تحول الطاقة الأسرع في التاريخ.. كيف تدفع الطاقة المتجددة الوقود الأحفوري للخروج
الطاقة المتجددة تتخطى التوقعات وتغير وجه الاقتصاد العالمي.. استثمارات قياسية وتراجع للفحم والنفط
ثورة الطاقة النظيفة تتسارع.. الطاقة الشمسية والبطاريات تزيح الوقود الأحفوري
خلال السنوات الأخيرة تكررت في وسائل الإعلام وعلى ألسنة خبراء ومواطنين عبارة مفادها أن التحول العالمي عن الوقود الأحفوري بطيء أو متعثر، ويستشهد أصحاب هذا الرأي بأن صعود الطاقة النظيفة لا يؤدي إلى إقصاء الوقود الأحفوري بل يضيف عليه فقط.
وتستغل جماعات الضغط لصالح النفط والفحم والغاز هذا التصور لتثبيت الوضع القائم، لكن هذا الادعاء ليس دقيقًا، بل ينطوي على مخاطر سياسية ومناخية، إذ قد يزرع روح «القدرية المناخية» في المجتمعات.
في الواقع نحن نشهد أسرع تحول في أنظمة الطاقة منذ نشوء الحضارة الحديثة، فكل التحولات السابقة – من الاعتماد على العضلات والدواب إلى الخشب ثم الفحم فالنفط – استغرقت عقودًا وربما قرونًا حتى استقرت.
أما «الثورة المتجددة» الحالية فتتقدم بسرعة غير مسبوقة بفضل تلاقي عدة عوامل: انخفاض التكاليف، وفرة الاستثمارات، تقدم التخزين الكهربائي، وتشريعات المناخ العالمية مثل اتفاق باريس.

من قاعدة صغيرة إلى نمو هائل
الرسوم البيانية الطويلة المدى قد توحي بأن نصيب الطاقة المتجددة لا يزال هامشيًا مقارنة بالوقود الأحفوري.
لكن هذه الصورة مضللة، لأنها تضغط القفزة الكبيرة الأخيرة في مساحة صغيرة من الرسم.
يشبه ذلك تقييم الإنترنت في 1984 قبل وجود أي بنية تحتية أو خدمات عامة؛ آنذاك لم يكن عدد المستخدمين يتجاوز بضعة آلاف من الباحثين، لكنه قفز إلى مئات الملايين ثم إلى مليارات في غضون عقدين.
بالطريقة نفسها، انطلقت الطاقة المتجددة ببطء من قاعدة صغيرة جدًا. قبل عشرين عامًا كانت الطاقة الشمسية والرياح باهظة، وكانت البطاريات الكبيرة شبه معدومة.
في العقد 2010-2020 تراجعت أسعار المعدات الشمسية والرياح تدريجيًا، ومع نهاية العقد تحسنت تكنولوجيا البطاريات بشكل متسارع وبدأت الأسعار بالانخفاض.
في العشرينيات انخفضت أسعار السيارات الكهربائية بشكل ملحوظ. ومنذ توقيع اتفاق باريس قبل عشر سنوات تبنت دول عدة خططًا وسياسات مناخية جادة فتسارع التحول الطاقي.

