الناجمة عن النيران.

ويقول سوتيريس فاردولاكيس، أستاذ الصحة البيئية والعامة بجامعة كانبيرا ومدير شبكة «البيئات الصحية والحياة» التابعة للمجلس الوطني الأسترالي للبحوث الصحية والطبية، إن آثار دخان الحرائق لا تقتصر على المناطق القريبة من النيران، بل يمكن أن تصل إلى مسافات تمتد لعشرات أو مئات الكيلومترات.

وبذلك قد يتعرض أشخاص لمخاطر صحية حتى عندما لا يرون النيران ولا يعيشون بالقرب من المناطق المحترقة.

كيف يمكن الحد من الكلفة الصحية لتغير المناخ؟

جسيمات دقيقة تخترق الهواء وتزيد المخاطر الصحية

من أبرز ملوثات الهواء الناتجة عن الحرائق الجسيمات الدقيقة المعروفة باسم PM2.5، وهي جسيمات يبلغ قطرها 2.5 ميكرومتر أو أقل، أي أصغر بنحو 30 مرة من سُمك شعرة الإنسان.

ويزيد صغر حجم هذه الجسيمات من قدرتها على الوصول إلى أعماق الجهاز التنفسي، ما يجعل التعرض لها مصدر قلق صحي، خصوصًا لدى المصابين بأمراض الجهاز التنفسي والقلب.

وتشير تقديرات مشروع «حالة الهواء العالمي» إلى أن تلوث الهواء بالجسيمات الدقيقة ارتبط بنحو 4.9 مليون وفاة مبكرة حول العالم في عام 2023، وهو رقم يشمل مصادر متعددة للتلوث، ولا يجوز نسبته إلى حرائق الغابات وحدها.

وفي غرب أستراليا، وجدت دراسة تناولت حالات دخول المستشفيات في مدينة بيرث خلال الفترة من 2015 إلى 2017 ارتفاعات ارتبطت بحرائق الغابات وارتفاع تركيزات PM2.5.

وتشير هذه النتائج إلى أن الاستعداد الصحي للحرائق يجب ألا يقتصر على الإخلاء ومكافحة النيران، بل ينبغي أن يشمل أيضًا مراقبة جودة الهواء، والتحذير من الدخان، وحماية الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات.

غرب أستراليا بين الجفاف والحرائق والفيضانات

تواجه مناطق مختلفة من ولاية غرب أستراليا مخاطر مناخية وصحية متباينة. ففي الجنوب الغربي، يُتوقع أن يصبح الجفاف وموجات الحر أكثر تكرارًا وشدة، بما يزيد مخاطر اندلاع حرائق الغابات.

أما شمال الولاية، فيواجه مخاطر الفيضانات خلال موسم الأمطار، إلى جانب الأمراض التي ينقلها البعوض، ومنها فيروس نهر روس وفيروس غابة بارما.

وفي يناير 2023، تسببت الأمطار المرتبطة ببقايا الإعصار المداري إيلي في فيضانات واسعة بمنطقة كيمبرلي، بعدما ارتفع منسوب نهر مارتووارا، المعروف أيضًا باسم نهر فيتزروي، إلى مستوى أدى إلى غمر مناطق وعزل مجتمعات.

وتُظهر هذه الأمثلة أن التأثير الصحي لتغير المناخ لا يتخذ شكلًا واحدًا؛ فقد تواجه منطقة مخاطر مرتبطة بالحرائق وتلوث الهواء، بينما تواجه منطقة أخرى أخطارًا تتعلق بالفيضانات والمياه الملوثة والأمراض المعدية.

ولهذا يحذر الخبراء من استخلاص نتائج خطية مبسطة، مثل افتراض أن جميع الأمراض ستزداد في جميع الأماكن. والأرجح أن تتغير خريطة المخاطر الصحية، وتوقيت ظهورها، وشدة التفشيات، تبعًا للظروف المحلية.

العلاقة بين المناخ والأمراض ليست جديدة

العلاقة بين المناخ والأمراض ليست جديدة

تأثير الظروف المناخية في صحة الإنسان ليس ظاهرة حديثة. فالتاريخ شهد ارتباطات محتملة بين التغيرات المناخية وانتشار بعض الأوبئة.

ومن الأمثلة التي يناقشها الباحثون احتمال مساهمة الظروف المناخية خلال فترة «العصر الجليدي الصغير»، التي امتدت تقريبًا من القرن الرابع عشر إلى القرن التاسع عشر، في الظروف التي أحاطت ببعض موجات الطاعون في أوروبا وآسيا.

كما ارتبطت سنوات ظاهرة النينيو في بعض الدراسات التاريخية بتفشيات للكوليرا، وهي عدوى تنتقل عبر المياه أو الأغذية الملوثة.

ومع ذلك، فإن تفسير الأوبئة التاريخية بعامل مناخي واحد يتطلب الحذر؛ إذ تتداخل عوامل كثيرة في انتشار الأمراض، من حركة السكان والتجارة إلى مستوى الصرف الصحي والرعاية الصحية والظروف الاجتماعية.

وتزداد أهمية هذه الدروس في الوقت الراهن، لأن تغير المناخ يتزامن مع نمو المدن، وتغير استخدام الأراضي، وتزايد الضغط على البنية التحتية والخدمات الصحية.

كيف يمكن الحد من الكلفة الصحية لتغير المناخ؟

يرى خبراء الصحة البيئية أن مواجهة المخاطر الصحية المرتبطة بالمناخ تحتاج إلى مسارين متوازيين: الحد من أسباب تغير المناخ، والاستعداد للآثار التي باتت تهدد المجتمعات بالفعل.

ويشمل الاستعداد تحسين وعي السكان بالمخاطر البيئية، وتطوير البنية التحتية، ورفع قدرة المجتمعات على الصمود أمام الفيضانات والحرائق وموجات الحر.

كما يتطلب الأمر تطوير أنظمة الإنذار المبكر، ومراقبة جودة الهواء، وتحسين تصريف مياه الأمطار، والحد من المياه الراكدة، وتعزيز الترصد الوبائي بعد الكوارث، بما يساعد على اكتشاف الارتفاع غير المعتاد في الإصابات مبكرًا.

كيف يمكن الحد من الكلفة الصحية لتغير المناخ؟

وعلى المستوى الفردي، يمكن أن تسهم متابعة التحذيرات الصحية والبيئية، والالتزام بالأدوية الموصوفة، والسيطرة الجيدة على الربو والأمراض المزمنة، واتباع إرشادات الحماية من الحرارة والدخان، في تقليل بعض المخاطر.

لكن هذه الإجراءات لا تغني عن خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري؛ فالتكيف يقلل الأضرار، بينما يستهدف خفض الانبعاثات الحد من تفاقم الخطر على المدى الطويل.

وتكشف التجربة الأسترالية أن الكلفة الصحية لتغير المناخ قد تكون أكبر مما توحي به صور الفيضانات والحرائق وحدها. فبعد انحسار المياه قد تظهر العدوى، وبعد ابتعاد النيران قد يستمر تلوث الهواء، ومع اشتداد موجات الحر قد ترتفع الوفيات والضغوط على المستشفيات.

لهذا، لم يعد التعامل مع تغير المناخ شأنًا بيئيًا منفصلًا عن الصحة العامة، بل أصبح جزءًا من التخطيط الصحي والاستعداد للكوارث وحماية المجتمعات.

↑
Exit mobile version