تغير المناخ يرفع سعر الشوكولاتة ويغيّر مكوناتها حول العالم
من الكاكاو إلى الزيوت النباتية: كيف أعاد المناخ تشكيل صناعة الشوكولاتة؟
لم تعد الشوكولاتة، التي طالما اعتُبرت من ثوابت الحياة الصغيرة، كما كانت، فقد بدأ المستهلكون يلاحظون تغيرًا واضحًا: ألواح أنحف، وأسعار أعلى، وفي بعض الحالات، منتجات لم يعد من المؤكد أنها تستحق أن تُسمى “شوكولاتة”.
بالنسبة لكثير من المستهلكين في الولايات المتحدة، جاء هذا التغير تدريجيًا، فعبوات الشوكولاتة باتت تحتوي على قطع أقل مقابل سعر أعلى، وهي ظاهرة وصفها مراقبو المستهلكين بـ“التقليص التضخمي”.
اضطرابًا عميقًا في سلاسل التوريد
وفي الوقت نفسه، أصبحت قوائم المكونات أطول، مع اتجاه الشركات إلى استخدام زيوت نباتية أرخص ومواد مثبتة بدلًا من مكونات الكاكاو، رغم ارتباط بعض هذه البدائل بزيادة مخاطر السمنة والأمراض المزمنة.
وفي بعض المنتجات الموسمية، أدى تقليل محتوى الكاكاو إلى استخدام عبارات غامضة مثل “بنكة الشوكولاتة”، التزامًا بقواعد وضع العلامات الغذائية.
ويعكس هذا التحول اضطرابًا عميقًا في سلاسل التوريد، سببه الصدمات المناخية، وأمراض المحاصيل، وفقدان الغابات، ما دفع الشركات إلى خفض التكاليف بطرق غير معلنة.

بداية الأزمة من مزارع الكاكاو
تقول كارولينا ليسكور، صانعة شوكولاتة تعمل على الساحل الكاريبي في بنما، إن عدم الاستقرار المناخي بات يؤثر مباشرة في إنتاج الكاكاو.
فمنذ عام 2016، تعمل ليسكور ميدانيًا عبر مشروعها “Cacao Blessings”، الذي يحصل على الكاكاو من مزرعة تقودها نساء في المنطقة.
وتوضح: “كل عام يصبح التنبؤ بإنتاج الكاكاو أكثر صعوبة. الأمطار تهطل في غير مواسمها، ودرجة حرارة المحيط ترتفع، والحصول على مياه نظيفة أصبح أصعب، والتربة أكثر جفافًا، والمحاصيل أقل”.
وترى أن الضغوط المناخية لا تنفصل عن الضغوط البيئية الأخرى، إذ يؤدي التوسع العمراني غير المنظم في المجتمعات الساحلية الصغيرة إلى الإضرار بالحياة البرية، وهو ما يهدد النظام البيئي الذي يعتمد عليه الكاكاو.

عندما أصبح الكاكاو سلعة نادرة
خلال العامين الماضيين، تعرض إنتاج الكاكاو عالميًا لسلسلة من الصدمات المناخية.
ففي دول رئيسية بأمريكا اللاتينية، مثل الإكوادور وبيرو وكولومبيا وأجزاء من أمريكا الوسطى، أدت الأمطار الغزيرة وغير المنتظمة المرتبطة بتغير المناخ وظاهرة النينيو إلى تلف الأزهار والثمار، بينما ساهمت الرطوبة العالية في انتشار أمراض فطرية مدمرة.
وفي غرب أفريقيا، التي تنتج نحو 70% من كاكاو العالم، أضعفت موجات الجفاف والحر الشديد الأشجار وخفضت الإنتاج.
ومع عمل معظم صغار المزارعين بهوامش ربح ضيقة، لم يتمكن كثيرون من الاستثمار في مكافحة الأمراض أو إعادة تأهيل المزارع.
ونتيجة لذلك، تقلص المعروض العالمي وارتفعت الأسعار بشكل حاد. ففي عام 2024، سجلت أسعار الكاكاو مستويات تاريخية تجاوزت 12 ألف دولار للطن.
وردًا على ذلك، لجأت شركات الشوكولاتة في الولايات المتحدة وأوروبا إلى إعادة صياغة منتجاتها، باستخدام زيوت مثل زيت النخيل وزبدة الشيا بدلًا من مكونات الكاكاو، للحفاظ على هوامش الربح.
من يدفع ثمن الشوكولاتة الأرخص؟
مع ارتفاع الأسعار، انخفض استهلاك الشوكولاتة، كما أدى تقليل محتوى الكاكاو إلى تراجع الطلب الصناعي.
وبحلول منتصف 2025، أظهرت بيانات طحن الكاكاو انخفاضًا سنويًا في معظم الأسواق الرئيسية، فيما وصف محللو “جيه بي مورغان” هذا الاتجاه بـ“تدمير الطلب”.
ولا يعني تراجع الأسعار لاحقًا بالضرورة عودة الشركات إلى استخدام نسب أعلى من الكاكاو، إذ إن إعادة تصميم المنتجات حول مكونات أرخص تقلل الحافز على ذلك.
ويؤدي هذا إلى حلقة مفرغة تضعف الطلب على الكاكاو وتزيد هشاشة سلاسل التوريد.
أما المزارعون، فلا يشعرون بتحسن يُذكر. فوفق تقرير “مقياس الكاكاو” لعام 2025 الصادر عن شبكة “فويس كاكاو”، لا يحصل سوى 16% من المزارعين على دخل يكفي لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
ويؤدي هذا الفقر المستمر إلى إزالة الغابات وزيادة مخاطر عمالة الأطفال ونقص الاستثمار في المزارع.
ترى ليسكور أن هذا الواقع يدفع كثيرًا من المزارعين إلى هجر زراعة الكاكاو، وتقول: “المزارعون يحتاجون إلى الاستقرار وإلى أجر عادل مقابل خبرتهم والجهد الكبير الذي يبذلونه”.
وتختتم بقولها: “عندما تُباع الحلوى على أنها شوكولاتة من دون فهم لما يحدث في الحقول، فهذه مشكلة. الكاكاو يمكن أن يكون غذاءً فائق الفائدة إذا كان هو المكون الأساسي”.