خمسة مؤشرات تكشف حجم التحول:
1- استثمارات ونمو غير مسبوقين: تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تبلغ استثمارات الطاقة النظيفة عالميًا في 2025 نحو 3.3 تريليون دولار أسترالي، أي ضعف ما يستثمر في الوقود الأحفوري وأكثر من أربعة أضعاف ما كان قبل عقد.
في عامي 2024–2025 وحدهما أُضيف أكثر من 585 جيجاواط من طاقة الرياح والطاقة الشمسية حول العالم – وهو رقم يعادل قدرة شبكات كهرباء دول كبرى.
الطاقة الشمسية تتصدر هذا السباق وأصبحت “ملك” مصادر الطاقة الجديدة، والبطاريات تسير على خطاها مع تراجع أسعارها السريع.
2- تفوق التقنيات النظيفة في القدرات الجديدة: في الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والهند وأستراليا تتجاوز القدرات الجديدة من الشمس والرياح نظيراتها من الفحم والنفط والغاز بثلاثة أضعاف أو أكثر.
ثلاثة أرباع القدرات الكهربائية الجديدة عالميًا في 2024 جاءت من الشمس والرياح. حتى في الدول النامية، يوجَّه نحو 90% من تمويل مشاريع الطاقة الجديدة نحو مصادر متجددة.
باكستان مثلًا استوردت خلال خمس سنوات ما يعادل قدرة شبكتها الوطنية من الألواح الشمسية، بينما تشهد دول إفريقيا جنوب الصحراء طفرة غير مسبوقة في استيراد الطاقة الشمسية؛ في سيراليون مثلًا تمثل الطاقة الشمسية الآن أكثر من 60% من قدرة الكهرباء.
بنهاية 2024 كان هناك نحو 58 مليون سيارة كهربائية بالكامل أو هجينة قابلة للشحن على طرق العالم، ما سمح بتجنب حرق أكثر من 250 مليون لتر من النفط يوميًا.
وفي أستراليا – رغم بطء انتشار السيارات الكهربائية – تضاعفت حصة الكهرباء المتجددة تقريبًا في خمس سنوات، من 21% عام 2020 إلى نحو 40% عام 2025.

3- فصل النمو الاقتصادي عن الانبعاثات: الطلب على الكهرباء يزداد في معظم الاقتصادات، لكن الانبعاثات تستقر أو تنخفض حيثما تنتشر الطاقة المتجددة. في الصين – أكبر سوق للكهرباء في العالم – يجري إدخال طاقة نظيفة بوتيرة تجعل انبعاثات قطاع الطاقة تتراجع لأول مرة رغم استمرار نمو الناتج المحلي الإجمالي.
كما أصبحت الصين المنتج الأول عالميًا للتكنولوجيا النظيفة، ما يسرّع التحول في دول أخرى.
4- تسارع على منحنى الـ«S» : التقنيات الجديدة تتبع غالبًا منحنى على شكل حرف S، تبنٍّ بطيء ثم نقطة تحول يعقبها انتشار سريع.
الطاقة الشمسية، السيارات الكهربائية، وتخزين الكهرباء دخلت الآن مرحلة النمو السريع أو تجاوزتها في أسواق عدة. هذا يعني أن السنوات القليلة المقبلة ستشهد قفزات أكبر في الحصة السوقية للمتجددة.
5- إزاحة الوقود الأحفوري فعليًا: مع انخفاض تكاليف المتجددة والتخزين، بدأت في إخراج الفحم والنفط والغاز من السوق.
أغلقت المملكة المتحدة آخر محطة فحم لديها عام 2024 وانخفضت انبعاثاتها إلى أكثر من 50% دون مستويات 1990.
وفي بولندا ولأول مرة وفّر الفحم أقل من نصف الكهرباء في 2024. نماذجنا تشير إلى أن نقطة التحول وصلت بالفعل، وأن السنوات المقبلة ستشهد منافسة متزايدة تكسبها الطاقة النظيفة.

إعادة النظر في خطاب “البطء”
الطاقة هي عماد الحضارة، والطلب عليها في تزايد. لكن مصادر الطاقة المتجددة قادرة على إنتاج الكهرباء – أكثر أشكال الطاقة تنوعًا – بشكل رخيص وموثوق عند دعمها بالتخزين.
في المقابل، الاستثمارات في الوقود الأحفوري تتراجع وتزداد مخاطرتها، بينما تجذب المتجددة رأس المال القياسي بفضل انخفاض تكاليف التكنولوجيا. لسنوات كانت توقعات وكالة الطاقة الدولية لنمو الطاقة الشمسية أقل كثيرًا من الواقع.
لا يعني ذلك أن المهمة اكتملت؛ فما زال الطريق طويلًا أمام العالم لتحقيق الحياد الكربوني ومواجهة مصالح راسخة في قطاعات النفط والفحم والغاز.
لكن الوقائع الميدانية والأرقام واضحة: تقدم حقيقي تحقق بالفعل. إنكار هذا التقدم تجاهل لزخم أسرع تحول طاقي في التاريخ.





