البشر تسببوا في تآكل التربة قبل 5 آلاف عام
بحث علمي: الزراعة البدائية سرّعت انجراف التربة الاستوائية.. جذور بشرية عميقة لأزمة تآكل التربة
بدأ البشر في التسبب بتآكل التربة العالمية في وقت أبكر بكثير مما كان يُعتقد.
فقد كشفت دراسة جديدة أن المجتمعات القديمة في شرق جزيرة جاوة بإندونيسيا أسهمت في إعادة تشكيل التربة الاستوائية منذ نحو خمسة آلاف عام، عبر ممارسات زراعية بدائية وحرائق مفتعلة.
الدراسة التي قادها الدكتور يانمينغ رُوان من مركز علوم البيئة البحرية بجامعة بريمن الألمانية، ونُشرت في دورية Geophysical Research Letters، اعتمدت على تحليل نواة رسوبية بحرية قبالة سواحل جاوة.
هذه النواة سجلت ما حملته الأنهار إلى البحر عبر آلاف السنين: تربة منجرفة، شمع نباتي مجهري، وآثار كيميائية دقيقة لحرائق.
وكان هدف الباحثين التمييز بين التغيرات المناخية الطبيعية وبصمة النشاط البشري في أواخر عصر الهولوسين.

إشارات مبكرة للحرائق والزراعة
أظهرت النتائج ارتفاعًا واضحًا في مؤشرات الحرائق قبل نحو 3500 عام، من دون أن يقابله تغير في الغطاء النباتي أو معدلات الأمطار.
وهو ما يشير إلى أن هذه الحرائق كانت مرتبطة بالأنشطة البشرية، ولا سيما أسلوب الزراعة المتنقلة بالقطع والحرق (السُوِدِن)، الذي جعل التربة أكثر عرضة للانجراف.
وفي الفترة ما بين ألفي عام إلى 1500 عام مضت، كشفت تحاليل النظائر عن موسم مطري أكثر قوة ترافق مع موسم جاف أطول.
هذا التباين المناخي زاد من قدرة الأمطار على تعرية التربة، خصوصًا في الأراضي التي جرى إضعافها بفعل النشاط الزراعي.
تحول زراعي وتسارع الانجراف
تشير الدراسة إلى أن أشد فترات تآكل التربة في الخمسمئة عام الأخيرة ارتبطت بانتقال المجتمعات الزراعية من أسلوب الزراعة المتنقلة إلى أنظمة زراعية أكثر استقرارًا وديمومة.
هذا التحول، الذي شهدته مناطق واسعة في المناطق الاستوائية، أدى إلى تسارع فقدان التربة بشكل غير مسبوق.
وتعزز هذه النتائج أدلة مستقلة من رواسب بحرية قبالة شمال جاوة، حيث رُصدت حبوب لقاح نباتية مرتبطة بالمحاصيل الزراعية وال plantations، ما يؤكد تزايد كثافة النشاط الزراعي خلال تلك الحقبة.

أثر ممتد حتى الحاضر
يرى الباحثون أن هذه البصمات المبكرة تغيّر خط الأساس الذي نقيس به تأثير النشاط البشري الحديث على البيئة.
فالنماذج المناخية تتوقع أن يؤدي الاحترار العالمي إلى زيادة تكرار ظاهرة “القطب الهندي الموجب” المرتبطة بأمطار غزيرة، إلى جانب تقلبات أشد بفعل ظاهرة “النينيو”، وهو ما يضاعف مخاطر الانجراف في الأراضي الزراعية الاستوائية.
وتحذر الدراسة من أن تآكل التربة لا يهدد فقط خصوبة الأراضي الزراعية، بل يضر أيضًا بالأنهار والمناطق الساحلية والأنظمة البيئية مثل الشعاب المرجانية، التي تعتمد على توازن تدفقات الرواسب.
كما أن فقدان التربة تاريخيًا أسهم في تراجع إنتاجية المجتمعات الزراعية، وزيادة هشاشتها أمام الفيضانات والجفاف.

خلاصة
تكشف سجلات الرواسب البحرية في جاوة أن جذور “الأنثروبوسين” في هذه المنطقة ليست وليدة العصر الحديث، بل تمتد لآلاف السنين.
والمزيج المتمثل في الزراعة المكثفة مع تقلبات مطرية حادة لا يزال حتى اليوم من أبرز العوامل المسرّعة لفقدان التربة عالميًا، وهو ما يضع المناطق الاستوائية في صدارة المناطق الأكثر عرضة للخطر.





